أعــــــــلام الأمـــــــة:  كلمة الحبيب الإمام في نعى المعلم الراحل  الأستاذ محمد إبراهيم أبو سليم
 
 
 
 

 

      

كلمة الحبيب الإمام في نعى المعلم الراحل
 الأستاذ محمد إبراهيم أبو سليم
9 فبراير 2004

9 فبراير 2004م الموافق 18 ذو الحجة 1424هـ

الأستاذ محمد إبراهيم أبو سليم مؤرخ ووثائقي عالمي.

سودن وظيفة مدير دار الوثائق فارتفع بمستواها وطورها من ناحية تنظيم وحفظ الوثائق وأثراها بالتعامل مع مراكز الوثائق الدولية. كما أعد كثيرا من الوثائق للنشر فساهم في بث الثقافة الوثائقية وتوثيق الذاكرة السودانية لجيله والأجيال القادمة. ثقافة كان لها أثرها البالغ في تصحيح المغالطات التاريخية فالمؤرخ السوداني الكبير الأستاذ مكي شبيكة قال في مقدمة كتابه الأخير عن السودان والثورة المهدية أنه أخطأ في استنتاجاته التاريخية عندما استقى معلوماته من المصادر الثانوية ولكنه عندما اتيحت له المصادر الأولية -الوثائق- راجع كتاباته.

واستطاعت دارالوثائق في عهده أن تتجاوز دورها الديواني بالمساهمة في تقديم وثائق كان لها أثرها الهام في قضية طابا وحلايب وغيرها. كما سعى لخلق صلات بين الدار والمجتمع حثا للأسر والقبائل أن تسلم ما بيدها من وثائق للدار فقام بزيارات ومخاطبات عديدة كان من نتائجها رفد الدار بكم هائل كان في الحرز لدى الأهالي. وما فتئ يذكر بضرورة أن يكون للدار مبنى مهيأ لحفظ الوثائق بالمواصفات العالمية، ومن جديد وبعد حصول الدار على قطعة الأرض المناسبة من الدولة سعى لإشراك المجتمع السوداني في النفرة لبناء الدار.. النفرة التي بدأها وواصلها زملاؤه بعد تقاعده وهي لما تثمر بعد.

وقد سعى مع زملائه لاستصدار قانون يفرض على كل مؤلف سوداني أن يودع نسخة من مؤلفاته في دار الوثائق مما جعل الدار مرجعا هاما لأي باحث في أي مجال خاصة السودانويات.

ومع أن الأستاذ المرحوم دخل حياته العلمية والوظيفية من خلفية معادية للأنصار فإن موضوعيته جرته إلى فهم مختلف أكثر موضوعية وأكثر تقديرا لتاريخ الأنصار. لقد صارت دار الوثائق مصدرا هاما للدفاع عن تاريخ المهدية في طورها الأول والثاني وبذلك شهد الثقاة. لقد كان في نشره وتحقيقه للآثار الكاملة للإمام المهدي إنجازا هائلا نال إعجاب الأنصار وغير الأنصار من أهل السودان. كما قام بجمع الآثار الكاملة لخليفة المهدي ونشر الجزء الأول منها بأمل نشر بقية الأجزاء تباعا، رحمه الله رحمة واسعة.

لقد مرت بالسودان عهود همها أن تسيّس لمصلحتها الحزبية كل شيء في السودان، فاستطاع المرحوم بوعيه ومرونته أن يحمي قومية وموضوعية دارالوثائق المركزية.

نال فقيدنا سمعة عالمية مستحقة وكان متاحا له أن يغترب ويجني ثمارا كثيرة ولكنه فضّل البقاء في الوطن وساهم مساهمة كبيرة في الأنشطة الاجتماعية والفكرية والثقافية والأكاديمية. وعاش زميلا للمؤرخين، وأستاذا للطلبة حلو المعشر سهل الاتصال متواضعا نال الارتفاع بالاتضاع.

الأستاذ المرحوم محمد إبراهيم أبو سليم لم يحصر نفسه في عمل وظيفي بل اتبع نهجا رساليا أثناء الوظيفة وبعدها.

لذلك شغل نفسه قبل أن يقعده المرض بإنشاء مركز للتاريخ والتوثيق. إن من حقه علينا جميعا أن نخلد ذكراه بجهد قومي تتعدد أوجهه ويهتم بصفة خاصة بدعم مركز أبي سليم الذي وضع فقيدنا لبناته الأولى وقد منحته الدولة قطعة أرض ليشيد مبانيه عليها. نحن على استعداد للمبادرة في هذا الشأن وعلى استعداد أن ندعم مبادرة غيرنا من أهل هذا الفن إن كانت جادة ومجدية.

نحن مجتمع من نقاط ضعفه قلة الاهتمام بالتوثيق ميلا للمشافهة كما نعاني من ضعف الذاكرة التاريخية.. هذه بعض عيوبنا التي يمكن لإحياء نهج أبي سليم بيننا أن يساهم في علاجها. لقد أسهم أبو سليم بالكتابات ليس فقط عن تاريخ المهدية بل أخرج أيضا من وثائق سلطنتي الفونج والفور وأرخ للعاصمة المثلثة وكتب في "الشخصية السودانية" وعن "الساقية" وغير ذلك كتابات عدت مراجع في مواضيعها.. كتابات بلغت عشرات العناوين واستمرت حتى آخر لحظات عمره يؤلف وينشر العلم والثقافة حيث فاضت روحه ولا زالت آخر أعماله في المطبعة. كما أسهم بإشرافه على كم هائل من رسائل الماجستير والدكتوراة في إثراء ودفع عجلة البحث في السودان.

ألا رحم الله الفقيد العالم المؤرخ الموثق محمد إبراهيم أبا سليم وأمتعه بمَا "لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ" قال تعالى ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُن). وأحسن الله عزاء أسرته الخاصة وأسرته العامة الوطن السوداني كله والعشيرة التاريخية في العالم أجمع.


© كل حقوق الطبع محفوظة لـ حزب الامة (السودان)