كلمة الحبيب الإمام الصادق المهدي في الجلسه الافتتاحيه لمؤتمر مراجعات الخطاب الإسلامي وإدارة التنوع

29 ديسمبر، 2019

كلمة الحبيب الإمام الصادق المهدي في الجلسه الافتتاحيه لمؤتمر مراجعات الخطاب الإسلامي وإدارة التنوع

29 ديسمبر، 2019

بسم الله الرحن الرحيم
مركز المقاصد للتدريب بالتعاون مع مركز التقدم العربي للسياسات (لندن)
مؤتمر مراجعات الخطاب الإسلامي وإدارة التنوع في السودان
كلمة الحبيب الإمام الصادق المهدي في الجلسه الافتتاحيه للمؤتمر

مقدمة:

أمتنا شهدت فجراً تاريخياً لا يجارى وحققت تفوقاً معجزاً، ولكن بعد قرون خبت نتيجة لثلاثة عوامل هي: تحكم الاستبداد، وجمود الفقه، ومجافاة العقل البرهاني. كبوات جعلتها عرضة لاحتلال أوربي علي يد حضارة كانت حضارتنا هي التي أيقظتها من سباتها القرن أوسطي. ونتيجة لثلاث ثورات ثقافية، واقتصادية، وسياسية تفوقت.
الغزو الأوربي العسكري صحبه غزو ثقافي وفكري انبهر بعض مفكرينا به، فقالوا ينبغي اتباع الحضارة الحديثة بخيرها وشرها لأنها تمثل مستقبل الإنسانية، ولكن في المقابل باسم السلفية رفضها آخرون رفضاً تاماً. واتخذ تيار ثالث موقفاً وسطاً داعياً لاستصحاب النافع منها.
الآن حضارتنا تواجه تحدياً كبيراً في التعامل مع التنوع بداخلها وفي معايشة عالم تسوقه الحضارة الحديثة نحو العالمية فما العمل؟
في عهد النبي محمد صلي الله عليه وسلم كانت المستجدات يتناولها التنزيل، وكانت أول محنة بعد النبي مسألة خلافته. وفي سقيفة بني ساعدة احتدم الخلاف بين الأنصار والمهاجرين، محنة حسمها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بوضع الجميع أمام الأمر الواقع بمبايعة أبي بكر رضي الله عنه، حركة سماها صاحبها نفسه فلتة.
واستجد أمر جلل في خلافة أبي بكر هو موقف بني هاشم من البيعة، والأمر المستجد الآخر الذي ظهر هو الردة، انقسام حسمه الخليفة بالقتال والرواية أن من تداعياتها تسميم الخليفة نفسه.
عهد الخلفاء الذين تعاقبوا بعد الخليفة الأول انتهت حلقاته باغتيال الخلفاء اغتيالات أفضت إلي الفتنة الكبري التي نعيش آثارها حتي يومنا هذا.
ومع أن التنزيل واضح في قوله تعالى (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) ، فإن غياب آلية معتمدة جعلت الخلاف حول ولاية الأمر يحسم بالمغالبة علي نحو ما قال الشهرستاني. واقع امتثل له الفقهاء غالباً علي نحو ما قال ابن حجر العسقلاني بالاتفاق علي طاعة المتغلب.
وفيما يتعلق بالمستجدات الأخري فإن أهل السنة ركنوا لمنطق صوري يستنبط الأحكام من نصوص الوحي والسنة علي أساس نصوص القرآن والسنة والقياس والإجماع، هكذا قامت المذاهب وأهمها الأربعة.
أما الشيعة فقد امتثلوا لمقولات أئمة آمنوا بعصمتهم كأنها نبوة بلا وحي. وبعد اختفاء الإمام الثاني عشر صاروا يتوقعون عودته التي طالت قروناً، وأخيراً قالوا بولاية الفقيه النائب عنه.
الهيمنة الدولية استغلت ضعف أمتنا فغرست في وسطها جسماً غريباً: إسرائيل، وتحكمت في موارد الأمة وممراتها المائية. حالات منفرة غذت اتجاهاً ثورياً ينشد الخلاص بالعودة للوراء، ويستخدم العنف سبيلاً لتطبيق هذا الغلو.
وقامت تيارات في المقابل تنشد الخلاص برؤى تفرغ نصوص الوحي من جوهرها:
دعا محمد عابد الجابري إلي قطيعة معرفية مع التراث. ودعا نصر حامد أبو زيد إلي قيد النص بتاريخيته. وقال محمد أركون القرآن هو أسطورة المسلمين ولسائر الملل أساطيرها. ودعا محمد شحرور لفهم جديد مبتكر لألفاظ القرآن. ودعا محمود محمد طه لنسخ نصف القرآن المكي بنصفه المكي في رسالة ثانية تبين ذلك. وفي روايته الشهيرة أولاد حارتنا اعتبر نجيب محفوظ أن الدين مرحلة معينة في التاريخ سوف تخلفها مرحلة العلم.
