بسم الله الرحمن الرحيم
حزب
الأمة
اللجنة
العليا للمؤتمر العام السادس في الفترة ما بين 15- 17 أبريل
2003م
لجنة السكرتارية والبرنامج
الجلسة الافتتاحية- كلمة رئيس الحزب
أخواني وأخواتي،
أبنائي وبناتي، ضيوفنا الكرام مع حفظ الألقاب واحترام المقامات،
السلام
عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أرحب
بكم ترحيبا حارا في هذا المؤتمر الذي يعقد في جبهة الدنيا وفي
مفرق التاريخ. يعقد في أيام مصيرية لنا في الوطن ولإقليمنا من
حولنا وللعالم العريض
.
وهو
مؤتمر تاريخي لأنه أول مؤتمر سياسي حر يعقد في ظل نظام ما زالت
تحيط به معالم شمولية يحمد له أنه اعترف بالمطالب النظرية للسلام
العادل والتحول الديمقراطي، والاعتراف بالرأي الآخر قبل فوات
الأوان.
وهو أول
مؤتمر لحزب سياسي جماهيري يعقد بعد مسيرة انتخابية بدأت من
القاعدة بآلاف اللقاءات وصعدت للقمة
.
وهو أول
ميلاد لبرنامج فكري سياسي غذته عشرات الندوات وحلقات النقاش
وورشات العمل
.
وهو أول
بناء سياسي ممول ذاتيا بلا قرش من مال دافع الضريبة وبلا فلس من
صديق غير سوداني .. صورة رائعة من صور الاعتماد على الذات
.
أخاطبكم
في هذا المؤتمر عبر عشر نقاط هامة.
النقطة
الأولى:
ماذا حققنا بين مؤتمرين: هذا في 2003م والأخير في عام 1986م؟..
لقد أوليتمونا ثقتكم في مؤتمرنا الخامس في عام 1986م، وعلينا أن
نبين ماذا فعلنا بهذه الثقة، وذلك عبر ست فترات هي
:
·
من
1986م إلى يونيو 1989م.
·
من
يونيو 1989م إلى يونيو 1995م.
·
من
يونيو 1995 إلى نوفمبر 1999م.
·
من
نوفمبر 1999م إلى فبراير 2001.
·
من
فبراير 2001م حتى الآن.
أقول:
إننا في الفترة الأولى حققنا الآتي
:
i)
فزنا
بأكثرية مقاعد الجمعية التأسيسية
ii)
كونا
حكومات ائتلافية راعت توازنا سياسيا وجهويا في تكوينها وأقامت
حكما لا مركزيا ملّك أبناء وبنات أقاليمنا زمام الأمر الإقليمي.
iii)
نقلنا
النمو الاقتصادي من سالب إلى موجب.
iv)
حافظنا
على حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.
v)
عملنا
على أن يكون حل قضية الأسلمة قوميا.
vi)
عملنا
على أن يأتي السلام بأسس قومية وكدنا أن نحققه لولا الانقلاب
الذي قطع الطريق.
vii)
التزمنا
نهجا في السياسة الخارجية حافظ على استقلال القرار الوطني،وعلى
حسن جوار إقليميا، وعلى صداقة الدول والشعوب عالميا.
الفترة الثانية:
الديمقراطية لا تحسن الدفاع عن نفسها أمام القوى الانقلابية
المصممة لأن كفالة الحريات وحقوق الإنسان واستقلال القضاء فرص
يمكن للقوى المتآمرة استغلالها لا سيما إن كانت تلك القوى صاحبة
حقوق سياسية ودستورية يكفلها لها الدستور. لم تكن مقاومة
الانقلاب الذي وقع في يوم 30 يونيو 1989م ممكنة لأن بعض القوى
المنوط بها الدفاع عن الديمقراطية ساعدت الانقلاب على عكس
التزامها، فاتحاد مزارعي الجزيرة كان مضربا إضرابا عديم المبررات
وعندما وقع الانقلاب رفع الإضراب.
كما أن
القوات المسلحة الملتزمة بالامتناع عن الانقلاب ومحاربة
الانقلابيين شاركت بالتصميم وبالخديعة في الانقلاب
.
كان موقفنا الأول
من الانقلاب هو الرفض والمناصحة ولكنه أصر واستكبر استكبارا
فاتخذنا الخطوة الثانية وهي تنظيم معارضة مدنية للانقلاب باسم
الجهاد المدني استطعنا بموجبه عزل النظام وتوحيد القوى السياسية
والنقابية في معارضته.
الفترة الثالثة أي
منذ يونيو 1995م شهدت التكوين الفعلي للتجمع الوطني الديمقراطي
واتخاذ قرارات اسمرا المصيرية وتوحيد العمل المعارض كله بما في
ذلك المقاومة المسلحة.
هذا العمل بلغ
قمته في أواخر 1996م بعملية تهتدون وما أعقبها من تصعيد المقاومة
ومحاصرة النظام بتحالف عريض وطني وإقليمي ودولي.. تحالف كان من
ثماره مراجعة النظام لأجندته الأيديولوجية الأحادية الإسلاموية
النافية للآخر.
المرحلة الرابعة
أي منذ 1999م شهدت ما أثمره التفاوض مع النظام في نداء الوطن في
نوفمبر 1999م، وما أعقب ذلك من تصفية العمل المسلح والعودة للوطن
على مراحل آخرها تفلحون، ومواصلة التفاوض مع النظام حتى فبراير
2001م عندما اتخذ حزبنا قراره التاريخي بشأن الاتفاق مع نظام
الإنقاذ.
الفترة الخامسة
متعلقة بما حققناه منذ تفلحون. ففي أول خطبة لعيد الفطر ألقيتها
مباشرة بعد "تفلحون" في ديسمبر 2000م، أطلقت وعدنا بالتركيز على
التاءات الأربعة: التحاور، وقد واصلنا ه مع النظام.
والتاء الثانية
هي التجميع للقوى السياسية حول الأجندة الوطنية وقد نجحنا فيه
فاستطعنا أن ننقل موقفنا من الحوار الثنائي مع النظام للحوار
التعددي مع الكافة، فوصلنا لاتفاقيات ثنائية مع الاتحادي
الديمقراطي، ومع الحركة الشعبية، وطرحنا مشروع التعاهد الوطني
الذي وقعت عليه غالبية التنظيمات السياسية في الشمال، نرجو به أن
نوحد الرؤية الوطنية حول أسس السلام العادل والتحول الديمقراطي.
