أعــــــــلام الأمـــــــة: ما كتب عن الفقيدين د.عمر نور الدائم ومولانا عبدالله اسحق
 
 
 
 

 

      

في ذمة الله - شيخ العرب عمر نور الدائم

 بلا رتوش: كتب إدريس حسن:

كان المغفور له الدكتور عمر نورالدائم مؤمناً بهذا الوطن وشعبه ومخلصاً لقيمه العليا في التسامح والتعايش بين مكوناته الاجتماعية المختلفة وإن اضطرته ظروف ما في فترات من حياته السياسية الى الصدام والاختلاف مع الآخرين وفقاً لقناعته بالظروف التي أحاطت بالوطن يوم أن حلت الديكتاتورية مكان الديمقراطية وصار الإقصاء بديلاً للحوار وأصبح لا مجال للرأي الآخر. ولكن ما أن تهدأ الأمور وتتراجع شدة التعصب والتطرف في المواقف، وتكون هنالك قناعة بأنه لابد أن يسود العقل والمنطق وأن الطريق الى التفاهم هو أنجع السبل في لقاء السودانيين حول كلمة سواء إلا ونجد المغفور له د. عمر نور الدائم أول المستجيبين لذلك. وعندما طرح نميري موضوع المصالحة الوطنية في العام 1977م كان من أوائل القادمين من الخارج من المنفى الذي اختارته قوى المعارضة فكان من أول العائدين الى الوطن دون أن يعلم ما هو المصير الذي ينتظره سوى أن ذلك الطريق في المصالحة بين السودانيين هو الطريق الصحيح رغم أنه كان الرجل الثاني بعد المغفور له الشريف حسين الهندي في الجبهة الوطنية المعارضة آنذاك، بل يعتبر من الذين قووا أركانها بارتباطه بكوادرها، وأقام في معسكرات المناهضين لنظام نميري في إثيوبيا وفي ليبيا يرعى شؤونهم ويتفقد أحوالهم دون انحياز لعنصر من العناصر رغم أن الأنصار كانوا أهل الغلبة والكثرة في تلك المعسكرات. فاكتسب بذلك ثقتهم وبادلوه الثقة بمثلها والحب بنظيره ولهذا فقد كان له دوره المؤثر في حركة المعارضة التي اتخذت من العمل المسلح آنذاك سبيلاً لها للإطاحة بالنظام. ولكن حينما لاحت الفرصة للناس ليتصالحوا ما خادع نفسه بأن القوة هي السبيل الأفضل للتغيير إنما جنح للسلم كمواطن أدرك بفهمه العميق أن السلم هو خير الأمور وهو الوسيلة الناجعة لإصلاح الأوضاع بتراضي كل الأطراف .

 

وصالح عمر نورالدائم مع المتصالحين ودخل في تنظيمات النظام المايوي بهدف أن يطور الخطوة التي اختطها وغرس مفاهيم سياسية جديدة تصب في مصلحة الوطن من خلال حلول متدرجة غايتها إحلال الديمقراطية وفتح صفحة جديدة في مسيرة العمل الوطني. ولكن عندما تكشف له الحال لم يجد بداً من التراجع، وخرج من النظام المايوي الذي جاء اليه متصالحاً لا يبغي منصباً ولا وظيفة وإنما كان يبغي سيادة المفاهيم والمواقف الصحيحة وإيجاد المعادلة السياسية التي يتراضى عليها أهل السودان. وبمثل ما كان ملتزماً بالشعب وبقضاياه الوطنية وخاض كل المعارك واحتمل ما احتمل من الصعاب والتضحيات كان أيضاً ملتزماً حزبياً لم يبدل مواقفه حيث أنه لم يخرج عن حزبه في موقف من المواقف ولم يشذ عن قرار من قراراته في أحلك الظروف وأصعبها. وقف الى جانب رئيس الحزب السيد الصادق المهدي في كل معاركه بدءاً من دعوته الى تحديث حزب الأمة وقوميته عندما اشتد الخلاف بينه وبين عمه المغفور له الإمام الهادي في ما يتعلق بموضوع سيطرة الطائفية على الحزب وأنه كان ينادي بأن يكون حزب الأمة قومياً وسانده في كل أطروحاته فكان ساعده الأيمن وموضع ثقته. وما حدث في يوم من الأيام أن خرج على رأي الجماعة في التنظيم فحتى الأشياء التي كان يعارضها كان يلتزم في خاتمة المطاف بقرار الأغلبية، وهذه سمة قل ما نجدها عند السياسيين إذا ماقارنا ذلك بمواقف خروج بعض السياسيين على أحزابهم. والشاهد على هذا أنه عندما حدث انقلاب 30 يونيو 1989 لم يكن عمر نورالدائم راغباً في المواجهة والصراع المسلح لكنه فعل ذلك لأنه كان يمثل الرأي الغالب في الحزب. وكان أيضاً أول الملبين لدعوة الوفاق والوئام الوطني عندما اقتضت الضرورة أن يلتئم الشمل وتتوحد الصفوف فعاد الى الوطن بعد غياب طال لعدة سنوات يحمل المفهوم الذي يجمع الناس ولايفرقهم لذلك أصبح موضع تقدير من كل الناس.