هكذا صار الموقف، التجديد بالعودة العنيفة للماضي، أو التجديد بإفراغ النص من معانيه.
مطالب المستجدات تحيط بنا من كل جانب فهل هنالك نهج مشروع من داخل النص نواجه به مطالب التعامل مع المستجدات؟
الجواب نعم. إنه النهج المقاصدي.
النهج المقاصدي يقوم علي سبع قوائم هي: أم الكتاب، والحكمة، والسياسة الشرعية، والعقل، والمصلحة، والتدبر والإلهام.
• فيما يتعلق بأم الكتاب: قال تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) ، أم الكتاب أي مقاصده، وما لا يطابقها متشابهات. مثلاً حسم الخلاف بين الجبر والاختيار: مكارم الأخلاق من مقاصد الشريعة كما قال النبي محمد صلي الله عليه وسلم: “إنَّما بعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق”، الجبر يسقط التكليف بمكارم الاخلاق وهي من مقاصد الشريعة، أما الاختيار (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) وقوله (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) . فهو يثبت المسئولية عن الأفعال وبالتالي الالتزام بمكارم الأخلاق.
• والحكمة: من مقاصد الشريعة وهي توجب مراعاة ظروف الزمان والمكان واستنباط الاحكام بموجب ذلك قال تعالي: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) .
• السياسة الشرعية من مطالب الشريعة. تعرض ابن عقيل لقول شافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فعلق قائلاً: “السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح ، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا نزل به وحي”.
• العقل: في مجال عالم الشهادة من مقاصد الشريعة قال الإمام الرازي: ينبغي تأويل النص القرآني اذا تعارض مع حكم قطعي من العلم – مثلاً – قال تعالي: (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) ) ، قال الرازي: ثبت بالدليل أن الأرض كرة وأن السماء محيطة به ولا شك أن الشمس في الفلك، وأيضاً قال: (ووجد عندها قوماً) ومعلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود، وأيضاً الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض، إذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله: (تغرب في عين حمئة ).
• المصلحة: كذلك فالقرآن ينص (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) ، والحديث: “لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ” . وتعليقاً على الحديث قطع نجم الدين الطوفي بتقديم المصلحة على النص وقال: “إنما يدل تقديم المصلحة على النصوص والإجماع وجوه: أحدها أن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح فهي إذن محل وفاق والإجماع محل خلاف، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه. والوجه الثاني: أن النصوص مختلفة متعارضة، فهي سبب الخلاف في الأحكام المذموم شرعاً، ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه، لا يختلف فيه، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعاً، فكان اتباعه أولى،..، والوجه الثالث: أنه قد ثبت في السنة معارضة النصوص بالمصالح في قضايا منها معارضة ابن مسعود للنص والإجماع في التيمم بمصلحة الاحتياط في العبادة”.
• التدبر: مطلوب في التعامل مع نصوص الوحي كما يقول تعالي: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) .
• الإلهام وارد للنفوس الصافية كما قال تعالي: (اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) وفي السيرة أن النبي صلي الله عليه وسلم أجاز الأذان والإقامة كما روى رؤيتها الصحابي عبد الله بن زيد.
هكذا نقول إن المقاصدية هي البديل الصحيح للانكفاء علي الماضي والبديل للتعامل مع المستجدات بإفراغ النصوص.
الحضارة الحديثة تتطلب:

