|
رحيل الفرسان في الليل البهيم
نور الدائم الركيزة أو.. أصحاب
الإمام "الراكبين" عواتي الخيل
وما تزال الأحزاب تترى وما تزال
الفواجع تهز ساكن الأفئدة
بقلم: وائل محجوب:
صحيفة الأيام عدد الخميس 30 أكتوبر 2003م
نزف البكاء دموع عينك فاستعر
لك عينا دمعها مدارا
من ذا يعيرك عينه تبكي بها
أهناك عين للبكاء تعار..
شاعر عربي قديم..
المساحة بين انزلاق القلم على مساحة الورقة البيضاء وبين سقوطه
وانزلاقه على الأرض هي مساحة للصدمة وللألم الذي يجتاحك في زمن قياسي فيأخذ بحواشي
القلب ونواصيه ولا يتركه إلا مهدوداً مكدوداَ وعليل، وهذا ما حدث في ذلك المساء
المفجع. نتطاير ونتقافز كلما طرق مسامعنا خبر جرينا نحوه خفاقا ونسير غوره نسود به
الوريقات ونتلذذ صباحا بتفوق هنا وهناك، إلا في هذا فقد تصلبت أقدامنا وتمنينا
تكذيبا ما من جهة ما، وما وجدنا إلا التأكيد من كل جهة طرقنا أبوابها إنه برود
الموت القارس، الشاحب المفاجئ مثل ليالي البرد وأيامه المضنيات. وانسرب الحبيب
القريب وشيخ العرب بغتة بهدوء صاخب وهو الذي جمل الليالي بأحاديثه العذبة ولسانه
السيال الذي يجول بمحدثه ما بين تلال التاريخ وتخوم الجغرافيا في رحلة شيقة تصطحب
سيرة الناس والأشياء والأماكن.. وهو.. البحر من أي النواحي أتيته.. لجته المعروف
والجود ساحله.
وهذا ليس مقام عزاء..
وهذا مقام اعتراف بأفضال لأصحابها، فقد كانت لنا صحبة وصداقة قويت
وازدادت عراها ترابطها وهي في طابعها ونوعها غريبة إذ أنها بدأت بمجرد مكالمة
هاتفية من محرر صحفي يبحث عن تأكيد لخبر من قائد سياسي، وإذا بالمكالمة تمد وتطول
وتتحول المساحة من سجن متبادل، رجل ساقته مواقفه بعيداً عن وطنه وناسه وهو جد ملتاع
ومشوق لذكرهم وأخبارهم، وآخر من العمق يتوق لعوالم يمنينا بها من هم وراء الحدود..
الديمقراطية.. الحرية السلام، وكان هذا مفتاح السر إذ تواصلت العلائق على مدى سنوات
وكان "شيخ العرب" نعم المعين، وكم أهدانا تحفاً جملنا بها صفحنا وسبقنا بها الناس
وكم لبينا ما يطلب دون أن نسأل "تلت التلاتة كم"! فالرجل كبير المقام ولا غرو في
ذلك، إذ أن من العسير في بلد مثل سوداننا هذا أن يحظى أحد بالحب المحض والاتفاق
والالتفاف مثلما حظي به، فإن تحدثت إلى ياسر عرمان "من أقصى الساحة وأبعد المدارس
الفكرية عنه" أضاء لك جوانب عن شخصية رجل تكفي لتنسج منها ملامح فارس من فرسان
السودان الأقحاح أولئك الذين تصدح لهم العقائر:
بتجيد اللطام أسد الكزاز الزام..
فيرقص أنا وتقرقع سياط ويحلق آخرون في الدارة صقرية، يحدثك بشجن عن
الرجل الذي يفتح داره في المنفى لكافة أبناء السودان دون تميز ويجدون عنده الترحاب
يقاسمهم لقمته ويكفكف دموعهم ويقضي ما يطلبون، وهم في غربته يرحل فيها الوطن بعيداً
عن الأكف العفيفة رويدا رويدا ثم يدنون لكأنه البدر في التماعه وتوهجه..و
ضويت البلد من اليمن للشام
ثم وأن حادثته وأنت متلجلج البال عن علاقته بأصدقائه القدامى في
الحركة الشعبية وخصومة حزبه مع حركتهم بائتة مثل شمس الصيف في كبد السماء. يحدثك عن
خصالهم وعن سودانيتهم وكريم عاداتهم، ويلون حديثه بسيرة باقان أموم وياسر عرمان
ويعدد لك مواقفهما الشهمة وشجاعتهما وتواضعهما، حتى تسائل نفسك في ارتياب، ففيم
الخصام إذن؟ وتتراقص ذات الصورة.. حينما تسأل عنه الشفيع خضر والتجاني الطيب (من
دهانقة الحزب الشيوعي في المنفى) فيحدثانك عن موضوعيته ومقدراته على الفرز الدقيق
بين الشأن العام والشأن الخاص وفي الحالتين لا يتخلى عن لسانه العف وجميل القول وإن
لم يتراجع عن ما أمن به واقتنع فيدافع عن وجهة نظره ويمكن أن يقضي الساعات الطوال
لإقناعهما بها، فإن لم يفعلا، خرج عليهما بمثل يقرب الصورة وترك ضحكته ترن على
حوائط الغرفة. وله في تجلياته تحليلات عن الحزب الشيوعي السوداني وناسه، فهو مقتنع
