النزاعات داخل حزب الأمة: ثلاثة اختراقات وانشقاق
شهد حزب الأمة منذ
تكوينه في 1945 انشقاقا وثلاثة اختراقات كان آخرها اختراق سوبا 2002م بقيادة السيد
مبارك عبد الله الفاضل ومجموعته التي عقدت جمعية مباغتة تآمرية في 10-12 يوليو
2002م انخرطت إثرها في نظام الإنقاذ. وقد أصدرت الناطقة الرسمية للحزب آنذاك –
الأستاذة سارة نقد الله- بتاريخ 10 يوليو بيانا أكدت فيه أن المشاركين في ذلك
المحفل يعتبرون مقالين من مناصبهم بأجهزة الحزب القيادية. وقد أكد بيان الناطقة
أيضا أن ما حدث اختراق للحزب من جهة خارجية، جاء في البيان: "في تاريخه الطويل تعرض
حزب الأمة لانشقاق واحد وعدد من الاختراقات، والفرق بينهما هو أن الانشقاق انطلق من
عوامل ذاتية وخلافات داخلية وقد حدث مرة واحدة في عام 1966م. أما الاختراق فقد حدث
في الماضي مرتين في ديسمبر 1951م باسم الحزب الجمهوري الاشتراكي، وفي عام 1957م
باسم حزب التحرر، وكلاهما اختراق لأنه استهدف قواعد حزب الأمة واستند لدعم خارجي..
التجمع المسمي مؤتمر استثنائي لحزب الأمة اجتماع يتم خارج الشرعية والنظام وهو
مستهدف قواعد حزب الأمة لمصالح الآخرين".
في هذه الورقة
نتتبع –حسب
التسلسل الزمني- لتلك الاختراقات والانشقاق الذي تعرض له الحزب في ماضيه الطويل.
الاختراق الأول:
بروز الحزب الجمهوري الاشتراكي 1951:
كان ذلك
الاختراق بعمل بريطاني في المقام الأول. فقد قدم نواب الحزب في الجمعية التشريعية
اقتراحا في أواخر عام 1950 يطالبون فيه بمنح السودان الحكم الذاتي. وكما هو متوقع
فقد سبب الاقتراح الذي قدمه حزب الأمة انزعاجا شديدا داخل دوائر سلطات الحكم
الثنائي. شعرت القاهرة بأن ذلك الاقتراح لو استطاع الحصول على أصوات كافية داخل
الجمعية فانه سيضر بموقف مصر في السودان والقائم على وحدة وادي النيل. وكخطوة أولى
طلب رئيس الوزراء المصري مصطفى النحاس من الحاكم العام البريطاني في السودان منع
الجمعية التشريعية من مناقشة الاقتراح وفي نفس الوقت أبرق محمد صلاح الدين في لندن
لممارسة الضغط على الحكومة البريطانية لإجهاض احتمال إعلان استقلال السودان من طرف
واحد.
من جهة أخرى،
كان للحكومة البريطانية أسبابها الخاصة لمعارضة اقتراح حزب الأمة، ونتيجة لذلك وجه
الحاكم العام في الخرطوم بألا تجيز الجمعية التشريعية الاقتراح.
تبنت الإدارة
البريطانية هذه السياسة للأسباب الآتية:
1)
لبريطانيا مصالح سياسية واستراتيجية حيوية في مصر وقد شعرت بريطانيا بأن أية خطوة
تضر بالمصالح المصرية في السودان ستصيب المصالح البريطانية بالضرر لا سيما
التسهيلات العسكرية في منطقة السويس.
2)
شعرت
الحكومة البريطانية أن السودان لم يكن مستعدا للحكم الذاتي.
3)
شعرت
الحكومة البريطانية بالإساءة من اقتراح حزب الأمة لأنه قدم باستعجال دون تشاور مسبق
مع الإدارة البريطانية.
4)
قدرت
الإدارة البريطانية أن الجمعية التشريعية –بالرغم
من أنها صنعتها- لا تمثل كل الشعب السوداني لأن البعض قاطعها.
أعقب ذلك صراع
مرير داخل الجمعية التشريعية بين الأعضاء البريطانيين ونواب حزب الأمة. كان الفريق
الأول يحاول إثناء الفريق الثاني عن تأييد الاقتراح،ونتيجة لذلك بلغت العلاقة بين
الأمة والبريطانيين الحضيض.