  • التعامل بإيجابية مع حرية البحث العلمي والتكنولوجي.
  • استصحاب التطور في علم السياسة ونظمها.
  • استصحاب التطور في علم الاقتصاد ونظمه.
  • قبول منظومة حقوق الانسان.
  • التعايش مع التعدد الملي.
  • استصحاب التعدد مع التنوع القومي والثقافي.
  • استصحاب مطالب سلامة البيئة الطبيعية.
    القراءة المحيطة بتراثنا الفكري والمعرفي تؤكد أن حضارتنا ساهمت مساهمة كبيرة في هذه التطورات كما اعترف كثيرون من المنصفين أمثال ارنولد تونبي ومونتجمري واط.
    بل توينبي قال ينبغي علي الحضارة الغربية ألا تستخدم تفوقها في هذه المجالات للتحكم في الآخرين، وأن تعترف بأن لهم دوراً في بناء الحضارة الحديثة، وبأنهم إنما يستصحبون الحضارة الحديثة بصورة تتماشي مع ثقافاتهم.
    المؤسف أن كثيراً من دول الحضارة الحديثة لم تعبأ بإرشادات توينبي، بل ارتكبوا أخطاءً جسيمة في التعامل معنا، وما انطلق في منطقتنا من غلو وعنف فإن لهم فيه دوراً كبيراً كما أوضحته في كتابي “أصم أم يسمع العم سام”.
    وفي الخطاب الإسلامي المعاصر تشوهات جسيمة، ففكر الشيخ أبو الأعلي المودودي منطلق من ظروف مأزومة بالظلم الهندوسي، وأفكاره المأزومة التي تعلقت بالحاكمية كمقولة الخوارج نقلها الأستاذ سيد قطب للمجال العربي الذي هو أيضاً مأزوم بقهر الاستبداد. هذا التوجه المأزوم أفرز التجربة الاسلاموية السودانية ومفادها الاستيلاء علي السلطة بالقوة والخداع وحماية التجربة بالنظام الإقصائي.
    كثير من جماعات نفس هذه المدرسة في أحيان كثيرة تخلوا عن المنهج المأزوم هذا ويرجي أن تعم هذه المراجعات.
    مع هذه المقدمات أتناول الشأن السوداني في ثلاث قضايا هي:
    أولاً: الوطنية
    الإسلام ضمت أمته دولة واحدة في أول 150 سنة بعد الهجرة ثم انقسم كيان الأمة السياسي انقسامات أدت لقيام كيانات وطنية قطرية. الدولة الوطنية تقوم علي أساس ثقافة مشتركة، وتاريخ مشترك، ومصالح مشتركة لشعب معين مرتبط بأرض معينة. المواطنة رابطة تجمع بين شرائح هذا الوطن في ظل سلطة سياسية موحدة هي الدولة الوطنية. الدولة الوطنية تكوين اكتسب وجوداً ودوراً مفيداً في تحقيق الأمن، وكفالة سبل العيش، والتنمية؛ واعتبارها تكويناً باطلاً لتعارضه مع خلافة موحدة منشودة تطلع واهم. فعوامل موضوعية أنهت كيان الدولة التاريخي الموحد وآخره الخلافة العثمانية. الاجتهاد السليم هو اعتبار الرابطة الوطنية تطوراً أوسع لرابطة الأسرة والقبيلة صالحاً لأداء مهام أمنية وتنموية وقابلاً لاستيعاب وحدات جهوية أصغر كاللامركزية ووحدات أكبر كرابطة دول اسلامية.
    ثانياً: العلاقات الدولية الجديدة
    يرى بعض المسلمين استحالة التعايش مع الملل والنحل والدول الأخرى، ويستشهدون بآيات في سورة براءة. لهذا أوضحت في كتبي: نحو مرجعية إسلامية متجددة، والعقوبات الشرعية وموقعها من النظام الإسلامي، وجدلية الأصل والعصر، ونداءات العصر، أوضحت شرعية أن تقوم علاقات التعايش السلمي والتعاون بموجب ميثاق الإيمانيين، وأن تقوم العلاقات الدولية علي أساس المعاهدة: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) . بموجب فقه المقاصد نؤسس لشرعية الدولة الوطنية القابلة للتوسع التعاهدي في وحدات أكبر، ونؤسس لشرعية نظام دولي يقوم علي السلام والتعاون.
