الفكاهة والفن ليس عبثا: كلمة الإمام في الاحتفال صالون الإبداع بعيد الاستقلال

15 يناير، 2017

الفكاهة والفن ليس عبثا: كلمة الإمام في الاحتفال صالون الإبداع بعيد الاستقلال

15 يناير، 2017

أخواني وأخواتي، أبنائي وبناتي
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،
اليوم سأتحدث حديثاً غير تقليدي بمناسبة هذه الذكرى، والموضوع لن يكون فقط موضوع الفكاهة ولكن في ثلاثة موضوعات:
الموضوع الأول: إحساس بأن هناك سوء ظن بالسودان وألاحظ الآن ما يمكن أن نسميه هذه الظاهرة. أشياء كثيرة أدت إلى هذا المعنى، وأريد أن أقدم مرافعة من أجل محبة السودان.
الموضوع الثاني: الآن في السودان وكذلك في مناطق مختلفة هناك ظاهرة فرار من الدين، الآن صرنا نرى بعض القبائل السودانية الأصيلة فيها أفراد يرتدّون، بل هناك الآن لوبي قوي جداً في المنطقة ملحد. لماذا هذه الظواهر الغريبة؟ سأتصدى لها، وأربط بينها وبين الخطاب الموجود حالياً الذي نفر الناس من الوطن ومن الدين.
الموضوع الثالث: سوف أتحدث عن قضية الفن، وقضية أن الفكاهة لها وظيفة في الحياة.
الموضوع الأول: محبة السودان:
قال لي صديق مصري: يا فلان انتم، السودانيون، تحبون بعضكم ولا تحبون السودان، ونحن المصريون نحب مصر ولا نحب بعضنا البعض. هنالك تدنٍ ملحوظ في حب الوطن يرفده ضيق المعيشة، وكثرة الحروب، وأن أكبر ميزانية أممية للإغاثة الإنسانية في السودان، وأكبر بعثة أمم متحدة لحماية المدنيين في السودان، وأكبر نسبة للنازحين داخل الوطن قياساً لعدد السكان في السودان، ولجوء 25% من السكان للخارج، وتغريب السكان وتغريب الثروة، وعطالة الشباب، ونسبة الفقر صارت عالية، وهناك وسائل الهروب من الواقع: انتشار المخدرات، وانتشار الرغبة في الخروج من الوطن حتى مع كل المخاطر، والمدهش الآن في السودان كان ينبغي أن نقول إن ظاهرة الشباب التي ظهرت في المناداة بالعصيان وغيره ظاهرة صحية لأنها صرفت هذا الشباب من المخدرات إلى قضية وطنية بصورة سلمية، إذن من أهم ايجابيات ما حدث هو أن جزءً كبيراً الآن من أبناءنا وبناتنا تغير الاهتمام: بدل عايزين نطلع للكرت الأخضر، وبدل المخدرات وهي للأسف الآن منتشرة، صار هناك اهتمام بقضية أخرى، قضية ايجابية. هناك ثلاثة علماء من جامعات كولومبيا British Colombia، وLondon School of Economics- كلية لندن للاقتصاد، ومستشار السكرتير العام للأمم المتحدة حول موضوع الـ”Sustainable Development Goals- أهداف التنمية المستدامة”، هؤلاء قدموا تقريراً لعام 2016م لقياس السعادة في أكثر من مائة وخمسين بلد. في مقياس السعادة جئنا للأسف نحن السودان رقم 133، جعلوا لمقياس السعادة ستة مقاييس: دخل الفرد، التماسك الاجتماعي، الثقة في الحكومة، التوزيع العادل للخدمات الاجتماعية، الحرية الشخصية، وحالة الرضا بين المواطنين. لذلك صارت نظرة كثيرين للوطن عندما تكون حالة السعادة متدنية صارت بهذه الحالة صارت نظرة كثيرين من أبناءنا وبناتنا لوطنهم سالبة ونتيجة هذه السلبية لنظرة الوطن صارت هناك عبارات: “واحد سأل الثاني كم مساحة السودان؟ قال له طبعا – قبل أن ينفصل الجنوب- مليون ميل مربع، رد: لا مكعب لأنها حفرة!” هذه النظر السالبة، مهجريون يقولون لنا عندما نقابلهم نحن قطعنا تذكرة اتجاه واحد ذهاب لا إياب.