في أثناء
المناكفة طلب السير ج.روبرسون –السكرتير
الإداري- مهلة للجمعية كسبا للوقت حتى تهدأ العواطف ،ولكن ذلك الأسلوب لم ينجح فكان
لابد من نهج مباشر لإحباط خطط حزب الأمة،فقدم يوسف العجب الزعيم القبلي من منطقة
الدندر اقتراحا مضادا لاقتراح حزب الأمة.
سبب الاقتراح والاقتراح المضاد شرخا عميقا بين حزب الأمة والإدارة البريطانية.فقد
تأكد للبريطانيين أن حزب الأمة ليس حليفا يعتمد عليه. بلغ ذلك التصعيد ذروته حينما
حاز اقتراح حزب الأمة على أغلبية ضئيلة بلغت 39 مقابل 38 صوتا.
لما اكتشفت
الإدارة البريطانية أن حزب الأمة لم يعد من الممكن شكمه شجعت-بكتمان- إنشاء حزب
جديد موال للخط البريطاني ومعاد لميول حزب الأمة.تكون الحزب الجديد-الذي حمل اسم
الحزب الجمهوري الاشتراكي- بصورة أساسية من زعماء القبائل في الجمعية التشريعية
وعدد من كبار موظفي الخدمة المدنية.ومما شجع على استقطاب الفئتين تخوفهما من هيمنة
أبناء المهدية.
اختار الحزب
الجمهوري الاشتراكي إبراهيم بدري كأول رئيس له، وكان من أبرز قياداته، القادة
القبليون: يوسف العجب، إبراهيم موسى مادبو، أبو سن.كانت أصداء إنشاء الحزب السياسي
الجديد وسط الأحزاب الأخرى مدهشة: فإذا رأى حزب الأمة والمجموعات الاتحادية أي
موضوع يستحق النظر فهو اعتقادهم الراسخ بأن الحزب الجمهوري الاشتراكي تم إنشاؤه
بتحريض من الإدارة البريطانية.
وتتضح حقيقة أن
الحزب الجديد كان يهدف لتحطيم المكاسب السياسية للسيد عبد الرحمن المهدي من
اسمه:الاشتراكي:لإحراج المهدي بتصويره كلورد إقطاعي تعمل في مؤسساته الاقتصادية
جماهير الأنصار بدون أجر.والجمهوري: لمعارضة الفكرة الشائعة في ذلك الوقت بأن حزب
الأمة يسعى لتتويج راعيه ملكا على السودان عقب استقلاله.ومن السخرية أننا نلاحظ أن
مؤسسي الحزب الجمهوري الاشتراكي- وهم في غالبيتهم إما زعماء قبائل أو من كبار
الموظفين البيروقراطيين-ليست لهم اتجاهات اشتراكية ولا جمهورية.
وعكسا للآمال
العراض للإدارة البريطانية بأن يخرج الحزب الجمهوري الاشتراكي منتصرا من انتخابات
1953 فقد مني الحزب بهزيمة صاعقة:إذ كسب فقط ثلاثة مقاعد في مجلس النواب ولم يكسب
أي مقعد في مجلس الشيوخ.كان الثلاثة الفائزين بلا استثناء زعماء قبائل.هذه
الحقيقة تعطي دليلا ماديا على أنهم إنما فازوا نتيجة للولاء القبلي أكثر من الولاء
للحزب.
بعد هذا الأداء
الضعيف تقلص الحزب واختار كثير من أعضائه الرجوع لقواعدهم الأصلية مرة أخرى.
أما بالنسبة
لتأثير إنشاء الحزب الجمهوري الاشتراكي على حزب الأمة فإننا نعتقد بأنه تأثير
ضعيف.وفي الحقيقة فان اثنين من المقاعد الثلاثة التي كسبها الحزب لم تكن مناطق نفوذ
تقليدي لحزب الأمة.
الخسارة الكبيرة لحزب الأمة في انتخابات 1953 يمكن عزوها لعوامل مختلفة تماما ولا
علاقة لها بظهور الحزب الجمهوري الاشتراكي. وفي حقيقة الأمر يمكننا أن نجرؤ ونقول
بأن محاولة البريطانيين "لتأديب" حزب الأمة قد جاءت بنتيجة عكسية تماما حيث قوت
صفوف الحزب الذي أحست قيادته بضرورة مقاومة محاولات التفتيت بل والقضاء التام.
