أعــــــــلام الأمـــــــة: ما كتب عن الفقيدين د.عمر نور الدائم ومولانا عبدالله اسحق
 
 
 
 

 

      

رحيل شيخ العرب.. والتسامح

الشرق الاوسط: عثمان ميرغني

الكتابة عن الدكتور عمر نور الدائم، الوزير السابق ونائب رئيس حزب الأمة السوداني المعارض، الذي توفي الاسبوع الماضي في حادث سير عندما كان عائداً من واجب عزاء، هي الكتابة عن السودان الذي كان. سودان التسامح والتعايش والبساطة والطيبة. فالدكتور عمر جسد كل ذلك حتى أصبح يعرف بين الناس بلقب «شيخ العرب» وهي تسمية يقصد بها السودانيون الرجل الذي تجتمع فيه صفات الكرم والطيبة والبساطة والمودة والسماحة.
كان ذلك على المستوى الشخصي، اما على المستوى السياسي فقد مثل الدكتور عمر أجمل الصفات التي تحلى بها جيل من أهل السودان، أحسبه انقرض او في طريقه الى الانقراض اليوم، بعد أن تحول العمل السياسي الى «غابة» تراجعت فيها القيم والمبادئ امام المصالح ومنطق القوة، واختفت مثل التسامح والتعايش في ظل ممارسات جديدة غريبة على أهل السودان حلت على ساحتهم وفرضت عليهم التغيير، مع ضغوط الحياة، من السلوكيات والممارسات.
فالسودانيون كانوا دائماً يحيرون العرب الآخرين لأنه مهما بلغت درجة الخلاف السياسي بينهم فانهم ينحونه جانباً ويضعونه في المكان الذي يجب أن يكون فيه، ولا يغلبونه على جوانب الحياة الاخرى. وكان السياسيون الى زمن غير بعيد يتعاركون كلامياً داخل البرلمان حتى يحسب الناس أن كل ما بينهم قد انقطع، ليخرجوا بعدها من القاعة وهم يتسامرون ويضحكون، ثم تراهم يتزاورون في الامسيات ويلتقون في الاجتماعيات حتى تخال أن ليس بينهم سوى الانسجام في كل صغيرة وكبيرة وأنه لم يكن بينهم أي خلاف.
أذكر أن الدكتور عمر نور الدائم عندما كان في لندن خلال التسعينات وكان النظام الحالي والجبهة القومية الاسلامية في أعلى درجات الشدة والتسلط، وكانت المعارضة في أقصى درجات الاستنفار والنشاط قبل أن تتشتت وتصاب بمرض أهل بيزنطة في الجدل العقيم، لم ينقطع عن لقاء من كان يصفهم بـ «أصدقائي» من قيادات الجبهة الاسلامية، ولم يتوقف عن زيارة من كان يأتي مريضاً، او معايدة من كان يجيء في مواسم عيد. وكان يقول لمن يسألونه عن ذلك «ان السياسة والعمل العام شيء والتواصل بين الناس شيء آخر»، ويزيد على ذلك قائلاً «ان من أعظم ارث السودانيين التسامح ويجب الا نسمح لأي نظام او خلاف سياسي أن يقضي على هذا الارث».
عندما بحثت قيادات حزب «الأمة» في الخارج مسألة العودة الى السودان والعمل من الداخل بعد أن أبدى النظام شيئاً من الانفتاح، تحمس الدكتور عمر للعودة، وقال لي ذات مرة «لقد تعبت من حياة الغربة فقد قضيت معظم حياتي السياسية في المنافي وجزءاً غير يسير في المعسكرات، واذا كانت هناك فرصة للعمل في الداخل فهي أفضل من هوان الغربة». وهكذا عاد مع أول فوج من قيادات حزب الأمة العائدة الى الخرطوم، وهناك بقي في المعارضة، وحافظ على علاقاته مع الجميع ومن بينهم أهل الحكم.
لم يكن سبب عودته رغبة في العودة الى الحكم، فهو في سنواته الأخيرة أعلن زهده في تقلد اي مناصب تنفيذية، مؤكداً ان حزبه لو عاد الى السلطة فانه لن يتقلد بعد اليوم منصباً حكومياً، ويقول ان جيله أدى دوره وأمله أن يرى جيلاً جديداً يتحمل المسؤولية، مبدياً في الوقت ذاته رغبة شديدة في التفرغ للقراءة والفلاحة وأملاً في أن يرى الديمقراطية تعود الى السودان.
بعد وفاته جمعت جنازته أهل السودان على مشاربهم وألوان أطيافهم، من الحكم ومن المعارضة، فحضرها الرئيس عمر البشير، وعاد من أجلها الصادق المهدي من «غيبته» الاحتجاجية في القاهرة لكي يبكي في جنازة رفيق دربه وعمره، وصديق كفاحه ومشواره. وكانت الجنازة بذلك نداء صحوة لسماحة وتسامح أهل السودان، وأفضل شهادة يمكن أن تقال في حق رجل وهب الكثير من حياته من أجل بلده، وكان نظيفاً، رفيع الخلق، حلو المعشر، نموذجاً لما يجب أن يكون عليه الانسان، ونموذجاً للسياسي المتمسك بحب بلده وأهل وطنه. وكان فوق كل ذلك قدوة في مجال التسامح والتعايش، وهما صفتان لن يكون للسودان من دونهما سلام او استقرار.. او معنى. رحم الله «شيخ العرب».

 


© كل حقوق الطبع محفوظة لـ حزب الامة (السودان)