أريد أن أقدم مرافعة بهذه المناسبة من أجل حب السودان:
أولاً تاريخياً: لازم نعرف أن السودان عنده عراقة خاصة. بروفسور هيكوك قال: “علم الآثار يؤكد أن الحضارة انتقلت من الجنوب للشمال”. بروفسور هيرمن بيل في مؤتمر صحافي في الخرطوم قال: “حضارة وادي مهدها السودان”. شارلس بونيه وهو عالم آثار سويسري قال لي: “عندما جئت أبحث عن حفريات تاريخية في السودان قالوا لي لا تتعب جنوب مصر جغرافية لا تاريخ جنوب مصر خلاء من ناحية التاريخ”. قال لي وهو شخص متحمس جداً ويمول نشاطه هذا، قال لي “حفرياتي في كرمة في شمال السودان أكدت أن أول حضارة نشأت في هذه المنطقة”.
مادياً: عندنا مؤكد وفرة في الماء، ليس فقط الرصيد في النيل 18.5 مليار متر مكعب لكن هناك مليار ونصف أمطار تسقط في السودان، ومليارين مياه جوفية فإذن هناك ماء كمورد للحياة. وهناك 110 مليون فدان حتى بعد انفصال الجنوب أراضٍ صالحة للزراعة، وإذا أمكن استغلالها فالفدان فقط إذا أتى في السنة بـ1000 دولار هذه مائة وعشرة مليار دولار، مائة وعشرة مليار دولار هذا بترول أخضر، هناك 120 مليون رأس حيوانات أنعام، إذا أيضاً استغلت وأتى الرأس بـ1000 دولار فهذه 120 مليار، هذا البترول الأحمر، بخلاف ما تحت الأرض.
عندما كنت رئيس وزراء، مسؤول في السودان، ذهبت إلى اليابان، اليابان عندها تكنولوجيا عالية جداً، وعندها رأس مال وعندها قدرات هائلة جداً، ولكن ليس لديها موارد، فاتفقت معهم أن نعمل تكامل، هم بالتكنولوجيا ورأس المال ونحن بإلامكانات الطبيعية وافقوا واتفقنا، كنا سنعمل ذلك التكامل، ليرسلوا بعثة لعمل إحصاء لكل موارد السودان من غابات وزراعة وموارد طبيعية .. إلخ. على أساس الشراكة ولكن هذا سقط مع الانقلاب .. هذه كانت الفكرة.
والغريبة حبيبي الدكتور عمر نور الدائم رحمه الله عندما نورت مجلس الوزراء قال لي بالحرف: يا فلان الغرب لن يتركنا ننصرف شرقاً، قال لي هذا معناه سيحصل عندنا انقلاب لأنهم لن يتركونا، هذا كلام قاله لي حالما انتهيت من تقديم التقرير لمجلس الوزراء، قال لي هذه الفكرة جيدة ولكن الجماعة شمال الأبيض المتوسط “مش حيسيبونا”.
بشرياً: قبل عهود الانقلابات كانت الخدمة المدنية السودانية، والخدمة النظامية السودانية، والتعليم، كانت في أعلى مستوياتها في العالم الثالث، وحتى كان يزور اقتصاديون سودانيون من وزارة المالية: حمزة ميرغني ومأمون بحيري رحمهما الله، ويقولون لي نحن حينما نمشي لصندوق النقد والبنك الدولي يتحدثون عن السودان أنه سيكون بروسيا أفريقيا. فعندنا وما زال استعداد أفضل مهنيين وفنيين، والدليل على ذلك أنهم في الاغتراب ما زالوا يحافظون على المستوى الذي تدهور في الداخل.