أما التاء الثالثة
فهي التعبئة، وقد استطعنا بموجبها أن نطلق تعبئة فكرية وشعبية
وسياسية عمت السودان كله وحققت تجاوبا إقليميا ودوليا مع تطلعات
الشعب السوداني المشروعة.
أما التاء الرابعة
فهي التنظيم للحزب ولهيئة شئون الأنصار وقد بلغ منتهى الأخير في
المؤتمر العام الأول للهيئة في 19-21 ديسمبر 2002م. أما السعي
لتنظيم حزب الأمة الذي أدى لهذا المؤتمر النموذجي الذي يمثل
تذويبا ميدانيا للشعار الديمقراطي فلا يدانيه مثيل في منطقتنا
الإفريقية والعربية الإسلامية.
هكذا يمكننا أن
نقول أننا قد أوفينا بالتاءات الأربعة التي التزمنا بها لدى
العودة.
ليس في عمل ابن
آدم كمال. وينبغي أن نسجل على أنفسنا بعض الإخفاقات أهمها:
-
أمنا
الجبهة الإسلامية القومية والتزامها بالديمقراطية فخُدعنا.
-
غيرنا
المعادلة الجيوسياسية بصورة أضاعت المكاسب التي حظيت بها
الولايات المتحدة في عهد مايو المباد وأمنا وفاء أمريكا للشعار
الديمقراطي على نحو تفاهمنا معها عليه ولكنها كانت تثمن المصالح
الجيوسياسية المذكورة على الهدف الديمقراطي.
-
لم نقدر
بالدرجة الكافية الضعف الذي يلحقه النظام الائتلافي بالحكم
الديمقراطي.
-
سارعنا
بتصفية الصحافة القومية كما كانت تمثلها صحيفتا الأيام والصحافة
بصورة خلقت فراغا استغلته صحافة ممولة بإمكانات أوسع من السودان
وهادفة لإثبات عجز النظام الديمقراطي.
-
وأخيرا
اتخذنا نهجا تفاوضيا شفافا وحسن نوايا دون احتياط لأن الطرف
الآخر لا يعاملنا بالمثل.
هذه مآخذ واضحة
ولكن يشفع لنا أن قراراتنا الاستراتيجية كانت صائبة وأننا لم
نرتكب خطأ استراتيجيا في كافة القضايا التي واجهناها.
النقطة
الثانية:
السودان وطن تؤهله حقائقه الجيوسياسية لدور رسالي:
-
إنه
ملتقى ثقافات متنوعة منذ تاريخه القديم تنوعا تصب فيه ثقافات
الشمال الإفريقي والغرب الإفريقي والقرن الإفريقي بل وتلتقي فيه
عبر البحر الأحمر أفريقيا وآسيا، كما تلتقي فيه ثقافات المشرق
العربي والمغرب العربي.
-
إنه
واسطة العقد في حوض النيل إذ يجاور كافة الدول المتشاطئة على
أنهار النيل.
-
إنه
الواصل لما فصلته الصحراء الكبرى من إفريقيا شمال الصحراء
وإفريقيا جنوب الصحراء.
وتؤهل السودان
لدور رسالي تجاربه السياسية لأنه:
·
سبق
الدول العربية والإفريقية لتجربة سيادة وطنية كاملة الدسم فعرضه
ذلك لتجارب قاسية.
·
انفرد
في محيطه بإقامة نظام ديمقراطي معياري مما عرضه لكثير من المخاطر
وأتاح فيه الفرص واسعة لأكثر التيارات الفكرية والسياسية
راديكالية في اليسار وفي اليمين.
·
واجه
مشاكل التباين الديني والإثني والثقافي بأكثر الصور حدة فأرهقه
ذلك وأنضجه.
كانت هذه التجارب
بمثابة جامعة سياسية عليا لشعبنا ولكن كان ثمنها غاليا جدا.
لقد كنا في فجر
الاستقلال ننضح طموحا وتفاؤلا بمستقبل الوطن حتى قال قائلنا على
لسان شاعرنا في الستينيات:
من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن
يعيش وينتصر
من غيرنا ليغير التاريخ والقيم
الجديدة والسير
من غيرنا لصياغة الدنيا وتركيب
الحياة القادمة
جيل العطاء المستجيش ضرواة ومصادمة
المستميت على المبادئ مؤمنا
المشرئب إلى النجوم لينتقي صدر
السماء لشعبنا
جيلي أنا
جيل العطاء لعزمنا حتما يذل
المستحيل وننتصر
وسنبدع الدنيا الجديدة وفق ما نهوى
ونحمل عبء أن نبني الحياة ونبتكر
ولكننا بعد أقل من
نصف قرن بقليل من الاستقلال نشهد الحلم الجميل وقد تحول إلى
كابوس مزعج عبر شاعرنا الآخر بقوله:
يميع وطن
كقطعة الثلج وقد شواها لهب الظهيرة
ونحن حوله على رؤوسنا الطير
وفي العيون حيرة مطفأة
ودمعة كسيرة
نجول بين الحبل والجلاد
منفيين في البلاد
هدنا الوهن
وفي الجوانح الإحن
نسائل الدمن: هل التي تعممت
أرجلنا؟
أم الرؤوس انتعلت أحذية؟
هل القميص ما نلبس أم كفن؟
وطن وطن
كان لنا وطن
ما الذي هبط بنا
من الثريا للثرى؟
أربعة عوامل كانت
هي المسئولة عن الإخفاق:
أولا: تعثر
الممارسة الديمقراطية:
شهد السودان
ممارسة ديمقراطية معيارية لم تدخل فيها عوامل أقلمة ثقافية ولا
اجتماعية. النظام الديمقراطي نظام حديث نشأ في مواطنه الأولى في
أوربا بعد نشأة الدولة الوطنية، والتنمية الرأسمالية، والثورة
الثقافية التي حققت حرية الاعتقاد وحرية البحث العلمي. ولكننا
نقلناه إلى مجتمع لم يشهد تلك المقدمات ولم نخطط للتوفيق بين
واقع الحال والنظام المستحدث لذلك اضطرب الأداء الديمقراطي في
كل مفرداته: الأحزاب السياسية، النقابات، مؤسسات الدولة، وممارسة
الحريات العامة. كان استصحاب النظام الديمقراطي في بيئة ثقافية
واجتماعية واقتصادية غير مستعدة لها وتوفق بين المثل المنشود
والواقع وتحقق توازنا رشيدا.. كان وقوعا في المحظور الذي عناه
الشاعر حين قال:
من لم يقف عند
انتهاء قدره تقاصرت عنه طويلات الخطى
صحيح أن
الديمقراطية هي أفضل نظام للحكم، وصحيح أن في تراثنا قيما تتفق
معها. وصحيح أن أداء الحكم الديمقراطي مع كل معوقاته كان بكل
المقاييس افضل من أداء النظم الاستبدادية التي أطاحت به، ولكن
تبقى الحقائق الآتية:
i)
الممارسة الديمقراطية لم تستطع تحقيق الاستقرار في حكم البلاد.
