وقفة مع الذات لعام مضى وعام آت كلمة الإمام الصادق المهدي في ذكرى ميلاده – 25 ديسمبر 2019م

25 ديسمبر، 2019

وقفة مع الذات لعام مضى وعام آت كلمة الإمام الصادق المهدي في ذكرى ميلاده – 25 ديسمبر 2019م

25 ديسمبر، 2019

بسم الله الرحمن الرحيم
وقفة مع الذات لعام مضى وعام آت
25/12/2019م

أخواني وأخواتي
أبنائي وبناتي

السلام عليكم، وفي البدء أهنيء أمة عيسى عليه السلام بذكرى ميلاده.
لقد انطوى عام حافل بالأحداث التاريخية، أقرأ في لوحه:
في عام 2008م أصدرنا نحن نادي مدريد إعلان البحر الميت، قلنا فيه بعد دراسة الأحوال في العالم المحيط بنا في الشرق الأوسط: ما بين الحكام والشعوب توتر يرجى أن تجري حوارات تمكن من الانتقال لنظم مشاركة ومساءلة، ما لم يحدث ذلك فإن الأوضاع سوف تتفجر. لم تجر الحوارات المنشودة وتفجرت الأوضاع على النحو المعلوم في حركات الربيع العربي الذي أفضل أن أسميه الغيث العربي.
النظام الفاشستي الحاكم في السودان امتاز بأنه من صنع تنظيم سياسي متمرس واستغل العاطفة الدينية، وكسب عمراً من إيرادات النفط، وحظي بدعم تنظيم خارجي. هذه العوامل هي سر بقائه 30 عاماً رغم إخفاقاته البالغة.
واجهه شعبنا بست هبات وانتفاضات ومقاومات مسلحة، احتوى آثارها بسلخ جلدته أربع مرات، في إحداها ضم إليه كثيراً من معارضيه عندما أبرم اتفاقية نيفاشا في عام 2005م. لكننا وحدنا صمدنا في رفضه ورفض محاولاته إشراكنا في باطله، أوضحنا عيوب تلك الاتفاقية وأكدنا أنها لن تحقق سلاماً ولا وحدة ولا تحولاً ديمقراطياً. كذلك انفردنا بتعرية دعواه الإسلامية.
انتفاضة ديسمبر التي أججت الثورة لم تكن كما توهم بعض الناس حدثاً معزولاً؛ بل ثمرة لتراكم الجهاد المدني الذي سبقها، ثورة حظيت ببركات نادرة هي:
التحرك ضد النظام بدأ بعيداً عن أعين أجهزة القمع في الأقاليم ثم انتقل للعاصمة.
الشباب الذي أحاط به اليأس فأجبره للهجرة لخارج الوطن وللهجرة لخارج الوعي بالمخدرات، تغلب على سلبياته في عودة للروح ملأت شوارع المدن لا سيما الخرطوم.
أدركنا وأعلنا منذ يوليو 2013م حملة “تذكرة التحرير”، وما بعدها من عتبات: هنا الشعب، وحملة ارحل أن رحيل النظام ضروري لبقاء الوطن، وبعد تفجر الثورة المجيدة وفي يناير 2019م أعلنا أن النظام جنازة تنتظر دفنها، واعتبرنا مواكب السادس من أبريل نقطة فارقة ودعونا الجميع للمشاركة فيها بصورة تصير مثلاً يضرب، كما طالبنا الجيش ألا يبطش بالمواطنين. وقد كان.
تجمعت المواكب أمام القيادة العامة في الخرطوم، القيادة فاجأت الجميع باستضافة المعتصمين أمامها.
أجهزة القمع التي كونها النظام في لجنة أمنية أعدت لقمع الشعب مهما بلغ حجم القتل، أمام ما علمته من أننا سوف نصعد الاعتصام بالانضمام إليه أجمعت على خلغ الطاغية لا تنفيذ تعليماته.
هذا الموقف حظي بتأييد إقليمي ودولي واسع تعبيراً عن رفض خطايا المخلوع في علاقاته الخارجية.