ولدينا حتى الآن جماعة مفكرة ومثقفة جيدة صحيح، غير مشهورة ولكن تأليف جماعة مهندسين مثقفين ومفكرين أنا أذكر فقط أمثال: محمد علي جادين، فيصل عبد الرحمن علي طه، بلقيس بدري، فتحي الضو، سعاد إبراهيم عيسى، آدم الزين، حيدر إبراهيم، حامد البشير، يوسف تكنة، عدد كبير جداً والآن أنا اعتقد صارت هناك بدون شك فصيلة من هؤلاء، وشعراء بالفصحى أيضاً طبعاً مثلما أقول: الشعراء هم لشعوبهم المشرعون غير الرسميين لأنهم عندهم قرون استشعار للمستقبل: عالم عباس، محمد المكي إبراهيم، روضة الحاج، عبد القادر الكتيابي، المكي مصطفى، فضيلي جماع، المعز عمر بخيت، بشرى الفاضل، محمد صالح مجذوب… إلى آخره.. هؤلاء أتكلم عنهم كنموذج للشعراء. وأما الشعراء في الشعر القومي افتكر عندنا ثروة عظيمة جداً من الشعراء بالشعر القومي، ويمتاز شعر هؤلاء بحالتين: أولا: أن شعرهم هذا مميز إذا قورن بالشعر النمطي في البلدان المماثلة، وكذلك أنهم يعكسون القيم الإنسانية السودانية، عندما كنت في الحكومة زرنا الأردن وكان في ذلك الوقت ولي العهد الأمير الحسن بن طلال، وكانت عندنا دعوة عاملها سفير لنا لكي ألتقي بالسودانيين العاملين في المنظمات الدولية. فالأمير ولي العهد حضر وقال: أنا عايز أحضر معكم لكي أقدم لكم شهادة. شهادتي أن السودانيين عندهم إنسانيات خاصة بهم وصار يتكلم عن الإنسانيات السودانية: الكرم، والكرامة، والمروء، والتسامح، والتواضع ..إلخ.
أنا الآن سأقول نماذج من الشعر القومي السوداني الذي يعكس ما اعتقد أنه يجسد قيم الإنسانيات السودانية في هذه المعاني:
في الكرامة:
الباب البجيب الريح أحسن تعجل سدو
والجنس الرخيص خليك بعيد من ردو
المال والدهب ما من سعايه جدو
جلد الحر رهيف أقل حاجه تقدو
الكرم:
تمساح أم كبلو الحارس التنير
الجود والكرم راجيك نحلة عديل
يا ركيزة الحي العليك بنميل
بلاك منو البضبح اللقحة اللبنها بسيل
المروءة:
مما قام صغير ما بيمشى في الفارغات
للجار والعشير هو الدخرى للحبوبات
ستار العروض البرفع الواقعات
صاين عرضو حافظ مالو للشكرات
أيضاً:
جيتك بامتثال صاحبي المتمم كيفي
إبراهيم ثبات عقلي ودرقتي وسيفي
مطمورة غداي مونة خريفي وصيفي
سترة حالي في جاري ونساي وضيفي
التسامح: وهذا معنى عظيم جداً في التسامح
الهوى والشرق بي ليمو لماهو
والزين والفسل بي خيرو عماهو
حفر العد غريق لامن يجيب ماهو
شال سعينات الرجال سواها في سقاهو
التواضع:
ظلمات المساكين هب ضو مساهن
بى الندى والتواضع ثبتن رساهن
*
متواضع كريم شيم البرامكة صفاتك
واسع جاه رحيم أتوفوا ناس بوفاتك
بعدين أنا أضفت أنه عندنا في تجسيد هذه المعاني، وهي المعاني التي تمثل أخلاق السودان هذه ويسمونها أخلاق “السمتة”، أخلاق السمتة هذه فيها الأشعار التي تجسد الإنسانيات، عندنا منها في هذا الشعر القومي لدينا غزل أسميه فوق الحسي، ليس فقط شعرها طويل ولونها إيه كما هو المعتاد بالنسبة للغزل:
دون فصادة سواك إلهـك
والإبار ما مسن شفاهـك
فطرة أدبك وطبعة انتباهك
دون تعلم مثبوت نباهك
ما بيدروا ديل جهلوا جاهك
هذا الوطن يستحق المحبة، بالإضافة لأنه كما يقول إيليا أبو ماضي: هيهات ننسى الموطنا.