ii)
النظام
الديمقراطي لم يستطع تكوين أجهزة قادرة للدفاع عنه مثلما حدث في
البلدان الديمقراطية العريقة.
iii)
النظام
الديمقراطي لم يحقق التوازن المطلوب بين الجديد والقديم ويعالج
التناقضات الثقافية، والجهوية، والاجتماعية بصورة حاسمة.
iv)
الممارسة الديمقراطية بموجب مبادئها المعيارية فتحت المجال لنمو
تيارات فكرية وسياسية مستوردة من بيئات بعيدة عنا ومشدودة
لأيديولوجيات واهمة وملتزمة بوسائل غير ديمقراطية لتحقيق أحلامها
هذه.
أخطاء الممارسة
الديمقراطية في السودان هي من باب من طلب الحق فأخطأه..
ثانيا:
الاستبداد:
أما النظم الاستبدادية فقد كان لها نصيب السد في طول عهدها وفي
مدى التخريب. فالنظام الانقلابي الأول كان أقلها سوءا لأنه لم
يستبد بالحكم نتيجة تآمر عسكري بل شدته إلى السلطة التناقضات
الحزبية التي ضاق بعض قادتها ذرعا بآثارها. فاستشفى من داء بداء.
ومع خلو الاستبداد الأول من عامل التآمر ومن العامل الأيديولوجي
فإنه أورث السودان العلل الآتية:
-
فتح باب
الربط بين العسكرية والسلطة السياسية لأول مرة في السودان
الحديث.
-
التعامل
مع مشكلة جنوب السودان بصورة عززت هيمنة الثقافة المركزية ولم
تراع حقوق الآخرين والتوازن المطلوب بل اعتبرت المشكلة مشكلة
أمنية تستوجب القمع العسكري وحسب.
أما نظام
الاستبداد الثاني الذي اشتهر باسم النظام المايوي فقد استفاد من
تحضير العهد الديمقراطي الثاني وحقق نهاية للحرب الأهلية في عام
1972م،واتخذ النظام نهجا براجماتيا مكنه من جذب القروض والمعونات
من مصادر غربية وعربية فكوّن منشآت استثمارية وعمرانية. ولكن
النظام المايوي أورث السودان خمسة نقمات تاريخية هي:
i.
هو الذي
أدخل نظام الدولة البوليسية في السودان مستمدا من تجارب شيوعية
وناصرية.
ii.
هو الذي
أدخل نظام الحرب الواحد المتحكم على الرقاب.
iii.
هو الذي
أدخل البلاد لأول مرة في شباك الحرب الباردة في المرحلة الأولى
انحيازا للمعسكر الشرقي وفي المرة الثانية انحيازا للمعسكر
الغربي وفي الحالين تضرر السودان. ونتيجة لهذا الانحياز فجّر
حربا أهلية أوسع نطاقا وأخطر أثرا من الحرب الأهلية الأولى لأنها
هذه المرة انطلقت ومعها دعم إقليمي من حلف عدن الثلاثي ودعم دولي
من المعسكر الشرقي.
iv.
هو الذي
استغل الشعار الإسلامي بصورة انتهازية لدعم لسلطة المستبدة فخلق
استقطابا حادا حول قضية الشريعة.
v.
وهو
الذي أورث السودان دينا خارجيا رهيبا بلغ في عهده تسعة مليارات
من الدولارات جعلتها الفوائظ الآن 22 مليارا من الدولارات.
أما الاستبداد
الثالث الذي اشتهر بنظام الإنقاذ فتحمد له ثلاثة أمور: أنه تجنب
شباك الحرب الباردة، وأنه استطاع استغلال بترول السودان وأقام
بنيته التحتية، وأنه أمام الاستقطاب الوطني الحاد الذي خلقته
سياساته قرر قبل فوات الأوان أن يراجع أجندته الإقصائية ويفتح
الباب لخيار وفاقي. ولكن نظام الإنقاذ قد أورث الجسم السياسي
السوداني النقم الستة الآتية:
i-
صعّد
الاستقطاب الديني والثقافي والإثني في السودان إلى درجة قصوى
مشحونة بالمرارة والغضب.
ii-
حاول
فرض أجندته السياسية في البلاد بالقوة الغالبة، فبالفعل وردة
الفعل انتشرت ثقافة العنف في السودان بصورة غير مسبوقة.
iii-
محا
الحواجز بين الكادر والحزب وبين الحزب والدولة ففتح بابا للفساد
لم يعهد السودان له مثيلا.
iv-
التخلي
عن دولة الرعاية الاجتماعية دون تدرج مطلوب، وضخامة التضخم
المالي، والانحياز لصالح المحاسيب، عوامل خلقت استقطابا اجتماعيا
بين أغلبية ساحقة تعيش دون خط الفقر وأقلية من القطط السمان.
v-
اندفع
في إجراءات إدارية على مستوى الوزارة المركزية، والولاية،
والمحافظة، والمحلية، خلقت تورما إداريا هائلا، تورما إداريا
تحول إلى فساد إداري وعجز مالي وهجمة ضريبية غير محتملة.
vi-
وكانت
ثورة التعليم العالي هدما للتوازن المطلوب بين التعليم العام
والفني والعالي وهدما للتوازن المطلوب بين مؤسسات التعليم العالي
والإمكانات المتاحة لها.
vii-
التطرف
في تناول القضايا المختلفة خلق استقطابا داخليا حادا وتعاطفا
دوليا واسعا مع ضحايا ذلك التطرف مما مهد الطريق لتدويل الشأن
السوداني بصورة غير معهودة.
ثالثا:
الأيديولوجية الواهمة:العاملان
الفاعلان في عهدي مايو والإنقاذ كانا الاستبداد والأيديولوجية
وهما المسئولان عن حجب البصر والبصيرة وارتكاب الأخطاء المذكورة.