    ثالثاً: السودان والتنوع
    تاريخياً تمددت في السودان دولة كوش التي ازدهرت ثقافياً وصناعياً وعاشت ألف عام إلي حين تمدد المسيحية سلمياً في البلاد، وحكمت فيها ثلاث دويلات مسيحية، إحداها: دولة المقرة قاومت الفتح الإسلامي بعد فتح مصر ودخلت الدولة الاسلامية معها في اتفاقية تعايش سلمي، اتفاقية البقط.
    في خمسة قرون بعد ذلك تمدد الاسلام سلمياً وقامت في البلاد دويلات: الفور، الفونج، المسبعات، تقلي والكنوز، وأخري غير مسلمة كمملكتي الزاندي والشلك في الجنوب. ثم خضع السودان للغزو العثماني بقيادة خديوي مصر الذي وحد أقاليم الكنوز، والفونج، والمسبعات، والجنوب، ومؤخراً دولة الفور.
    أطاحت الدعوة المهدية بالحكم العثماني في السودان وأقامت دولة موحدة في كل إقليمه، دولة تعرضت للاحتلال الثنائي اسماً البريطاني فعلاً.
    أثناء الحكم الثنائي تكون مؤتمر الخريجين العام الذي طالب في 1942 بحق تقرير المصير ثم انقسم بين دعاة الاستقلال ودعاة وحدة وادي النيل. في عام 1956 أجمع السودانيون علي الاستقلال ومع أن الدولة صارت موحدة فقد كان السكان منقسمين علي ولاءات أولية جهوية، دينية، إثنية، وثقافية.
    حكمت السودان المستقل ثلاثة عهود ديمقراطية لـ 15% من عمره، وثلاثة عهود دكتاتورية لـ 85% من عمر السودان المستقل.
    الحكومات الديمقراطية لم تقرر إدارة التنوع بصورة ممنهجة ولكنها كانت تبسط الحريات وتشارك الجميع في الحكم. ولكن النظم العسكرية حكمت بالقبضة الحديدية وحتي العهد الدكتاتوري الثاني الذي أبرم اتفاقية سلام في 1972 خرقها وعادت الحرب في مايو 1983م أكثر ضراوة.
    التعامل الإقصائي مع التنوع جعل كل الحروب الأهلية في البلاد تنطلق في عهدهم أي 1963 – 1983 – 2003 – و2011.
    كان العهد الدكتاتوري الثالث هو الأسوأ من حيث إدارة التنوع، وفي 2014م نشرت كتاب “الهوية السودانية بين التسبيك والتفكيك” فحواه أن هنالك تكوين تعددي في السودان يتطلب شروطاً معينة للوحدة الوطنية أو سوف يتفكك الوطن.
    أسباب العصيان المسلح واضحة وهي: مركزية السلطة، سوء توزيع السلطة المركزية، سوء توزيع الثروة والخدمات أي التهميش، الغبن الثقافي، عدم عدالة مؤسسات الدولة النظامية والمدنية، وعدم توازن العلاقات الخارجية.
    النظام الإسلاموي الأخير طبق نهجاً حزبياً فوقياً إسلاموياً عروبياً مما عمق الحرب الأهلية وأشعل حروباً جديدة في دارفور.
    الإسلام بالنهج المقاصدي يقبل التعدد الديني (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) ويقبل التنوع الثقافي والإثني (مِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) .
    الواقع أن أغلبية أهل السودان مسلمون ولكن بينهم غير مسلمين يتطلعون بحق لحرية الاعتقاد.