المجلس العسكري الذي استولى على الأمر تجنب الانفراد بالأمر وانفتح نحو القوى الثورية للاتفاق على ترتيبات النظام الجديد.
من جانبنا تفادينا شعارات الأماني ما أمكن مراعاة لتوازن القوى والاتفاق على التغيير ذي المراحل الثلاث.
النظام الانتقالي الذي يتطلب تحقيق إجراءات بنيوية هي:
أن يحكم العنصر العسكري التطور نحو تنظيم عسكري موحد يدمج كافة القوى المسلحة في تكوين انضباطي واحد.
أن تتطور قوى الحرية والتغيير من إعلان إلى ميثاق، وأن يتطور هيكلها إلى جبهة متماسكة.
أن يلتزم العنصران العسكري والمدني بالوثيقة الدستورية مع اتخاذ ميثاق شرف لضبط تفاصيل لم تحط بها الوثيقة.
هذه المطالب لم تتحقق بعد، بل توجد عيوب في الممارسات الراهنة.
الحكم الانتقالي يواجه تحديات جسيمة أهمها:
تحقيق السلام العادل الشامل. تناول مشروع السلام بالصورة الراهنة لن يحقق السلام:
فالمفاوض الحكومي لم يتحرك بناء على إستراتيجية متفق عليها.
المفاوضون في الطرف الثوري غير موحدي النظرة.
آلية الوساطة منقسمة ولا تحظى بالوزن المطلوب.
هذه بداية متعثرة يرجى تداركها حتى لا تضيع فرصة السلام التاريخية، لذلك طرحنا البديل الإستراتيجي لمشروع السلام العادل الشامل.
التعافي الاقتصادي يتطلب عقد مؤتمر قومي اقتصادي للاتفاق على تشخيص الحالة، وتحديد الواجبات الذاتية المطلوبة، والاتفاق على مناشدة:
الأشقاء لتجنب التجاذب الذي دمر الساحة السورية والساحة الليبية، والاتفاق على دعم السودان بمشروع مارشال تنموي.
الأسرة الدولية أن تقرر أن السودان بموجب الثورة قد عبر لمرحلة تاريخية جديدة، ما يسقط تلقائياً كل العقوبات الموجهة للنظام المخلوع، وتأكيد الاستعداد لدعم السودان المتجه نحو التحول الديمقراطي الكامل. التخلف في هذا الموقف معناه الحكم بمحاصرة السودان المتجدد بسلاسل النظام المخلوع والرهان على إخفاقه.
هذا الموقف مع وجود عناصر الردة المرتبطة بالنظام المخلوع معناه إتاحة الفرصة للردة سواء تحركت سياسياً أو تآمرياً.
ينبغي في التحدث مع الولايات المتحدة تأكيد أن السودان الحر لا يرث خطايا النظام المخلوع، فهو نظام ارتكب جنايات في حق الوطن وفي حق العالم وفرضت عليه عقوبات وألزم بغرامات سودان الثورة لا يرثها وليس مسؤولاً عنها، يمكن للجهات المتضررة أن تسعى لسدادها من الأموال المنهوبة الموجودة في الخارج، ولكن سودان الثورة لا يقبل أن يرث نتائج جرائم تتعلق بنظام ثار عليه وأسقطه.
مهما كان فالنظام الانتقالي من صنعنا، والأخطاء فيه أخطاؤنا، وسوف نعمل على تصحيح الأخطاء، وإنجاح المرحلة الانتقالية، ونستعد للمرحلة التي تليها احتكاماً للشعب بموجب الانتخابات العامة الحرة، ونفرض على سدنة النظام المخلوع مشروع تكيف عادل ومساءلة قانونية إذا هداهم الله إليه، أو نستعد لمواجهة تدابيرهم.
أنا من أكثر الأشخاص في الحياة العامة حصولاً على إشادة ومدح في الداخل الوطني، وفي المجالات العربية، والأفريقية، والإسلامية، والدولية، لدرجة خشيت الفتنة بالعجب وما مدحت به من أشعار سار بذكرها الركبان، ومع ذلك فقد جلب عليّ هذا الإطراء وما صحبه من مكتسباتي في الفكر والبلاء والنشاط نقداً بعضه موضوعي يفيدني وبعضه كيدي أتعامل معه بحكمة: (فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ)، (وَقُلْ سَلَامٌ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).