بخلقهم وأمانتهم ونزاهتهم وأنهم ما مدوا أيديهم لقرش حرام، ثم يسوقك في رحلة مع
الاشتراكية الأفريقية والفكر الاشتراكي ويسقط ذلك على واقع العالم الثالث وكيف أن
الديكتاتوريات قد أفسدت كلما يمكن البناء عليه ويتفاءل بأن رياح التغيير
والديمقراطية قد بدأت تهب على أفريقيا ويتمنى أن تكون رياح عافية تتجاوز نكبات
الشمولية وأيامها المظلمة. ثم إننا كنا بالقرب منه في محطات بالغة الأهمية وهو
الرجل الذي شق طريقه في غابات الجنوب منذ وقت باكر وخرج من هناك بشقدوم وتابع طريقه
مع زملائه حتى وصل إلى محطة القضايا المصيرية في أسمرا 1995م والتي يعتبرها قمة
نجاحات العمل المعارض وحافظة وحدة السودان ثم كنا شهوداً على مرحلة الفصام والشقاق
وقد ظل كما هو ما بخل علينا بمعلومة بل في كثير من الأحيان طالب الناس بأن يناقشوا
الجهة الفلانية حتى لا يحدث هذا الأمر أو ذلك، وحينما خرج حزبه من بين فصائل التجمع
كان هو المنطقة الوسطى التي تتجمد عندها المياه الساخنة فلم يبادر بهجوم ولم يشاتم
بل كانت كل مفرداته تحفظ الاختلاف عند درجة الاحترام المتبادل، وأذكر إننا كنا
شهوداً كذلك على اجتماع في ليلة ماطرة وجدنا أنا وزميلي وصديقي محمد عبد القادر
رئيس قسم الأخبار بالزميلة الرأي العام وكان اجتماعاً فاصلا في علاقة حزب الأمة
بالتجمع وقد طال الاجتماع عما كان مقرراً "عقد الاجتماع بمنزل السيد الصادق المهدي
بالملازمين بأمدرمان" وكان يخرج بين الفينة والأخرى مقدما لنا أكواب الماء بنفسه
ويحادثنا بلطف عن مسار الاجتماع، وأخيرا وعند منتصف الليل انتهى الاجتماع وتفرق
أعضاءه وجاءنا د. عمر وألقى إلينا بالخبر..
مفارقة التجمع..
ونشد أن الرجل كان مهموما ومؤرقا فلم نطل عليه وانسحبنا تبلل ثيابنا
قطرات المياه الباردة. ولعل من أبلغ مرافعاته مع قيادات التجمع بعد ما اتخذ حزبه
قرار العودة للداخل تلك التي يتجلى فيها البعد الإنساني والتي بنيت على أن التجمع
عليه ألا يثقل على من استضافوه وإن أهله عليهم أن يعودوا ليناضلوا من ديارهم، وما
زالت عباراته التي حدثنا بها والتي قالها للأستاذ التجاني الطيب ترن في الخاطر
وتستحق الانتباه حينما قال "إننا قد تطاولت أعمارنا وبقينا سنوات خارج السودان.. هل
تريدون أن ندفن بعيداً عنه أم نعود ليه في صناديق؟!". لقد ناضل عمر نور الدائم ضد
الديكتاتورية والشمولية من لدن مايو وحتى الإنقاذ وبقي وفيا لحزبه وأفكاره ومبادئه،
اختلفنا أم اتفقنا وفوق هذا ما غيرته السنوات ولا بدلت طباعه ظل سودانيا مهموما
بأهله في النيل الأبيض ومشاكلهم وظلت داره ملاذ لهم ولغيرهم من أهل السودان وتلك
أصالة حق للناس أن يتذاكروها فهي تتجلى من معدن أصيل وقد ظل كذلك عاشقا متبتلا في
محرات أنصاريته لم يكتف بتجميل حوائط منزله بصور الإمام المهدي وأحفاده وأبنائه
"وإن فعل" بل ظل ذاكراً لعهودهم وفيا لهم ولفكرة حزبه في السراء والضراء وظل في
حياته باذخا ومنافحا وفوق هذا وذاك كان سودانيا صميما معبقا بتراث جليل اندغم في
نسيجه فحق عليه القول..
أنصار الإمام راكبين عواتي الخيل وقول المهدي فيهم مصممين بالحيل..
وقد كان محبا صوفيا للسيد الصادق المهدي رئيس الحزب وإن لم يلغ هذا
الحب مواقفه وكان وفيا وفاءا قل أن يجود بمثله الزمان بصون عبر هذا الحب علاقة عمل
استمرت قرابة نصف القرن من الزمان وتماهت حتى ذابت الخطوط الفاصلة بين الرئيس
والمرؤوس والقائد والمساعد، وبقيت في حدودها العليا ما بين الصديق والصديق. والأخ
وأخاً له لم تلده أمه، وهذا من شأن المتصوفة الأقحاح فلله دره.. اللهم إن هذا عبدك
أتاك في شهرك العظيم فأنزله منزلة الصديقين والشهداء، واحسن اللهم عزاء أحبابه
وأصدقائه وعارفي فضله الكثر واطرح على آله وناسه نعمة الصبر والسلوان. |