وحيثما يستقر السوداني في غير وطنه فهو مواطن من الدرجة الثانية، ويعامل بدونية، ولذلك أقول بالنسبة لأهلنا وأخواننا وأبنائنا الذين استقروا هناك إن شاء الله “تتاورهم” محبة الوطن ويفكروا فيها:
من غادر الأرض في يوم سعيد غدا في سجن غربته للنفس سجانا
إذا اشتهى الناس أموالاً وأرصدة نحن اشتهينا ورب الناس أوطانا
هذه هي ظاهرة القلة في محبة الوطن التي أتكلم عنها وهي لأسباب ليست فارغة بل لأسباب موضوعية.
ظاهرة الفرار من الدين بسبب الصورة الطاردة التي تُعرض للدين، وقد نفرت ناس كثيرين من الدين خصوصاً النساء، لقد التقيتُ سودانيات وصوماليات وعربيات وأخريات كثيرات جداً صار عندهن نفور من الدين، لماذا؟ لأن التيار العام يتكلم عن الدين بطريقة فيها دونية للمرأة، المرأة إذا كانت رأت أن دينها يضعها في هذه الصورة تنفر من دينها.
هناك الآن نفور من الدين وردة من الدين وإلحاد. فيما تعلق بالردة من الدين ليست فقط قبائل معنية، حتى قبائل عربية صارت فيها هذه الظاهرة. لدى النازحين عندنا في السودان، التقيت من النازحين من قال له أحد موظفي الحكومة: “أنتم ترحبون بالكفار، يأتونكم هنا، فتقبلونهم وتقابلونهم ونحن بني جنسكم ومسلمين مثلكم، ترفضون لنا أن نزوركم في هذه المعسكرات”، فقال له النازح: “يا أخي واحد أمطرك بالقنابل وحرق قريتك واغتصب نساءك، وآخر جاء فمسح دمعتك ومنحك الأكل والشرب والدواء فأيهما الكافر؟!”.. فهذه عوامل جعلت هناك نفور، وفعلاً أصحبت هناك ظاهرة ردة. وفي مناطق كثيرة التقيتُ أبناء قبائل عربية وغير عربية ارتدوا، وحتى لدى سكان المدن، خاصة البنات المتعلمات حتى الطبقة البرجوازية، صار فيها بنات ارتددن لماذا؟ لأن الوعظ الموجه لهن أيضاً وعظ غريب جداً، كثير من المتكلمين: “النساء ناقصات عقل ودين”، يتكلمون فيقولون لها إنك ناقصة عقل ودين ودينك يقول هذا، فهي تنفر من هذا الدين الذي يقول هذا الكلام، وهذا طبعاً حديث غير صحيح، وهذا الحديث نفسه له تكملة تقول “ما رأيت أذهب لعقل الرجل الحازم منكن” فأيهما الذي ليس لديه عقل بينهما: الجميلة أم الذي يهزه الجمال بهذا الشكل.. وكما قال أحدهم:
ليت الذي خلق العين السودا جعل القلوب الخافقات حديدا
ويريد أن يترك الموضوع لرب العالمين لأنها هزته! وعلى أية حال هذا الحديث مناقض للواقع وما دام مناقضاً للواقع يُراجع، لأن الإمام علي بن علي طالب قال: “حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ”[1].
كذلك حديث “ما أفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة” والحقيقة أن كثيراً جداً من الناس أفلحوا وولوا أمرهم امرأة، وبالذات هذه، وأصلاً قالوا إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام لأن كسرى اختار خليفة له بنته (بوران)، وبنت كسرى هذه بالذات كانت من أنجح الأكاسرة في فارس، فهذه كلها أحاديث آحاد، ومتناقضة مع الواقع.