بعض الإعلاميين تهمهم الإثارة لا الحقيقة، ويبترون ما أقول للإثارة لا للحقيقة، مع أن بابنا مفتوح لكل من يريد التحري – مثلاً- قلت موقفنا مع الحراك الثوري ضد النظام البائد مستمر من أول انقلابه المشؤوم لا الآن في ديسمبر 2018م، أي أنه متراكم ليس “علوق شدة أو بوخة مرقة”، شوه البعض ما قلت بأن الصادق يصف الحراك الثوري بأنه علوق شدة!
قلت إن الدعم السريع الآن في موقف استثنائي، مصيره أن يدمج في وقوات مسلحة موحدة بقانون واحد مع تولي أحد الأركان، أو إن شاءت قيادته التحول لدور سياسي فسيكون عليها التحول لدور مدني سياسي واختيار تكوين حزب، أو التحالف مع حزب الأمة، أو الإندماج في أحد الأحزاب، ولا مانع إن توافقت الرؤية أن يكون اختيار حزبنا. ابتسر القول بأن الصادق أعلن دعوة الدعم السريع للانضمام لحزب الأمة! ومع أن مواقفنا واضحة وضوح الشمس من النظام المباد، ومن الحراك الثوري، يصر العميان أن يصفوه بالرمادي!
ولكن هنالك عوامل تجلب لي نقداً مبرراً أهمه:
أنا صاحب مشروعية أكيدة في اليمين، وكثير من دعاة اليسار لا يغفرون لي أنني أنادي بتقدمية مبدئية. هذا يسلبهم دروة يحبون قذفها.
كذلك أنا صاحب مشروعية حركتها من الطائفة لنهج إسلامي صحوي يسلب الإسلامويين الإنفراد بالشعار الإسلامي الذي استغلوه أسوأ استغلال، لذلك يكيد لي بعضهم.
المنظمات التقليدية الدينية والقبلية استطاع الطغاة لا سيما في عهد نظامي نميري والبشير تدجينها، ولما استحال عليهم ذلك معنا والونا بالاغتيالات الشخصية والبلاغات الكيدية.
لقد رفدنا الحراك الثوري في انتفاضاته السبع، وفتحنا دارنا لكل المعارضين، وجمعنا كلمة قوى من المركز وقوى ثورية في إعلان باريس، ووسعنا هذه الجبهة في نداء السودان، وتعهدنا توسيع وتنشيط العمل المعارض حتى إعلان الحرية والتغيير، وساهمت جماهيرنا في كل مفاصل الثورة في الأقاليم، وفي الاعتصام التاريخي، ومع ذلك بعض المنظرين من خارج التجربة السياسية يريدون حصر الثورة في فئات معينة، وأن يحكموا علينا بأداء أحزاب سياسية تآكلت وغابت عن الحراك الفكري والسياسي والدولي.
هذه مكايدات مفهومة وربما التبست على بعض جماهيرنا فيستغربون كيف يعامل أصحاب هذا العطاء الوطني بهذا الجحود؟
حرصت ولا زلت حريصاً على بيان أسبابه، وإذا عرف السبب بطل العجب.
في العهد البائد كانت حركتنا الداخلية محدودة، ولكن بدأنا زيارات للجزيرة وللنيل الأبيض وللدمازين، وسوف تستمر لتمشل سائر الأقاليم إن شاء الله. وخارجياً واصلنا التحرك الذي شمل هذا العام: أديس أبابا، القاهرة، الأردن، والإمارات.
هنالك قوى من حلفائنا الحاليين أقوالهم ومساهماتهم في الفترة الانتقالية بسبب تطرفهم وقلة خبرتهم إنما يوفرون ذخيرة لقوى الردة التي تعتبرهم بقصورهم حلفاء في كيدهم للحكم الانتقالي.