رابعا وأخيرا:
الحرب الأهلية:
التي أدت إلى:
i)
تحكم
المرارة وغياب الثقة بين كثير من الجماعات الوطنية السودانية.
ii)
تضخم
الإنفاق العسكري والأمني على حساب الخدمات الاجتماعية والتنمية.
iii)
زيادة
النزاع عمقا واتساعا داخل السودان، وفي إقليمه المحيط وعلى
الصعيد الدولي مما جعل الأزمة السودانية أزمة قومية وإقليمية
ودولية.
iv)
لجوء
أعداد هائلة إلى خارج الوطن وتكوين جماعات كبيرة في دول عديدة
تحالفت مع لوبيات متعاطفة وتشكل عامل احتجاج مستمر.
v)
النتيجة
الآن هي تمزيق السودان بين سودان الموطن وسودان المقاومة وسودان
المهجر.
النقطة
الثالثة:
هذا التشخيص
الصريح مطلوب من كل القوى الفكرية والسياسية السودانية وهو تشخيص
من شأنه أن يغذي نهجا استقطابيا واتجاها نحو المفاصلة والتطلع
لحلول بالضربة القاضية. هذا ما كان عليه الحال قبل اعتماد النظام
استراتيجية الحل السياسي المتفاوض عليه والاعتراف بالمواطنة
أساسا للحقوق الدستورية وقبول الوحدة الطوعية والتسليم بالتعددية
الفكرية والسياسية.
ولكن بلادنا اليوم
تشهد خيارا آخر.خيار الحل السياسي الشامل المتفاوض عليه والمصحوب
بضمانات التنفيذ لما يتفق عليه. هذه نعمة وطنية تحققت لقليل من
البلدان ويمكن أن تتحقق في بلادنا. إنه الخيار الأفضل للأسباب
الآتية:
أ.
الحل
نتيجة الضربة القاضية إن أمكن يفتح بابا لموجة تلك الضربة أن
يبدأ عهدا فيه رأي صاحبه مهيمن وهذا يؤجل الاحتكام الديمقراطي
للشعب ويفتح باب إجراءات انتقامية تبذر بذور الثأر المستمر.
ب.
في
ظروفنا هذه الحل بالضربة القاضية سوف يصحبه تحالف خارجي يجعل من
بلادنا ساحة لتصفية حسابات خارجية.
ت.
الحل
نتيجة الضربة القاضية يحرمنا من إعادة التخطيط لبناء الوطن وفق
رؤية قومية مستفيدة من كل تجارب الماضي وحريصة على الديمقراطية
والأقلمة الثقافية والاجتماعية والتوازن.
إن الشرط الأساسي
لمواصلة مشوار الحل السياسي الشامل المتفاوض عليه هو أن يسلم
الجميع بالتخلي عن أجنداتهم الحزبية والاستعداد للتجاوب مع أجندة
وطنية وفاقية والتسلم بالاحتكام للشعب الحر في كل قضايا المصير
والحكم.
إن على كل القوى
الفكرية والسياسية أن تعلن هذا الالتزام بحق وصدق وأن تعلن على
ضوئه اجتهادها الفكري والسياسي.
إننا من جانبنا
نؤكد هذا الالتزام ونقول:
لقد قام حزبنا
باجتهاد جاد لتقديم برنامجه الفكري والسياسي.
البرنامج المقدم
لهذا المؤتمر ثمرة اجتهاد يشارك فيه عشرات المختصين في المجالات
المختلفة وعدد كبير من ورشات العمل بصورة تمثل جامعة سياسية وغير
مسبوقة بهذا الحجم والإحاطة في السياسية السودانية.
وللتركيز فإن
أهم معالم برنامجنا تقول:
أولا:
من الناحية الفكرية يوجد تياران على طرفي نقيض هما:
العلمانية الطاردة
للدين في شأن السياسة والدولة. والطالبانية السافرة والمقنعة
الطاردة للاجتهاد الإنساني والعصر الحديث.
نحن نقول أن طرد
الدين من السياسة مستحيل فالسياسة غير الميكافيلية فيها أخلاق
والأخلاق لا تفصل من الدين. والسياسة فيها مبادئ والمبادئ لا
يمكن فصلها من الدين.
والدين لا يفصل من
الدولة فالدولة توجب القسم في كل مراحل المسؤولية والقسم شعيرة
دينية، والدولة تقوم بواجب التشريع وحقوق أصحاب الانتماء الديني
من المواطنين ينبغي أن يحددها التشريع.
ولكن المطلوب هو
ألا يهيمن دين على غيره، وألا يحرم مواطن من حقه لانتمائه
الديني، كما لا يحصل مواطن على امتياز بموجب انتمائه الديني.
الانتماء الديني
والثقافي حقان إنسانيان أصيلان ينبغي احترامهما بشرط ألا يجور
ذلك على حق المواطنة، وحقوق الأديان والثقافات الأخرى، وأن لا
يكون التعبير عن المطالب الدينية بوسائل قمعية. وتنظيما لهذه
الحقوق قدمنا في برنامجنا ميثاقا دينيا وميثاقا ثقافيا يعطي كل
ذي حق حقه.
إننا نؤكد
التزامنا الإسلامي وانتماءنا الثقافي العربي وفي الوقت ذاته نعلن
براءتنا من فرض هذا الالتزام وهذا الانتماء على غيرنا من
المواطنين. بل نعلن احترامنا لالتزاماتهم الدينية وانتماءاتهم
الثقافية
ونعلن اعتذارنا عن
ممارسات الاستعلاء الثقافي في الماضي والحاضر فهي في حد ذاتها
كريهة وكانت سببا في تسميم العلاقات الشخصية والاجتماعية بين
المواطنين. ونحن إلى ذلك نعتقد أن الالتزام بالحرية يأتي قبل
الالتزام الديني فالدين الصحيح هو الذي يقوم على الحرية ويحميها
بل لا معنى للجزاء الديني في الدنيا والآخرة ما لم يؤسس على
اختيار صاحبه.