ومقولات ذكورية يأتون بها: “أَيُّما امرأَةٍ ماتَتْ وزوْجُهَا عَنْهَا راضٍ دخَلَتِ الجَنَّةَ”[2]، أي أن زوجها ممسك بالباسبورت! و”أي امرأة خدمت زوجها سبعة أيام أغلقت سبعة من أبواب جهنم، وفتحت ثمانية من أبواب الجنة تدخل بأيها تشاء”.. طبعا هذا كله كلام ذكوري عشان النساء حقيقة يعبدن الرجال ليس أكثر من ذلك، فهذه عبادة، مع أن الحديث الذي أتى به ابن تيمية عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ”[3] من أمتي، وليس رجال أمتي، وهذا جاء في مجموعة فتاوى ابن تيمة، والحقيقة الواضحة (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لمن يشاء)[4].
هناك اتجاه إلحاد عام له مسببات عامة. من احتكروا الدعوة للدين من منطلق نفعي وتسلط يربط الإسلام بالظلم والاستبداد، هذا مؤكد كان له هذا الأثر وهذا المعنى التنفيري. ثم أن الوعاظ الذين يربطون الدين بخرافات ينكرها العقل خلافاً لما قال البصيري، البصيري تكلم عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في البردة:
لَمْ يَمْتَحِنَّا بِمَا تَعْيَا العُقُولُ بِهِ حِرْصًا عَلَيْنَا فَلَمْ نَرْتَبْ وَلَمْ نَهِمُ
وفتاوى منفرة كثيرة جداً مثل فتواهم: الذين يحضرون جامعات مختلطة فاسقون، كلهم بالجملة.
والفتاوى التي تربط الدين بكل أنواع التكفير، والتي تربط الدين بالتحريم لكلِّ شيء، ما دام لم يكن في الصدر الأول فهو كفر. وضد الفنون مع أن الجمال مثل الكمال من مقاصد الكون، فالجمال من مقاصد الكون، والجمال لا يعني “جمال الست”، الجمال كله جمال، يعني الجماليات، الفنون كلها تدرس على أساس أنها من الجماليات.
والتجهم والعبوس: أحدهم يجلس إلى جانب آخر في الصلاة، فمد له يده بعد نهايتها ليقول له “حرماً”، وهي العبارة التي يقولها الناس، فهذا كمش يده وكشر قائلاً “ليست هذه ليست من السنة” فرد عليه قائلاً: “طيب هذه ما من السنة.. المساخة دي من السنة”؟
قال النبي الله عليه وسلم: “أُمِرْنَا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ”[5].
العقل الإنساني الآن تغير وتطور، والقدرات الإنسانية تغيرت وتطورت، والخطاب الديني ما لم ينطلق من هذا لا يفهم، ولن يفهم ويكون ساقطاً.
هناك عبارات أساسية يمكن أن ننقلها:
– فالإيمان ينقل الوجود من الصدفة، كما يقول كثير من الملاحدة، إلى القصد، هذه ضرورية جداً فالكون فيه قصد.
– نقل صورة الإنسان من حدود الحواس لإمكان معارف فوق الحسية، وهذا كلام يقوله أحد أهم فلاسفة الغرب مثل كانط، فهو يسمي الأشياء التي نعرفها بالحواس Categorical Imperatives، ولكن هناك أشياء لا تدرك بالحواس ولازم نعترف بوجودها.
– نقل مكارم الأخلاق من النفعية للواجبية، إذا لم يكن هناك اعتقاد فالاعتقاد هو الذي يربط الأخلاق بالواجب وليس بالنفع.
– وأشياء كثيرة كذلك، مسألة أنه (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)[6] وهذه أشياء تثبتها الآن العلوم و(أَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى* مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى)[7] وهذا أيضاً لم يكن معروفاً بأن الذكورة والأنوثة آتية من ماء الرجل وليس مثلما كانوا يعتقدون أنه يعلو ماء الرجل أو ماء الأنثى.
– والكلام عن أنه في عالم الشهادة يعلو العقل: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ)[8] يعني السموات والأرض والطبيعة نفسها مخلوقة بالحق، لذلك قواعد الطبيعة وسنن الطبيعة التي يكتشفها العقل سننٌ راتبة وهي حق.
وهنالك حقائق رقمية يظهرها الكمبيوتر مدهشة لا تكون من تأليف شخصي أمي – مثلاً في القرآن ترد كلمة الدنيا 115 مرة كذلك كلمة الآخرة. وكلمة الملائكة والشياطين كذلك بالتساوي 88 مرة وكذلك عبارة الحياة والموت 145 مرة. والصالحات والسيئات 167 مرة وكلمة الإيمان والكفر 17 مرة وهكذا.
