أعــــــــلام الأمـــــــة: ما كتب عن الفقيدين د.عمر نور الدائم ومولانا عبدالله اسحق
 
 
 
 

 

      

شيخ العرب سيف اغمد

الصحافة السودانية

امثال الدكتور عمر نورالدائم من الذين ضلوا طريقهم الى السياسة عن طريق الخطأ، فلاهي تشبههم ولاهم يشبهونها، ولكنه حين سار في طريقها اخلص السير كسالك مريد لا تغره احوال ولا تحتويه مقامات

لبس عمر ثوب السياسة دون أن يخلع عن نفسه ثوب اخلاقه التي تربي علىها، تلك الاخلاق البدوية التي عبر عنها الشاعر الحاردلو مادحاً

كاتال في الخلا وعقبان كريم في البيت

قلت له ونحن قادمون من حفل مرور سبعة وعشرين عاماً على وفاة محمد احمد محجوب الذي اقيم في جامعة الاحفاد قبل اشهر، قلت له مايدهشني انك تعيش السياسة باخلاق قريتك ود نمر على تناقض مابين السياسة واخلاق قرية بدوية

اخذ من اخلاق القرية صفة جامعة وهي صفة الفتوة بكل مكوناتها من شجاعة ووضوح وبساطة وكرم وعفه يد وطيب خلق وثبات على المبدأ، لم يخاتل او ينافق اويتعالى او يكتنز حراماً او يلقاك بوجه انت له منكر كشأن أكثر السياسيين.

عاش مقاتلاً يحمل سيفه ويحمل قضيته من خلال العمل المسلح ومعسكراته في الحبشة وليبيا او من خلال المعارك السياسية التي بارز فيها في قوة وعفة لم ينمق الكلمة او يتحدث بلحن القول، وهو في كل ذلك واضح لا يحرج صريح لا يحرج قاطع في بيان المواقف وتحرير الخلاف ، مما دفع بعضهم الى القول بان ما لا يريد الصادق المهدي التعبير عنه بلغة المدينة يتركه لعمر نورالدائم ليعبر عنه بطريقته

ويذكر الناس محمد ابراهيم نقد بظرفه المؤدب وهو يريد ان ينتقد خطاب الحكومة في آخر جمعية تأسيسية، ولكن عمر نورالدائم لا يدع قولاً دون ان يحسمه بواضح القول وقوى الحديث، فاحتال نقد للدخول في حديثه بملاحظة طريفة وناقدة، حيث لحظ ان لعمر جلبابين احدهما يلبسه في حال النزال وهو بلون الكاكي، والآخر يلبسه في حال الصفاء وهو ابيض اللون، وكان يلبس في ذلك الىوم جلبابه الابيض فابدي نقد سعادته حيث لا يبدو عمر في ذلك الىوم منازلاً

اوجدت ثورة 1964 قيادات جديدة في السياسة السودانية يجمع بينها انها جميعاً في سن الشباب المتحمس للاصلاح، ويجمع بينها ايضا انهم جميعا ممن تلقوا تعلىماً جامعياً او فوق الجامعي، على خلاف اجيال السياسيين السابقين الذين وقف اكثرهم عند المرحلة الثانوية في كلية غردون، ويجمع بينهم ايضا انهم جميعاً من الرافضين لطغيان القديم ،النزاعين للخروج علىه، ويجمع بين بعضهم انهم ممن يداومون النظر في الفكر والسياسة.

واذا كان الراصدون رصدوا من القيادات الشابة التي جاءت بها ثورة اكتوبر اسماء الصادق المهدي وحسن الترابي ومحمد ابراهيم نقد، فان من وراء هؤلاء اسماء اخرى كثيرة اسهمت في تشكيل الحياة السياسية في السودان، ومن المؤكد ان عمر نورالدائم من أبرز هؤلاء

ظهر عمر السياسي يرفده رافدان ،اولهما التخصص الاكاديمي فوق الجامعي الذي اعانه في تشكيل افق رحب في العمل السياسي حرص من خلاله الا يضع السيف في موضع الندي والا يفسد اختلاف الرأى للود قضية ، والرافد الثاني تلك الاصالة السودانية التي تكونت لديه مبكراً في حنتوب الثانوية، حيث يشكل مع صديقه المرحوم مبارك على كرار (ابوالزينة) ثنائياً امتاز بالتلقائية والاصالة ، ولاذا بهذه الروح السودانية لتكون عاصماً لهم من الذوبان في قشور المدنية، وعاش عمر وفياً لما مات علىه مبارك علي كرار من الحفاظ على شخصيته السودانية الصميمة بحيث لم تظهر علىه مظاهر الفرنجة والاستلاب يوماً ما ظهر عمر السياسي وكان نجم صادق المهدي صاعداً، ولكن دون الغاية صعاب وعقبات وحرس قديم له مقولات مغايرة، فنثر كنانته وعجم اعوادها ويسند ظهره الامير نقد الله من الحرس القديم النازع للاصلاح ومعه آخرون، واختار عمر نورالدائم من الشباب، فلم يخيب له فراسة، ومن يومها ارتبط الاثنان معاً حلاً وترحالاً اقامة وظعناً الا ان يخلفه الصادق المهدي في ما لا يستخلف فيه غيره

اختلف كثيرون معه في مذهبه السياسي ولكن ما لا يختلف علىه الناس حول عمر نورالدائم انه لم يكن سياسياً انتهازياً بل كان صاحب عقيدة ومبدأ ، قامت على تراث المهدية وفكرة السودان للسودانيين التي غرس بذرتها ورعاها السيد عبدالرحمن المهدي، وانه كان صادقاً في توجهه السياسي والتزامه الحزبي، وما لا يختلف علىه الناس انه كان شيخ عرب فيه كل مافي الشيخ من صفات حميدة، وما لا يختلف علىه انه كان سياسياً شريفاً لم يرضع من المال العام ولا من غيره حراماً ولم يكف عن حلال الرزق فطاماً، فطاب حياً وميتاً

لقد فقدت السياسة السودانية احد ابرز رموزها رحمه الله واحسن الىه واثابه، ولانقول لصادق المهدي ماقاله الاعرابي من ان مثل كسر عمر لا ينجبر، فالايام جوابر،
و انا لله وانا اليه راجعون

مات عمر نورالدائم وفي صدره خزائن اسرار لكثير من احداث تاريخنا المعاصر، كان فيها مشاركاً وصانعاً، ولنا رجاء في من بقي من رواد العمل العام في شتي اضربه ان يدونوا مذكراتهم حفظاً لذاكرتنا التاريخية


© كل حقوق الطبع محفوظة لـ حزب الامة (السودان)