ثانيا:
نحن دعاة السلام العادل. ساهمنا فيه باجتهادات كثيرة أهمها
النداء في عام 1964م بأن المشكلة في الجنوب ليست أمنية وحسب بل
ثقافية واقتصادية وسياسية واجتماعية وحلها يتطلب تناول أسبابها
بحرية. وساهمنا بفكرة المواطنة في مؤتمر نيروبي في أبريل 1993م
وساهمنا بالتجاوب الشمالي مع نداء الوحدة الطوعية وساهمنا بتأكيد
ضرورة التراضي الديني، والاثني، للوفاق وساهمنا بتأكيد ضرورة
الاقتسام العادل للثروة والاقتسام العادل للسلطة بموجب توازن في
ظل الديمقراطية. وساهمنا أخيرا بمشروع التعاهد الوطني.
وفي هذا الصدد
رحبنا بكافة الاتفاقيات التي أبرمت بين حكومة السودان والحركة
الشعبية. ولكننا نقول بوضوح تام:
أ.
لا مانع
أن يتم التوصل لاتفاقية السلام عبر تفاوض ثنائي ولكن أية اتفاقية
لا تعرض على منبر قومي لدراستها وإجازتها قبل الالتزام النهائي
بها ستكون اتفاقية معيبة وتسمح للقوى السياسية غير المشاركة أن
تتنصل عنها. هذا يشمل قوى الشمال والجنوب السياسية.
ب.
أية
اتفاقية لا تشتمل على بروتوكول واضح لحقوق الإنسان ستكون معيبة
وقابلة للطعن منا نحن ضحايا تجاوزات حقوق الإنسان وعرضة لنقد
أساسي من الأسرة الدولية لا سيما لجنة لحقوق الإنسان التابعة
للأمم المتحدة.
ت.
أية
اتفاقية لا تؤكد تكوين لجنة قومية شاملة لمراجعة الدستور
والاتفاق عليه لن يكتب لها النجاح.
ث.
أية
اتفاقية تقوم على مساومة لاقتسام السلطة ولا تلتزم بإجراء
انتخابات عامة حرة بأسرع فرصة ممكنة سوف تكرس تغييب الشعب وتنافي
تطلعاته المشروعة كما تجافي موجة الديمقراطية العارمة في قارتنا
وإقليمنا.
ج.
أية
اتفاقية لا تشرك جيراننا في الشمال الأفريقي بالإضافة لجيراننا
في القرن الأفريقي سوف ينقصها التوازن وتكون مختلة.
هذه هي المقاييس
التي سوف تحدد موقفنا من اتفاقية السلام المزمعة والتي وجدت
مراحلها الأولى وتجد مراحلها اللاحقة منا كل تأييد مشروط بهذه
المقاييس المشروعة.
ثالثا:
ننادي بنظام حكم ديمقراطي، رئاسي، فدرالي يعتمد على دستور مبرأ
من عيوب الماضي ومستصحب لاتفاقية السلام العادل.
رابعا:
ننادي بنظام
اقتصادي يكفل آلية السوق الحر ويراعي العدالة الاجتماعية ويرحب
بالعولمة حلقة متقدمة من حلقات التطور الإنساني مع اعتماد برنامج
يحمي الخصوصية الثقافية من طوفان العولمة ويحمي الوطن من كافة
سلبيات العولمة.
خامسا:
ندعو لتنظيم القوات النظامية على أساس التزام القوات المسلحة
بدورها الدفاعي الانضباطي القومي المطلوب، وقوات الشرطة بدورها
الانضباطي الشرطي المركزي، وقيام قوات الأمن بدور العين اليقظة
للمجتمع جمعا للمعلومات الدقيقة وتحليلا لها، وتمكينا للجهات
المعنية من اتخاذ الإجراءات اللازمة. وهكذا بالنسبة لسائر القوات
النظامية.
سادسا:
ندعو لعلاقات إقليمية تنظم حسن الجوار وتبادل المنافع مع الجيران
وتنظيم العلاقات الخاصة بها في مجالاتها ولسياسة دولية تحافظ على
استقلال القرار الوطني والتعاون في سبيل التنمية والأمن والتعايش
السلمي في ظل حوار الأديان، وحوار الحضارات، ونظام دولي أكثر
ديمقراطي وعدالة، هذه الرايات الست تجدونها مفصلة في برنامجنا
المقترح.
البرنامج هو شق من
البيان الفكري والسياسي المطلوب والشق الآخر هو التنظيم. ومثلما
كانت آليات البرنامج جامعة فكرية سياسية فإن مشوار التنظيم كان
تعبئة لمفاهيم الديمقراطية في مواعين الواقع الاجتماعي السوداني.
في غضون العام
المنصرم عقدنا 4471 مؤتمرا قاعديا في الأحياء والقرى والفرقان
على طول البلاد وعرضها. وعقدنا 302 مؤتمرا على مستوى المحليات
منها 291 في الشمال و11 في الجنوب. وعقدنا 18 مؤتمرا قطاعيا
وفئويا شمل كافة القوى العاملة.
هذه وثبة تنظيمية
غير مسبوقة في حزبنا وفي كافة أحزاب الوطن وتمثل إنجازا تنظيميا
ديمقراطيا مرموقا.
إننا من الناحية
التنظيمية نواصل تطوير حزبنا الذي بدأ أبويا مركزيا، ثم صار
سياسية مركزيا، ونتطلع ليصير مجتمعيا لا مركزيا.
هذا المعنى
والتطلع للتوفيق بين مستودع الخبرة والكفاءات المتجددة، ولتحقيق
تواصل الأجيال، ولتحقيق التوازن المطلوب لاستيعاب التنوع
السوداني فإننا بعد دراسة توصلنا لهيكل جديد للحزب يتضمنه دستوره
ولوائحه. والاتجاه المتفق عليه هو أن يكون تنافس الصف الأول في
مؤسسة الرئاسة والهيئات الأفقية. وتنافس الصف الثاني والثالث في
قيادة العمل التنفيذي والمكتب السياسي.
وتنافس الصف
الثالث والرابع في رئاسة أمانات العمل التنفيذي ولجان المكتب
السياسي. هذا على المستوى المركزي. أما على المستوى اللامركزي
فقد حدد الهيكل الجديد النظام المطلوب
والاقتراح لممثلي
الأقاليم في المؤتمر أن يقيموا تنظيماتهم وفق الهيكل الجديد
بمشاركة التكوينات القيادية القاعدية ليكتمل جسم الحزب بأسرع
فرصة ممكنة وتقنن أجهزته بموجب قرارات المؤتمر العام.
النقطة
الرابعة
رئاسة الحزب:
واجبي أن أقدم
بيانا من سيرتي الذاتية مع إنني نشيط في أعمال سياسية في عهد
الدراسة لم أكن متطلعا لدور سياسي بعد الدراسة.