الاختراق
الثاني:حزب التحرير الوطني1957:
هذا النزاع كان
أصغر حجما من الأول.وكسابقه فقد تمت هندسته بواسطة قوة أجنبية هذه المرة كانت مصر.
حدث هذا النزاع بعد أشهر قليلة من لقاء السيدين التاريخي:السيد عبد الرحمن المهدي
والسيد علي الميرغني في1956.نتج عن تخفيف التوتر بين الأنصار والختمية إزاحة الحزب
الوطني الاتحادي بقيادة الأزهري من الحكومة وتكوين ائتلاف جديد بين حزب الأمة وحزب
الشعب الديمقراطي.
وتعزى الطبيعة
المحدودة لهذا النزاع لحقيقة أن المحرضين عليه هم عدد من أسرة الخليفة عبد الله
يساندهم جزء صغير من أقربائهم من قبيلة التعايشة.
ادعى الفصيل
المتمرد من أسرة الخليفة القيام بواجبه في تحرير مواطنيهم في غرب السودان من ربقة
تسلط المهدية ولذلك جاء اسم حزبهم الجديد:"حزب التحرير الوطني".ولإظهار علاقة
الحاضر بالماضي استخدموا الراية الزرقاء: راية الخليفة شعارا لهم.وأشار بعضهم
لحزبهم الجديد باسم "حزب الأمة الحق" بمعنى الأصلي أو الحقيقي، ربما في إشارة لأن
حزب التحرير هو الممثل الحقيقي للأنصار. استقال محمد داؤود الخليفة وعبد الله
الأمير إسماعيل من وظائفهما الحكومية ووجها جهودهما لسكرتارية الحزب الجديد.اتصل
بهما السيد عبد الرحمن ورفضا أي تنازل عن موقفهما. ولما لم تثمر أساليب الإقناع
هذه اتجه السيد عبد الرحمن لحلول أكثر عملية للحفاظ على الحزب من التفتت. وعانى كل
مرشحي حزب التحرير الوطني من نفس الهزائم الساحقة في انتخابات57/1958 فاقدين حتى
أقاصي أقاليم الغرب وسط أهليهم.صوت أعضاء قبيلة التعايشة بأغلبية ساحقة لمرشحي
السيد عبد الرحمن الذي إعلانا في عام 1958 فضح فيه العناصر التي خرجت من حزب الأمة
ووصمهم بالخيانة لفشلهم في الوفاء ببيعتهم.
بعد لقاء
السيدين وائتلاف حزب الشعب الديمقراطي وحزب الأمة وجد الحزب الوطني الاتحادي في حزب
التحرير الوطني وفي الجبهة المعادية للاستعمار حلفاء ممتازين.
لقد كان
الاعتقاد الراسخ بأن حزب التحرير الوطني تكون بتحريض من مصر لتفتيت وحدة حزب الأمة
وأن مصر دعمت الحزب ماديا ومعنويا. وكان زعيم الحزب:عمر الخليفة قد تلقى تعليمه في
مصر وكان مخلصا في دعمه لمبادئ وحدة وادي النيل.
لم ينضم كل
أبناء الخليفة لحزب التحرير الوطني وفي الحقيقة فان نسبة مقدرة من الأسرة تحت قيادة
محمد المهدي الخليفة بقيت على ولائها للسيد عبد الرحمن.
لم يعمر حزب
التحرير طويلا فقد وضعت انتخابات 57/1958 حدا لأهدافه ومقاصده.
وبعد وفاة السيد
عبد الرحمن في1959 خلفه ابنه الأكبر الصديق إماما.وفي مواجهة الطغمة العسكرية
القاسية رفع الإمام الجديد راية المصالحة فاستجاب ابن الخليفة للنداء ورجع والتحق
بحزب الأمة.
الانشقاق في
الستينيات:
كانت لهذا
النزاع من حيث الاتساع ومن حيث المدى الزمني آثار أعمق من النزاعين السابقين، ومن
حيث تشعباته السياسية فقد كان أكثر ضررا منهما. وبالالتزام الصارم بالتسلسل الزمني
يمكن أن نتتبع بداياته منذ مطلع الستينيات، تحديدا منذ وفاة الإمام الصديق المهدي
في أكتوبر1961.يجب أن نذكر أن الصديق كوالده جمع بين الصلاحيات الدينية والسياسية.