هذا العرض كله يتطلب منا أن نتحدث عن السيرة ليس على أساس الخوارق، لأن القرآن نفسه قال (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ)[9]، أي ما عاد يرسل بالآيات، وكل السيرة تفصيلاً من مولد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى وفاته تقدم صورة عقلانية مبنية على خطط مقنعة، هذا الوضع هو الصحيح. هنالك أستاذة اسمها كارين أرمسترونج كتبت كتاباً عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت فيه ما معناه ““Muhammad: A Prophet for Our Time أي هذا نبي لزماننا، لأنه يخاطب عقلنا.
والفقه لا بد أن يقوم ليس على أساس النصوص، يقوم على أساس المقاصد، وتأكيد أنه يوجد تماهٍ ما بين النصوص وحقوق الإنسان. حقوق الإنسان كلها تتفرع من خمسة أشياء: الكرامة، الحرية، العدالة، والمساواة، والسلام، وهذه كلها موجودة وهناك تماهٍ معها. والتخلي عن أسطورية التاريخ، فلا يكون الكلام عن تاريخنا كأنه أسطورة. وكل هؤلاء من الصحابة ومن بعدهم كلهم بشر يخطئون ويصيبون، وأي كلام غير ذلك فتنة.
المطلوب إذن بيان الدين مبرئاً من هذه النقاط. وأعتقد أن هذا ليس فقط ممكن بل هو واجب، وإلا سنواجه الردة والإلحاد، ونكون مسئولين عن ذلك، لأن هؤلاء الناس الذين يمشون في هذا الاتجاه تكون طردتهم هذه المعاني، لأنه الآن للأسف الشديد حينما أشاهد الفضائيات أجد فيها منظراً غريباً جداً، فإما أنها تستفز الأخلاق لأنها تسلع المرأة، أو تستفز العقل لأنها تأتي بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، وناس يؤجرون لكي يلوثوا الدين، وبالتالي العقلية الموجودة حالياً تنفر من الدين. إن الذين ربطوا بين الدين واضطهاد الإنسان وظلمه كما في تجربة الحكم في السودان يدفعون دفعاً نحو الردة والإلحاد.
كذلك الذين يربطون بين الدين والأساطير وبين الدين والتطرف والإكراه والتعصب يدفعون كثيرين دفعاً نحو الإلحاد.
الجزء الأخير من كلامي سيكون عن الفكاهة.
المرح والفكاهة، لدي كتاب يتكلم عن أن الفكاهة ليست عبثاً، فهي ليست عبثاً بل لديها وظيفة، لها وظيفة شخصية للفرد، ووظيفة اجتماعية، ووظيفة سياسية. والحقيقة أنه عندما نبحث الفكاهة نجد فيها المرح، وفيها السخرية، وفيها النقد الاجتماعي، والنقد السياسي، والنقد الإثني، وفيها بهارات الكلام لأنها تضيف للكلام بهارات.
مثلاً المرح، الفكاهة المرحة: طبعا نحن في السودان عندنا مشكلتين مشكلة في الـP بنقول B، ومشكلة في القاف بنقول غاف، وهذا يلخبط المعنى كله، واحد سوداني كان سائقاً عربية في لندن وهناك ضابط بوليس واقف، جاء السوداني يريد أن يوقف عربته فقال له:may I bark here؟ طبعا bark معناه انبح، يعني: ممكن أنبح هنا؟ هنا الضابط قال له:of course you may, it is a free country!
بعدين واحد سوداني مشى مطعم عايز دجاج (فراخ) فقال له “I want hen “. السفرجي قال له:!I will bring you chicken, but I cannot guarantee the sex
بعدين عندنا سودانيين مشوا لمطعم كذلك فسأله قال له: are you four؟ يعني هل أنتم أربعة؟ فقال له: no, Zaghawa، أي لا نحن زغاوة!