قيام الحكم
العسكري الأول أوجب معارضة ونوعا من النشاط لم يكن الصف الأول في
الأحزاب في ذلك الوقت مستعدا له مما جذبني للعمل السياسي بشدة.
بعد ثورة أكتوبر كان الرأي الغالب في الأسرة أن يعين في رئاسة
الحزب شخص من الرعيل الأول. ولكن القوى السياسية في حزبنا الحث
على انتخاب الرئيس والأمين العام والمكتب السياسي وفي اجتماع
لتجديد تأسيس حزب الأمة في أكتوبر 1964م انتخبت رئيسا بأغلبية
ساحقة على مرشح الأسرة من الرعيل الأول. منذ استشهاد الإمام
الهادي في مارس 1970م نشأ فراغ في قيادة الأنصار وكان يمكن أن
تملأه بالتصدي قيادة جديدة لا سيما وقد كنت مسجونا. هذا لم يحدث
بل ظل الفراغ مستمرا حتى عودتنا للبلاد بعد المصالحة الوطنية في
عام 1977م ومنذ ذلك الحين مارست دورا قياديا للأنصار بحكم الأمر
الواقع ورأيت تكوين هيئة شئون الأنصار لإدارة شئون الأنصار ورأيت
في تلك الظروف تجميد الإمامة. لدى إعادة تكوين حزب الأمة بصورة
جديدة بعد سقوط النظام المايوي أعيد انتخابي رئيسا للحزب تقديرا
لدوري في الانتفاضة. اكتسبت هيئة شئون الأنصار دورا هاما في
التعبير الديني والوطني في عهد مايو وفي عهد الإنقاذ مما شد
نحوها محاولات الاختراق . محاولات الاختراق أطلقت حماسة في أوساط
الهيئة لتقنين نظامها وملء مقعد الإمامة. عملت على تطوير مفهوم
جديد للإمامة. فصارت الإمامة انطلاقا من وصية الإمام الصديق
انتخابية وصارت بموجب تكوين هيئة شئون الأنصار مؤسسية. إمامة
وظيفية وجماعة بلا قداسة. والحقيقة أن مفهوم الإمامة واسع وفضفاض
يبدأ من إمامة الصلاة إلى إمامة النبوغ في علم من العلوم إلى
قيادة دينية لجماعة كما في حالة الإمام عبد الرحمن المهدي
وخليفتيه إلى إمامة الأمة كما في حالة الإمام المهدي وخليفته.
إذن
تجديدي لمفهوم الإمامة ليس بدعا في مجال الفكر الإسلامي والفكر
المهدوي. وبما أن مفهوم الإمامة قابل لدرجة من المرونة فقد أمكن
التوفيق بينه وبين رئاسة الحزب لدى الإمام الصديق. وعندما نشب
خلاف عابر في عهد الإمام الهادي حول الإمامة والسياسة لم يكن
الخلاف أن يكون للإمام دور سياسي أو لا يكون بل حول تفاصيل ذلك
الدور لكيلا يتعارض مع القرار السياسي الديمقراطي.
إذن
وبمفهوم الإمامة كما ذكرنا لا يوجد تعارض بين الإمامة والرئاسة.
ولكن توجد مشاكل عملية بين الحزب وهيئة شئون الأنصار مما أوجب
إصدار الصحيفة المرجعية لتحديد العلاقات وقد أجازها مؤتمر هيئة
شئون الأنصار ومطلوب لإصدارها بصورة نهائية أن يجيزها المؤتمر
العام هذا.
الجميع بين
الإمامة والرئاسة ممكن نظريا وشاق جدا عمليا.
ربما رأى بعضنا
الجمع بينهما غير صحيح وهذا رأي له احترامه. ولكن المشكلة التي
يجب تجنبها دائما ألا يكون الإمام منكفئا وهذا وارد وألا يكون
الرئيس مستلبا علمانيا لأننا في تلك الحالة سنعيد إنتاج التناقض
بين الفكي والأفندي. لم تكن رئاستي الأولى لحزب الأمة في أكتوبر
1964م بإرادتي، ولم تكن الإمامة في 2003م بإرادتي وفي الحالين
فإن حرص الجماعة عليها أوجبت عليهم مساعدتي في مهامها.
لذلك وفيما يتعلق
بالمستقبل فإنني أضع استقالتي من رئاسة حزب الأمة أمام المؤتمر
العام وأعلن استعدادي لقبول نتيجة ما يقرر المؤتمر جمعا أو فصلا
بين المنصبين.
النقطة
الخامسة:
نحن لا
نعمل في فراغ سياسي بل نزامل آخرين بأفكارهم وبرامجهم وهوياتهم
الثقافية والسياسية ومن هذا الموقع نخاطبهم جميعاً بالاستعداد
للتعاون القومي في سبيل حل جذري لكافة مشاكل السودان.
أولاً:
نخاطب النظام الحاكم ونقول له بوضوح لنحرر أنفسنا من سلبيات
الماضي ونتفق على:
أن شأن
السودان يهم كل أهله وأن شأن الإسلام يهم كافة السملمين، ولا
سبيل لأحدنا أن يدعي بحزبه واجتهاده انفراداً بأمر السوددان
والإسلام.
نحن
نرحب بإقبالكم على السلام العادل المتفاوض عليه، ونرحب بقبولكم
للمواطنة أساساً للحقوق ونرحب بإقبالكم على التعددية أساساً
لتنظيم التنافس والتداول السلمي على السلطة. والنتيجة المنطقية
لهذا الموقف هي وضع برنامج للتخلي عن دولة الحزب لصالح دولة
الوطن، وللتخلي عن أجهزة الشمولية لأجهزة كفالة حقوق الإنسان
وحرياته الأساسية والاستعداد للاحتكام للشعب في أمر الحكم مثلما
سوف نحتكم للشعب في المنطقة المعنية في أمر الوحدة الطوعية.
ثانياً:
نخاطب الحركة الشعبية ونقول نحن نرحب بفتح صفحة جديدة معكم تقوم
على احترام ما سبق بيننا من عهود وتتطلع لسلام عادل وتحول
ديمقراطي ونؤكد لكم استعدادنا لإبرام علاقة خاصة بيننا لتأمين
اتقافية السلام والتحول الديمقراطي وبناء الوطن.