وقبل وفاته عين الصديق لجنة خماسية سماها "مجلس الوصية". كان الهدف من هذا الجسم
–وهو
ترتيب مؤقت- هو إعطاء قيادة جماعية لإدارة الشؤون السياسية والدينية للطائفة حتى
يتم انتخاب قائد جديد. وقد اقترح السيد عبد الله الفاضل المهدي على المجلس مبايعة
السيد الهادي إماما خلافا لوصية الإمام الصديق ومراعاة لظروف الصدام في رأيه، أقر
المجلس الاقتراح مع اشتراط السيد الصادق أن ينشر وصية الإمام الصديق التي وجه
بموجبها أن يكون اختيار الإمام بشورى الأنصار، وبعد دفن الإمام الصديق المهدي أعلن
القرار وبويع الإمام الهادي إماما.
وحد الحزب
الوطني الاتحادي وحزب الأمة وجبهة الميثاق الإسلامي والحزب الشيوعي السوداني
والمستقلون جهودهم في معارضة دكتاتورية إبراهيم عبود العسكرية تحت قيادة الصادق
المهدي.التقت هذه الجبهة الموحدة مع الإمام الجديد الذي وعد باتباع خط سلفه.ومع
اقتراب الذكرى السادسة للاستقلال قرر الجمع تضييق الخناق على نظام عبود، وكجزء من
تلك الاستراتيجية اتفق على أن يلقي الإمام الهادي خطابا قويا في حشد عام تنظمه
المعارضة. تم تسمية لجنة فرعية لإعداد مسودة الخطاب. وسلمت نسخة من المسودة للإمام
الهادي بنهاية ديسمبر 1961. وفي اليوم الموعود أصيب الجمع الغفير بخيبة أمل حينما
غير الإمام الهادي كلمات الخطاب وقرأ بدلا عنها خطابا مختلفا كليا ذا نبرة تصالحية.
وبمثلما ولد خطاب الاستقلال ارتياحا في الدوائر الحاكمة،سبب غضبا في معسكر المعارضة
وحرجا للصادق المهدي.وفي نفس المساء اجتمع قادة المعارضة في منزل ميرغني حمزة
وطلبوا من الصادق تبريرا لتصرف الإمام،لم يستطع الصادق تبرير مسلك عمه.
تركت حادثة
الاستقلال أثرين بعيدي المدى:
1-
فقد
دشنت بداية تفكك المعارضة وهي العملية التي بلغت حضيضها في عامي 1962و1963.
2-
وفيما
يتعلق بحزب الأمة فقد بلورت الحادثة الخلاف بين الصادق والهادي. وبالرغم من أن
الشرخ بقي صامتا وخلف الكواليس إلا انه كان يضطرم تحت السطح.
ولاحتواء أية
تطورات مستقبلية للانقسام تمت الدعوة لاجتماع كبار عائلة المهدي.انعقد الاجتماع
برئاسة الإمام.وصل الاجتماع لمعادلة كان جزءا منها إنشاء مجلس عال ليكون أعلى سلطة
في الحركة المهدية.رفض
الإمام تلك المعادلة ربما لأن المجلس العالي المقترح سيقتطع من صلاحياته. شكل هذا
الموضوع الخلفية لجولة جديدة من الصراع بين المعسكرين.
وعلى الرغم من
خلافاتهما اتفق الإمام والصادق على عدد من القضايا الأساسية،على سبيل المثال:اتفقا
على دعم فكرة عقد مؤتمر بالجزيرة أبا يحضره كل أعيان الأنصار لبحث طرق ووسائل
مقاطعة انتخابات المجلس المركزي الذي اقترحه نظام عبود في 1963 بحثا عن
الشرعية.انعقد الاجتماع وبعد ثلاثة أيام من المداولات أجاز بروتوكولا من 14 نقطة تم
اعلانه في 26 أغسطس 1964.مثل
اعلان أبا ثورة حقيقية في تاريخ الحزب:خطوة الحزب التدريجية نحو لبرلة ودمقرطة
عملية اتخاذ القرار داخل أجهزة الحزب.
