|
وداعاً أيها الرجل الأمة
بقلم/ خلف الله أحمد الشريف: عضو المكتب السياسي لحزب الأمة القومي:
إن القلم ورغم لون مداده الأسود أبى أن يتحرك على سطح الورقة والأحرف
أراها تبخرت والكلمات تهرب وكأني بهم جميعا يأبى أن يشترك في أطر هي نعي الدكتور
الإنسان الحبيب عمر نور الدائم. والعقل يكاد يكون خاويا إلا من قليل ذاكرة تعرف بها
الآخر والفكر مشدود مشغول بهذا الحديث وهذا الفقد الجلل فقدك أيها الحبيب الدكتور
عمر والنفس في لوعة والقلب حزين حزنا تسربل به الجسد جميعا فبفقدك أيها الحبيب لم
نفقد رحلا بل فقدنا أمة بحالها وفقدك ليس فقد نعيمة أو النيل الأبيض أو الإقليم
الأوسط أو فقد السودان جميعا بل فقد العالم العربي والإسلامي وأفريقيا والعالم
بأسره.
نعم تسربل الجميع بثوب الحزن بفقدك أيها الحبيب الدكتور ولم لا
يحزن الكل وأنت لم تكن يوما لنفسك ولم تعش أصلا لها ولم تكن لأسرة أو قبيلة أو جهة
بل نذرت نفسك لكل الناس دون أن تميز بين هذا وذاك نذرت النفس لترفع لواء المهدية
وبذلت كل مرتخص وغال من أجل أن تظل راية حزب الأمة عالية خفاقة كنت رفيق درب صادق
وصدوق للحبيب الإمام وكنت يده اليمنى وسنده وعضده كنت أكثر الناس إخلاصا للوطن
والكيان والحزب على الإطلاق كنت أكثرهم حرصا على أن يظل إنسان السودان حرا أبيا.
حملت هم الوطن وهجرت الأهل والولد سنين عددا وأنت تكافح وتنافح ضد التسلط
والدكتاتوريات لقد كنت حقا الرائد الذي لا يكذب أهله لقد كنت تجأر لقلوب الآخرين
فأحبك الناس بها وكانت هي كلمة السر في هذا العلو وهذا الشموخ الذي أنت فيه فقد
عرفناك ذلك الرجل السامي خلقا والشامخ فكرا العالي ذكرا عرفناك عالي الهام وسامي
القام وراقي مقام.
لقد أكلت السنوات عمرك وأنت تناضل من أجل المبادئ التي تؤمن بها
فما لانت لك قناة رغم وعورة الطريق ولا فترت لك همة رغم بعد المشوار وما تخاذلت
أو تنازلت يوما رغم صعوبة المهمة لقد كنت أيها الحبيب نسيجا لوحدك نسيجا لحملته
القوية والشجاعة وسادته الطيبة والسماحة نسيجا اجتمعت فيه كل مكارم الأخلاق النخوة
والمروءة والنبل والعفة وكرم لا يضارعك فيه غير حاتم وترصعت هامتك العالية بالصدق
والطهر وتدلى من عنقك على الصدر عقد نكران الذات واسطته التواكل على الله ولبست
الخلاص والوفاء تاجا مرصعا بياقوت أصلك الطيب وعطاءك الثر. أيها الحبيب لقد
افتقدناك ونحن أحوج ما نكون إليك في حزب الأمة وكيان الأنصار بل والسودان أحوج ما
يكون إليك وهو يمر بهذا المنعطف التاريخي الهام وهي مرحلة مفصلة في تاريخ هذا البلد
أن يكون أو لا يكون.
لقد افتقدناك أيها الحبيب بدر كم أضاء لنا ليالي وردهات السياسة
في السودان مبددا ظلامها إما بنور تشعه فكرا أو ضياء تنثره ممارسة أو أن تحترق
شموعا في المعتقلات وأرض المهجر لتضيء الجنبات لغيرك ليروا طريق الخير والحق
والحرية والديمقراطية. الآن وقد غاب ذلك البدر واحترقت تلك الشموع وانطفأ نورها
برحيلك أيها الحبيب فهل من نبراس يبدد الظلمات من بعدك؟ لقد كنت أيها الحبيب أمة
تمشي بين الناس حملت بين جوانحك قلبا يسع الجميع حبا وفكرا يسع لكل الآراء حجة
ومنطقا وعقلا يستوعب كل المستجدات وأملا يقتل كل بأس وعزم يطوع كل الظروف وقوة
تتحدى الصعاب كنت شموخا وأدبا وكبرياء يؤطرها جميعا تواضع جم وسماحة رحبة.
وعزاؤنا أيها الحبيب الدكتور إنك تقدمت الصفوف فأعطيت وجاهدت
فأبليت وحملت الأمانة فاديت وأنفقت المال والعمر فما أبقيت. أيها الحبيب إن راية
رفعتها أنت لن تسقط أبدا بإذن الله ألا رحمك الله وأسكنك أعالي الجنات مع نبيه
المصطفى وألهمنا وآلك الصبر.. إلى جنات الخلد يا عمر ترفل في نعيمها.
|