ثالثاً:
نخاطب الاتحادي الديمقراطي باستعدادنا لاحترام تاريخ التحالف
بيننا ومناشدتنا لحكم لتحويل العمل السياسي للداخل واحتلال
المساحة المتاحة في الحريات والتعاون معنا للعمل الفكري والسياسي
والتعبوي من أجل تحقيق تطلعات شعبنا المشروعة بالوسائل التعبوية
والمدنية والديمقراطية.
رابعاً:
نخاطب المؤتمر الوطني الشعبي بضرورة تجاوز عثرات الماضي
والاستعداد للتعاون بلا حدود من أجل السلام العادل والتحول
الديمقراطي.
خامساً:
ونخاطب الحزب الشيوعي السوداني بالاستعداد للتعاون القومي الذي
طرحناه في مشروع التعاهد الوطني وما قد يجري من تعديلات متفق
عليها.
سادساً:
ونخاطب كافة القوى السياسية السودانية بأن الأمر الوطني
والاقليمي والدولي يمر بمرحلة حرجة توجب أعلى درجة من التضامن
لكي نحمي بلادنا ونحول دون الوصاية الأجنبية.
بعض
الناس يقارنون بين الظروف الحالية وآخر أيام النظام المايوي
المباد. الأمر الآن مختلف:
·
فنحن
الآن نشهد تعددية سياسية معترف بها، أول دليل عليها هذا المؤتمر
العام لحزب سياسي معارض للنظام.
·
ونحن
الآن نخوض مفاوضات من أجل السلام العادل قطعت شوطاً والوصول بها
نحو غايتها أولوية قصوى ولا مصلحة لأحد أن نعرقل هذه المسيرة.
·
وبلادنا
الآن مسرح لكثير من القوات المسلحة والسلاح فيها منتشر وثقافة
العنف شائعة والنفوس مشحونة بحزازات دينية وإثنية وثقافية وجهوية
إذا بقيت اضطربت الأوضاع ودفعت ببلادنا نحو بلقنة لا يرجى الخلاص
منها.
·
والفرق
الأكبر بين ظروفنا الآن وظروف النظام المايوي المباد هو أن ذلك
النظام كان في أواخر أيامه يزيد من التطرف في استغلال الشعار
الإسلامي في دعم السطلة بينما النظام الآن يراجع تشدده نحو
الاعتدال.
لذلك
صارت المصلحة الوطنية أن نسعى لإجماع وطني يحقق السلام العادل
والتحول الديمقراطي الحقيقي برقابة دولية تكفل كفاءة التنفيذ.
النقطة السادسة:
هنالك
على كافة الأصعدة خيارات واضحة توجب علينا أن نقف ونخاطبها بوضوح
أهمها:
أ-
الاستقطاب الحاد على صعيد العالم بين العولمة والخصوصية الثقافية
والفكر السياسي يتحرك للدفاع عن هذا الموقف أو ذاك.
ب-
الاستقطاب حاد أيضاً بين دعاة السوق الحر وآلياته وعالميته،
والذين يشجبونه باعتباره خطراً على السلام الاجتماعي، وعلى
التنمية في البلاد الفقيرة.
ج- وعلى
الصعيد الإسلامي أطلقت حوادث 11/9/2003م مواقف متناقضة بين دعاة
الاحتجاج الإسلامي بوسائل أهل الكهوف وبين الحرب الشاملة ضد
الإرهاب بأساليب أهل البروج.
نحن
نشجب هذه الاستقطابات ونعتبرها خطراً على التعاون والسلام
الدوليين ونتخذ طريقاً ثالثاً فيها فنرحب بالعولمة الحميدة مع
رفض سلبياتها. ونقبل آلية السوق الحر ونعدلها لتصبح السوق
الاجتماعي الحر. ونبرأ بالإسلام من الاجتهادات الطالبانية ونرفض
الإرهاب على أساس أنه العنف العشوائي لتحقيق أهداف سياسية وهذا
لا يشمل حركات التحرير الوطنية.
النقطة السابعة:
أكبر
البلدان الإفريقية الآن ديمقراطية جنوب إفريقيا، ونيجريا،
والسنغال، وكينيا. والتحول نحو الديمقراطية مطروح الآن في أجندة
كثير من البلدان الإفريقية مثل الكنغو ويوغندا.
وتقرير
منظمة التنمية التابعة للأمم المتحدة عن التنمية البشرية في
العلم العربي لعام 2002م وقد كتبه خبراء ومختصون يقول بوضوح أن
التنمية المادية في البلدان العربية قد قطعت شوطاً ولكن العالم
العربي متخلف من حيث التنمية البشرية وهي تنمية مرتبطة بحقوق
الإنسان والحكم الصالح الذي يقوم على المشاركة والمساءلة
والشفافية أي: الديمقراطية.
وهذا
يقودني للحديث عن ما وقع في العراق الشقيقة.
منذ
20/3/2003م شنت الولايات المتحدة وحلفاؤها حرباً على النظام
البعثي الحاكم في العراق.
لم تكن
حرباً دينية فأهم القيادات المسيحية في العالم أدانتها، ولم تكن
حرباً حضارية فكثير من مراكز الحضارة الغربية بل وكثير من القوى
الشعبية في بلدان التحالف الغازي أدانتها.
هنالك
أسباب سياسية واقتصادية واستراتيجية للحرب.
الأسباب
السياسية هي أن أحداث 11/9/2001م أثارت ذعراً في أمريكا ودفعت
الحكومة نحو سياسة حربية خارجياً وسياسية ضبطية داخلياً،
والمخاوف التي أثارتها الأحداث منحت الرئيس الأمريكي شعبية واسعة
لسياسات التصدي والتشدد.
الأسباب
الاقتصادية: منذ الحرب العالمية الأولى أعتبر النفط وقود الحرب
الحديثة، لذلك قال لورد كيرزن: "الحلفاء سبحوا للنصرعلى موجة من
النفط".
والنفط
الوقود الأهم للصناعة الحديثة، لذلك قال الرئيس الأمريكي
كارتر:"أية محاولة لدولة أجنبية لعرقلة تدفق النفط من الخليج سوف
تقمع بكل الوسائل الممكنة بما في ذلك القوة".
وقال
ج.هـ..بي. الثالث رئيس هيئة أركان القيادة الأمريكية الوسطى في
1997م:" إن تدفق نفط الخليج دون عائق للمصافي وأماكن التكرير في
العالم هو شريان حياة الاقتصاد العالمي". وقال:"الدفاع الأمريكي
يقوم على حماية هذه المصلحة، نفط الخليج يمثل 27% من الاستهلاك
العالمي حالياً و65% من احتياطي النفط عالمياً.