في وجه اليمين الذي يغلب التأصيل على التحديث، واليسار الذي يغلب التحديث على التأصيل سوف نعمل لتكوين جبهة التوفيق بين التأصيل والتحديث بعنوان التقدمية المؤصلة لنجمع القوى الأكثر فاعلية في دعم المرحلة الانتقالية، وفي التحضير للمرحلة الثالثة من مراحل الثورة: الانتخابات العامة الحرة احتكاماً للشعب، واستعداداً لبناء الوطن، والسلام، والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، والتنمية، والعلاقات الخارجية القائمة على التوازن، وعلى القرار الوطني الحر.
بالنسبة للمستقبل إن نهجي في المعادلة الاجتماعية اشتراكي. إنها اشتراكية أخلاقية عملية لذلك:
نادينا بتحويل المشاريع الخصوصية لجمعيات تعاونية في الماضي.
قدم لي المرحوم جعفر نميري ملفاً لإعادة أملاك أسرة الإمام عبد الرحمن لورثته، رفضت استلام الملف وقلت له إذا قرر النظام التراجع عن التأميم الجائر نرحب بذلك، وبالنسبة لنا ورثة الإمام عبد الرحمن رضي الله عنه الصحيح أن تكون لجنة مهنية برئاسة المراجع العام لإحصاء أصول التركة، وخصم الديون، وتوزيع الباقي على الورثة حسب أنصبتهم الشرعية. ويرجى استبعاد الجزيرة أبا ومجمع بيت الإمام المهدي من التركة لتخصص الجزيرة أبا لسكانها، ومجمع بيت الإمام المهدي وقفاً للأنصار. وافق النميري على هذا الطلب وأصدر به القرار وعرضته لموافقة الورثة فوافقوا عليه وأبلغنا رئيس اللجنة السيد حسين عبد الرحيم بذلك.
هذه المواقف هي الإشتراكية العملية الأخلاقية وتدعمها نصوص الوحي: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَۚ)، وتدعهما نصوص السنة: “مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلى مَنْ لا ظَهْرَ لَهُ، وَمَن كانَ لَهُ فَضْلٌ مِن زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَن لا زَادَ لَهُ، فَذَكَرَ مِن أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لا حَقَّ لأحدٍ مِنَّا في فَضْلٍ”، وتدعمها أحكام الإمام المهدي عليه السلام، كما بينت ذلك في كتاب “يسألونك عن المهدية”.
لي أملاك زراعية وعقارية وصناعية وقد صودرت أكثر من مرة ثم أعيدت، أثناء نظام الإنقاذ المباد ملكت تلك الأصول لشركة أدارها ابني الصديق بمعاونة ابني محمد أحمد. لقد قررت قبل أن يسترد صاحب الأمانة أمانته أن أخصص لأبنائي وبناتي لكل سكن ومصدر معيشة معتدلة، وسوف أخصص شطر أملاكي لمؤسسة خيرية يشرف عليها مجلس أمناء سوف استقطب لها دعم خيرين ودعماً خارجياً لتقوم بالمهام الآتية:
مؤسسة تعليمية بعنوان “مدارس الفلاح”، وتطوير خلاوي القرآن، وتزويد المساجد بمرافق.
مؤسسة صحية لنشر مراكز صحية بعنوان “مراكز الشفاء”.
آلية لتمويل مساكن أنموذجية بديلاً عن السكن العشوائي.
آلية مصرفية لتمويل استثمارات صغيرة لمحاربة العطالة.
مساهمة في توطين النازحين من قراهم في قرى أنموذجية.
ستات الشاي قطاع خدمي مهم ويفتحن بيوت إعاشة استمعنا لهن في جلسة الصحافة والسياسة، ينبغي أن توفر لهن معينات لمساعدتهن.
تأسيس مقبرة بصورة نظامية بعنوان (إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰٓ) غرب أم درمان.
سوف أوجه مجلس إدارة الصديقة تنفيذ هذه القرارات وسوف أبذل جهداً أكبر في العام القادم لتحقيق هذه القرارات.
سوف أساعد الأمانة العامة الجديدة للعمل على تنفيذ المؤتمرات القاعدية ثم أعين اللجنة العليا للدعوة إليه.