    التكوين الإثني والثقافي السوداني عربي، زنجي، نوبي، نوباوي، وتبداوي؛ وهم يتحدثون عدداً من اللغات واللهجات. التطلع لنهج اسلامي في السودان واجب بشرط أن يراعي ذلك المساواة في المواطنة والآلية الديمقراطية.
    كذلك اعتماد اللغة العربية اللغة الوطنية للبلاد لأن الأغلبية تتحدث بها مع حق الثقافات الأخرى أن تمارس حقوقها الثقافية. اعتماد هذا التنوع في ظل الوطن الواحد مشروع بل ضروري وقد حقق ذلك النبي صلي الله عليه وسلم في صحيفة المدينة.
    التجربة الإسلاموية الأخيرة خلقت ردود فعل سلبية للنهج الإسلامي ما يوجب أن يكون الطرح الإسلامي مراعياً للنهج المقاصدي ومتصالحاً مع التنوع من حيث المبدأ.
    بالإضافة للتعامل مع مطالب أصحاب الولاءات الأولية هنالك منظومات فكرية في الساحة السودانية، أهمها:
    • العلمانية: العلمانية الأصولية تقتضي إلغاء أية قيمة للمعاني الغيبية. في كل العالم حتي الذي تعلن دوله أنها علمانية لم يمكن طرد المعاني الغيبية من الشعوب. ومحاولات ذلك تأتي بنتائج عكسية كما في الاتحاد السوفيتي وتركيا الكمالية. أما العلمانية المعتدلة التي تنادي بالتعددية والمساواة في المواطنة، وبالعقلانية والنهج العلمي فيما يخص عالم الشهادة فلها دورها المشروع.
    • الشيوعية: كلمة شيوعية ترجمة خاطئة لكميونزم ومعناها التشاركية، وطردها لكافة القيم سوي المادية جائر. وكذلك إسقاط الولاء للوطنية. ومثلما دعاة الإسلام مطالبون بمراجعات فالشيوعيون كذلك. عبارة شيوعية نفسها ترجمة خاطئة وغير موفقة وهنالك حاجة لتجنب المفاهيم الوافدة من تجارب خارجية.
    • الانتماء القومي كما يفعل البعث مشروع مع مراعاة حقوق القوميات غير العربية المكونة لسكان البلاد.
    • المطالبة بالأفريقانية كانتماء لإفريقيا القارة مطلب مشروع على ألا يربط بالإثنية.
    • كذلك ينبغي أن تراجع الفكرة الجمهورية موقفها من النسخ فالمطلوب هو التدبر.
    هذه المراجعات مطلوبة لكي يتمكن السودان من تحقيق وحدة وطنية تثمر ثورته الرائعة لبناء الوطن.
    التعامل مع صناع الانقلاب الإقصائي بالاجتثاث غير صحيح، بل الصحيح أن يقوموا بنقد ذاتي اعترافاً بخطأ الانقلاب المخادع، وخطأ إقامة الولاية علي التمكين الحزبي، وخطأ التطبيق التحكمي للشريعة، والاستعداد لأية مساءلات قانونية مدنية وجنائية. إجراءات تؤهلهم للانضمام لمسيرة بناء الوطن.
    ولهذه التيارات أن تعلم أن الإسلام بالإضافة لمركزه الروحي فإنه محمول ثقافي شعبي هائل. التعبيرات المعادية للإسلام من شأنها أن تجهض الخطاب الإصلاحي الإسلامي وتعطي المبرر للخطاب الرجعي المنكفئ.
    النهج المقاصدي ينقذ دعوة الاسلام من الانكفاء والاستلاب، ويهيئ دعوة الإسلام للتعامل المجدي مع التنوع والحوار البناء مع كل الفكرويات، وسوف تكون النتيجة ايجابية لصالح بناء الوطن في وئام في ظل هذه المراجعات. فإن تخلفت المراجعات يعد المشهد لصدام يقوض بناء الوطن.
    (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) .

والسلام عليكم

منشور له صلة