هذا
النفط يوجد بتركيز خاص في خمس دول هي: السعودية، العراق،
الإمارات العربية المتحدة، الكويت، إيران.
هذا
يعني أن أهمية النفط للنزاع الدولي نتيجة مباشرة لحقيقة
جيولوجية. وأي دولة تتحدى السيطرة الأمريكية لضمان انسياب النفط
تثير مواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
السبب
الثالث: استراتيجي: لقد كانت الولايات المتحدة ضامنة لسلام
وتبعية حلفائها سيما في الغرب ضد الخطر السوفيتي. وبزوال ذلك
الخطر حاولت الولايات المتحدة استقطاب حلفائها إلى جانبها في
الحرب ضد الإرهاب. لكن رؤية أولئك الحلفاء للإرهاب اختلفت. ولكن
إذا هيمنت الولايات المتحدة على سياسات نفط الخليج أمكنها أن
تضمن امتثال حلفائها السابقين لإرادتها.
هذه هي
الأسباب الحقيقية للحرب وعندما اندلعت الحرب ما كنت أشك في أن
فجوة التكنولوجيا كفيلة بانتصار قوة الحلفاء مثلما حدث في كثير
منة المواجهات في استعمار الجزائر 1830م، في استعمار مصر 1880م،
في كرري 1898م، في حرب الأيام الستة 1967م وفي أم المعارك في
1991م.
كان
موقفنا من هذه الحرب هو أنها غير شرعية لأنها تمت خارج القرار
الدولي. ولكن مهما كان وصفها القانوني فإنها أزالت نظاماً غير
شرعي. نظاماً مستهترا،ً ففي العراق أكثر من ألفي تمثال ونصب
لصدام وأكثر من مائتي قصر، وهو المسئول عن حربين مدمرتين في
منطقة الخليج وفي أكتوبر الماضي أظهر نظامه في شكل كذبة لا مثيل
لها فقد سمعت بأذني نائب صدام عزت إبراهيم يعلن عن الانتخابات
العراقية الآتي:
·
عدد
العراقيين الذين يحق لهم التصويت هو 11.445.63.
·
عدد
الذين حضروا للإستفتاء هو 11.445.638.
·
عدد
الذين صوتوا لصدام هو 11.445.638.
هذا
كلام له خبئ معناه ليست لنا عقول!!
الصراع
في العالم ليس دائماً بين حق وباطل ولكنه أحياناً بين حق وحق
وأحياناً بين باطل وباطل. ولكنه كله تدافع يحرك دولاب الحياة على
نحو ما جاء في الآية:" ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض......
الخ"
إن أمام
الحلفاء المنتصرين خياران:
الخيار
الأول: هو خيار إمبريالي يقوم على بسط الهيمنة وإقامة نظام أجنبي
أو وطني عميل. هذا الوضع سوف يواجه مقاومة وطنية وإقليمية ودولية
ويضع الولايات المتحدة وحلفاءها في موقف إمبريالي ضد العصر وضد
موجة التاريخ. وهو موقف من شأنه أن يزيد العنف والإرهاب في
المنطقة وفي العالم ويفرخ ألف بن لادن وملا عمر وصدام حسين.
عندما
عقد الحلفاء صلح فرساي الظالم في عام 1918م تنبأ سميث رئيس وزراء
جنوب إفريقيا يومذاك أن هذا الصلح سوف يؤدي لحرب أخرى في أقل من
جيل من الزمان وقد كان.
الخيار
الثالث: هو أن يسلم أمر العرق لأهله بعد فترة انتقالية قصيرة
عبر انتخابات عامة
حرة وأن يرتب لذلك بقرارات مجلس الأمن ليتم في نطاق الشرعية
الدولية.
إن ما
يهمنا في هذا الصدد هو الدعوة للخيار الثاني بل والدعوة لنظام
عربي جديد ونظام دولي جديد كلاهما يقوم على اعتبار رأي الشعوب
وكلاهما يربط الشرعية في أية دولة بالديمقراطية. إننا إذن نأسف
لضحايا الحرب ونرجو عاجل الشفاء لجرحاها. نعمل ونأمل أن تكون
نتيجتها لصالح تحرير الشعوب والسلام والتعاون الدوليين. ونقول إن
من أهم القضايا المطلوب حلها بعدالة قضية فلسطين التي لم يعد
هناك خلاف في ماهية الإجراءات المطلوبة
لحلها وإن تركت
لأصحاب الشأن وحدهم فإن المواجهة الإسرائيلية الفلسطينية سوف
تستمر وتتصاعد وتسمم المنطقة وتؤرق السلام الدولي.
لقد كانت السرة
الدولية هي المسؤولة عن غرس إسرائيل في المنطقة بالصورة التي
أهدرت حقوق أهل فلسطين والمطلوب الآن أن تقوم السرة الدولية
بدورها في تصحيح الأخطاء التي أهدرت حقوق الشعب الفلسطيني.
ختاما أقول:
إن تدهور الأحوال
في دارفور هو نتيجة مباشرة لسياسات خاطئة طبقها نظام الإنقاذ
فعمق مشاكل موروثة واستحدث مشاكل أخرى. ومفتاح الحل للأزمة هو
العدالة والتنمية والمشاركة والمطلوب أخذ زمام المبادرة لحل قومي
يقوم على هذه المحاور.
إننا مع تطلعنا
لمشاركة الآخرين في حل قضايا البلاد نعتقد أن لحزبنا مسئولية
خاصة في معالجة الثنائيات الآتية:
-
الوجود
السوداني في وادي النيل وفي غرب السودان.
-
الوجود
السوداني الشمالي الجنوبي المتصل في مناطق التجاور البشري من أم
دافوق غربا إلى الروصيرص شرقا.
-
الوجود
السوداني المجتمعي التقليدي والحديث.
-
الوجود
السوداني في الداخل والخارج خاصة مع الدور المتزايد لسودان
المهجر المتوقع للنهضة بالوطن.
إن على هذا
المؤتمر تأكيد رسالته في معالجة هذه الثنائيات والقيام بممارسة
ديمقراطية تؤكد قيم التسامح واحترام الرأي والرأي الآخر، وجدية
المناقشات.
(فقرة ختامية
مناسبة)
|