وفي سبيل إصراره على استقامة الأمور ونهج الوئام الوطني دفع ثمناً غالياً حينما اعتدى عليه في منزله بعض الأفراد من حزب الأمة الذين يحملون السلاح، وكاد أن يدفع حياته ثمناً لذلك الاعتداء الآثم، لكنه تقبل ذلك بصبر وسماحة نفس ولم يجعل من ذلك الحادث قضية شخصية أو مصدراً لإثارة القلاقل في أوساط حزبه، حيث اعتبر ذلك ضريبة تؤدى للعمل الوطني، مما زاده شموخاً ومحبة بين أبناء وطنه قاطبة. وقد أفنى الرجل سنوات العمر لم يتخل عن تأدية دوره في إيجاد المسالك والدروب لإيجاد الحلول لقضاياه المتشعبة، فالوطن بالنسبة له هو همه الأول والأخير.

ولذلك فقد عرف كل الناس تجرد د. عمر نور الدائم -رحمه الله- وما تحمله نفسه النقية التي تقوَّت بالعلم من القيم والمثل الوطنية الرفيعة. ولهذا لم يهرول الى المغانم أو المناصب، بل كان دائماً يتراجع ويبطئ الحركة نحوها زاهداً فيها ولكنها كانت هي التي تسعى إليه.، وكان عمر نورالدائم الوزير -وهذه شهادة يعرفها كل الناس- متى ما التقى في المناصب الوزارية التي تقلدها في كثير من الحقب والأزمان في العهود الديمقراطية، متى ما التقى بالمواطنين وعادة ما كانوا يأتونه من بعيد حاملين معهم مشاكلهم إلا وخرجوا منه يشيدون بمواقفه التي لم تخيب لهم أملاً ولارجاءً.

وفي المجتمع العريض عرف الناس عمر نور الدائم ذلك البحر الزاخر بالود والمحبة والتآخي. كان صديقاً للجميع دون أن تكون هنالك فواصل حزبية ومواقف سياسية فارقة مهما احتدت المجادلات واستبانت الفروق. لهذا فإن أصدقاءه كانوا من كل ألوان الطيف السياسي، فهو يحمل وده الأخوي للشيوعي وللاتحادي وللإسلامي رغم أنه كان يمثل أكبر رموز حزب الأمة وكيان الأنصار بعد رئيسه الصادق المهدي. لقد كان الفقيد د. عمر نور الدائم قريباً جداً من الناس، لذلك فإنك تجد داره دائماً مفتوحة تأوي البعيد والقريب يقبلون عليه وهو بعيد عن مواقع الحكم والمناصب الرسمية، لكنه بعلاقاته الواسعة كثيراً ما حل لهم المشاكل حيث كان له منهجه الخاص يتوخى فيه دائماً احترام رأي الآخرين ويتجنب استفزاز خصومه. ويبدو لك أنه دائماً ينفر من التعصب ويلتزم بالإقناع والمنطق، وكان هذا هو السبب لتميزه كشخصية سودانية صقلت مسيرته التجارب والعلم وخبرات العمل السياسي. وكان دائماً يحتفظ بصلاته قوية مع الناس الذين كان كثيراً ما يتفقدهم، وكان حبل التواصل لديه ممدوداً على الدوام فلم يكن يفرق في صلاته بين أنصار حزبه أو غيرهم. فكان لا يغيب عن الناس في أية مناسبة اجتماعية لهم مفرحة أو حزينة. ولعل آخر رحلة للدكتور عمر نور الدائم تشهد بذلك عندما توجه الى كوستي لتقديم واجب العزاء في رفيق دربه عوض الحاج من الله -رحمه الله- أحد أقطاب حزب الأمة. فقد وقف في تشييعه مؤبناً له معدداً مآثره وهولا يدرك أن الموت كان يترصده ويصبح بعد (48) ساعة فقيداً يؤبنه المؤبنون ويرثيه الراثون.

ونرى أنه مهما تحدث الناس عن سجاياه ومآثره وعن شخصيته تلك الفريدة، فإنهم لن يوفوه حقه لأن الكلمات تعجز عن أن تعددها وتوفيه حقه، فحياته امتزجت بشئ نادر وهو يتمثل في كيفية التوفيق بين حياة إنسان المدينة وطبيعة حياة إنسان الريف الذي كان منحازاً إليه دوماً وهو السبب الذي حببه اليهم مما جعلهم يطلقون عليه اسم (شيخ العرب). وهو بالفعل كان شيخ عرب بالمفهوم السوداني الذي يجد كل محتار عنده الرأي الصواب أو العون الذي يعينه على مشوار سفر الحياة. ألا رحم الله الدكتورعمرنور الدائم الذي قدم لوطنه ولمواطنيه عطاءً متصلاً وجهداً دؤوباً ومواقف وطنية مميزة وشجاعة مخلداً شخصيته في الحياة السياسية السودانية كأحد القيادات الحزبية النادرة التي نذرت عمرها كله للقضايا الوطنية في عالم أحاطت به نفسها اسمه «عالم عمر نور الدائم» الذي لا يعرف الإحن والأحقاد والزاهد في المغانم والمكاسب الشخصية. عليه الرحمة ولآله الصبر وحسن العزاء. إنا لله وأنا إليه راجعون.


© كل حقوق الطبع محفوظة لـ حزب الامة (السودان)