كانت انتخابات الأمين العام الجديد نزيهة ودون توجيه من أية جهة، ولكن تعليق أحد الحاقدين على النتيجة: حزب الأسرة. أفراد أسرة المهدي عموماً مقسمون على جهات خارج حزب الأمة القومي. أما أسرتي الخاصة فلم يكن لها مرشح بل أيد بعضهم غير الحبيب الواثق، إن لأفراد أسرتي حرية لا يخضعون لتوجيهات، ولكن:
كلُّ العداوةِ قد تُرْجى إزالَّتُهَا إلاَّ عداوةَ من عَادَاكَ عن حَسَدِ
سوف أعين لجنة عليا للاحتفال بالعيد الماسي لحزب الأمة لمروره 75 عاماً على تأسيسه، هذا العام القادم.
بالنسبة لهيئة شؤون الأنصار سوف أقترح على مجلس الحل والعقد اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق التأسيس الثاني للهيئة، وإضافة دوراً خدمياً لها وانفتاحاً أممياً.
وفي الحالين سوف أحرص على الفصل التام بين الحزب السياسي والمؤسسة الدعوية ليعملا كمؤسستين مستقلتين، وسوف أتفرغ إن شاء الله لأنشطة سياسية قومية وعربية وإفريقية وإسلامية ودولية وفكرية بلا أعباء حزبية وبلا أعباء تنفيذية.
عندما أقدمنا على التأسيس الثاني لحزب الأمة في أكتوبر 1964م جمعنا جمعية عمومية لإجازة دستور الحزب وانتخاب رئيسه والمكتب السياسي والأمين العام. كان سني 29 عاماً، ولكن كنت قد قمت بدور مرموق في ثورة 21 أكتوبر 1964م.
قيادة أسرتنا وبعد إجازة الدستور قدمت شخصاً آخر للرئاسة، ولكن الجمعية العمومية قالت الأمر يقاس بالمجاهدة لا بالسن، وانتخبوني رئيساً للحزب، وبعد ذلك بعامين ضمن تطورات معينة أنتخبت رئيساً للوزراء وأثناء تلك الرئاسة حققت إصلاحات شعبية أزعجت الحرس القديم في السياسة السودانية، فتآمروا على حكومتي وأسقطوها بل جعلوا سن المرشح لرئيس الجمهورية 40 عاماً، لمنعي من الترشح عندما يجاز الدستور الجديد. وبعد سقوط تلك الحكومة بـ 8 أصوات فقط قالت الصحف المستقلة هذا أنجح رئيس وزراء عرفته البلاد.
على أية حال في ذلك الوقت رافعنا بأن الحداثة لا تمنع الرئاسة وكانت المرافعة:
ليَس الحَداثَةُ عن حِلْمٍ بمَانِعَةٍ قد يُوجَدُ الحِلمُ في الشبّانِ وَالشِّيبِ
ومقولة:
يا صاحِ لَيسَ السِرُّ في السَنَواتِ
لَكِنَّهُ في المَرءِ كَيفَ يَعيشُها
في يَقظَةٍ أَم في عَميقِ سُباتِ
والآن صار الأمر هو أنني تجاوزت الثمانين وبالتالي الصلاحية، التاريخ مليء بالأشخاص الذين نبغوا بعطاء وهم فوق الثمانين في عالمنا: مهاتير محمد في ماليزيا، والسبسي في تونس، والخميني في إيران. وفي التراث العالمي سوفكليس، ومايكل انجلو، وأديسون الذي سجل كثيراً من اختراعاته بعد الثمانين.
والآن توجد كتب كثيرة حول التعامل الناجح مع الشيخوخة مثلاً كتاب آلان كاستل بهذا العنوان، وكتب مارك ارقونين كتاباً قال فيه: نهاية وصمة الشيخوخة، وتحدث عن أن تعيش أطول في حياة هادفة، بل يوجد حديث عن مانفستو ضد العجز مع طول العمر، وقال ارقونين: إن الشيخوخة تزيدنا قوة وهي أهم ما نحقق في الحياة، وقال غابريل قارسيا ماركيز الكاتب اللاتيني المعروف: يقولون الإنسان يفقد الحماسة الفكرية والعاطفية حينما يشيخ، وأنا أقول أنه لا يشيخ إلا عندما يفقد تلك الحماسة. أنا أقول كلمة عجوز يجب أن تنطبق على العاجز فقط.