بعدين واحدة من السيدات وهذه حصلت فعلاً، مشت لبقالة وكانت في البقالة تسمع الناس يقولون excuse me، فهي عايزة تقول excuse me قالت kiss me please، فقال لها Not in public!
السخرية: من السخرية في عهد نميري واحد من الساخرين قال: من فضلكم حينما تدفنوا سوداني ادفنوا معه البطاقة، بطاقة التعريف به، سألوه لماذا؟ قال لأن الله لا يعذب الشخص مرتين.
بعدين في عهد الإنقاذ قال أحدهم: والله هؤلاء الجماعة طالبونا طلب شديد جداً بأن نمشي للمسجد فلما مشينا للمسجد، “عقبونا” على السوق.
المرح أو النقد الاجتماعي:
قالــــو المرا الفعلا مرا من خشم بيتها ولـــي ورا
أما المـــرا النص المرا بتزور جوارها وبالضــرا
أمـــا الأخيـــرة وما مرا في السوق تشوفه تخابرها
وبعدين واحد فعلاً متزوج ويضرب زوجته، وأمها قاعدة، وأحدهم ينصحه قال له: المرأة ما بدقوها بالعصاية بل بضرتها.. الأم سمعت الكلمة قالت له: دُق دقك.
وطبعاً هناك نقد إثني: نحن عندنا أهلنا الجعليين متحمسين، حماسيين فقالوا يعني زمان لما يقوم للزول نبت يقطعون له رجله، ولكي يقطعوها ويصبر يكون هناك سيدات يحضرن لكي يزغردن، لأن هذا يعمل له تخدير بدل البنج، وأفتكر البنج هذا من أعظم اكتشافات الإنسانية، فالشخص معه يمكن أن يفتحوا له قلبه وكل شيء بدون أن يشعر، فهنا البنج المستعمل كان السيدات بزغارديهن، فهو حينما قطعوا رجله والبنات زغردن، قال: حرّم تقطعوا التانية.
وبعدين واحد من أهلنا البجا. تفاخر الناس كلٌ واحد قال كذا وكذا من الفخر فقال: “انتو عارفين نحن أحسن ناس في البلد دي، وأوباما دة زولنا نحن، زي ما نحن عندنا أوهاج اوباما دة بتاعنا نحن”.
وبعدين واحد جنوبي قالوا له لا تدخن السجائر فهذا يسبب الموت البطيء، قال: هو المستعجل للموت منو؟
أما السياسي: في عهد الرئيس عبد الناصر، كان يتتبع المعلومات والإشاعات جداً ويجمعها، وكان هناك واحد مصدر النكات فأرسل له كيف تقول نكتة في واحد الشعب صوت له بنسبة 99.9% فقال له هذه نكتة لم أقلها.
في عهد نميري كانوا يقولوا، تعليمات، إنه الزول الذي سرق القاضي يتم له النصاب من جيبه لكي يقطع يده.
بعدين جات عبارة بالنسبة لأهلنا الإنقاذيين: “الإنقاذي كان سلم عليك، عد أصابعيك”.
الفكاهة عندها دور فردي، ونفسي، واجتماعي، وسياسي. الناس الذين يحسنونها يقال عنه ظريف، ومن لا يفعل يصنف ثقيلاً.
والحقيقة في الكلام، وفي الخطاب، وفي كل شيء كالكلمة الطيبة، المرح والنكتة بخور الباطن.

والسلام عليكم،

[1] صحيح بخاري
[2] رواه الترمذي
[3] أخرجه بخاري
[4] سورة النساء الآية (48)
[5] المقاصد الحسنة فيما اشتهر على الألسنة
[6] سورة الأنبياء الآية (30)
[7] سورة النجم الآيتان (45،46)
[8] سورة الحجر الآية (85)
[9] سورة الإسراء الآية رقم (59)

شارك:

منشور له صلة

الاسبوع السياسي التعبوي

الاسبوع السياسي التعبوي

حزب الامة القومي ولاية جنوب دارفور الاسبوع السياسي التعبوي الله أكبر ولله الحمد انطلق ظهر اليوم السبت الاسبوع السياسي التعبوي لحزب الامة القومي...

قراءة المزيد