أنا أحمد الله مع الأيام لم أفقد صفائي الروحي ولا حماستي الفكرية والسياسية والعاطفية وقال الحكيم:
إِذَا طَالَ عُمْرُ المَرْءِ فِي غَيْرِ آفة أَفَادَتْ لَهُ الأَيَّامُ فِي كَرِّهَا عَقْلاَ
هنالك أبعاد نفسية تجد الإنسان نشيطاً وهو في العمل ولكن عندما يحال للتقاعد تخبو روحه المعنوية وكأنه يستعد لنهاية الحياة.
تذكر الدراسات كيف أن الوحدة وهي مقترنة بالتقاعد والإنصراف عن النشاط الاجتماعي مرض، قيل إن ضرره يساوي تدخين 15 سيجارة في اليوم.
قال شاعر عراقي:
عمــــــــــرّي بروحي لا بعـدِّ سـنيني فلأسـخـــــرنّ غداً من التّسعين
عمري إلى السّبعينَ يركضُ مسرعاً والــــرّوحُ باقيةٌ على العشـرين
وقال جون ليلاند: السعادة اختيار نختاره، وهذا ما قال مثله إدريس جماع:
كم طالب لسعادة ضل الطريق وما اهتدى
هي فيك هي رضاك عنك فلست تبحث أبعدا.
وأنا أحمد الله على سلامة حواسي ويقظة عقلي واستعدادي للعطاء، وأبغض جليس عندي أولئك الذين لا هم لهم إلا تأبين أنفسهم. المرض والموت يأتيان في كل عمر فلماذا نؤذي مجالسنا بالعيش في جوهما؟
بعض الغافلين يسخرون من الحديث عن البيئة الطبيعية، نحن بحاجة للاهتمام بها تحت شعار “السودان الأخضر” وفي هذا مساهمة كونية في امتصاص ثاني أكسيد الكربون وسنجد تعاوناً كبيراً في تحقيق ذلك. الاتجاه العالمي الحالي هو جعل سلامة البيئة حقاً آخر من حقوق الإنسان ليضاف شأنه للقانون الدولي، هذا لمصلحة بلادنا وكوكبنا.
سوف نعمل على الدعوة لمؤتمر للبيئة ليصدر توصيات توجه نشاطنا في هذا الأمر، ويرجى أن تهتم الدولة به لننقل السودان من الغبرة إلى الخضرة.
ومهما كان عطائي فإنني أتمثل دائماً بمقولة الحبيب المصطفى: “خَصْلَتَانِ لَيْسَ فَوْقَهُمَا مِنَ اَلْبِرِّ شَيْءٌ اَلْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَاَلنَّفْعُ لِعِبَادِ اَللَّهِ وَخَصْلَتَانِ لَيْسَ فَوْقَهُمَا مِنَ اَلشَّرِّ شَيْءٌ اَلشِّرْكُ بِاللَّهِ وَ اَلضَّرُّ لِعِبَادِ اَللَّهِ”. وفي كل صلواتي لا أبرح أكرر: اللهم إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك على قبيح عملي أطمعني أن أسألك ما لا استجوبه مما قصرت فيه، أدعوك آمناً وأسالك مستئناً فإنك المحسن إلي وأنا المسيء إلى نفسي فيما بيني وبينك، تتود إلي بنعمك واتبغض إليك بالمعاصي، ولكن الثقة بك حملتني على الجراءة عليك، فعد بفضلك وإحسانك إلي أنك أنت التواب الرحيم.
ولمن أعد هذا اللقاء ورتبه وحضره الشكر الجزيل. لقد علمت من المحضرين أنهم سوف يعرضون بعض مؤلفاتي ومؤلف سيرتي لابنتي رباح، وتدشين كتاب الدين والفلسفة. وكم أرجو أن يقدم على مثل ذلك كل العاملين في الحقل العام، فيرفعون درجة الوعي، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

                    وبالله التوفيق،،

منشور له صلة