ازدادت الخلافات
حول إعلان أبا، وبنهاية سبتمبر 1964 دعا عبد الله الفاضل المهدي لاجتماع
مصالحة.أرسل اجتماع أعيان أسرة المهدي مذكرة للإمام بتاريخ 6 أكتوبر 1964.شددت
"مذكرة أكتوبر" وهو الاسم الذي أصبحت تعرف به، على فصل الأبعاد السياسية والدينية
في الكيان بحيث يقلل من تدخل الإمام في المعترك السياسي حفاظا على قداسة وطهارة
الإمامة فوق مشاحنات الساحة السياسية السودانية، ولكن الإمام رفض المذكرة بلا
مبالاة واعتبرها تزييفا أجوف ورفض الرد عليها.
وجه الصادق
طاقاته نحو القضايا القومية الملحة فعلى سبيل المثال:كتب في أبريل 1964 كتاب "
مسألة جنوب السودان" دعا فيه لحل سلمي سياسي للمشكلة،وفي نفس الاتجاه وثق علاقاته
مع اتحاد طلاب جامعة الخرطوم ومع قطاعات المثقفين الذين ناصبوا النظام العسكري
العداء.وحينما تفجر الوضع عشية 21 أكتوبر 1964 أصدر الصادق خطابه الشهير"رسالة
للمواطن السوداني" والذي دعا فيه الأمة للثورة على الحكومة العسكرية، كما تبنى خط
دعم الثورة واتصل بأسرة الشهيد القرشي محذرا إياهم من تدخل السلطات في موكب الدفن،
وأم المصلين على الجنازة وقاد الموكب الغاضب بعدها. أصبحت "رسالة للمواطن" وموكب
جنازة الشهيد مثار خلاف بين الدوائر الأكثر محافظة في الحزب والكيان بقيادة الإمام،
والعناصر الأكثر ليبرالية بقيادة الصادق.اعترض الأول عليها بحجة أنها استفزاز لا
داعي له للسلطات.رفض الأخير ذلك المنطق واختار المشاركة في الانتفاضة الشعبية التي
أجبرت الطغمة على التنحي بعد أربعة أيام.
فترة ما بعد
ثورة أكتوبر وتزايد الخلاف:
في أعقاب ثورة
أكتوبر دعا اللبراليون لإنعاش إعلان أبا لا سيما النص الذي يدعو الأحزاب والمجموعات
السودانية للتوحد في جبهة عريضة لحكم البلاد.وعلى كل حال فقد رفضت تلك المجموعات
المقترح وفضلت عليه النظام الحزبي التعددي الذي كان سائدا قبل نوفمبر1958. بعد ذلك
شرع الصادق " في إصلاح حزبنا حينما فشلنا في إقناع الآخرين في إجراء إصلاح قومي
عام".
نادت الإصلاحات
المقترحة في حزب الأمة بليبرالية وديمقراطية الأجهزة ودعت ضمن أشياء أخرى إلى تغيير
اسم الحزب وتنظيمه وبرامجه واستراتيجياته لتتماشى مع فترة ما بعد ثورة أكتوبر والتي
جلبت معها تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية عنيفة.عبر هذه الوسائل المقترحة أراد
الصادق جذب وجوه وقوى جديدة لحزب الأمة. وكما كان متوقعا فقد اعترض متشددو الحركة
على هذه الإجراءات.قبل الصادق عدم تغيير الاسم ولكنه أصر على المواضيع
الأساسية:"اللبرلة والدمقرطة".
ولإعادة تكوين
الحزب عقد اجتماع دعا له الإمام لقادة الحزب والكيان وأصر الإمام على أن منصب رئيس
الحزب والأمين العام يجب أن يحددهما راعي الحزب أي الإمام.أصر أغلبية الذين حضروا
الاجتماع على أن مناصب الحزب القيادية بالإضافة للمكتب السياسي يجب اختيارها
ديمقراطيا بواسطة أجهزة الحزب العليا:الجمعية العامة.ازداد التوتر حول هذه المسألة
ولكن في اللحظات الأخيرة تم التوصل لاتفاق يتم بموجبه كتابة دستور جديد للحزب وأن
ينتخب المجلس التأسيسي القيادات العليا للحزب.هذا الاتفاق فسر بصورة عامة كانتصار
للعناصر الإصلاحية في الحزب.اجتمع المجلس التأسيسي في 4نوفمبر 1964 وكانت أجندته
الرئيسية هي انتخاب المناصب القيادية.انتخب الصادق رئيسا للحزب بأغلبية ساحقة
وانتخب الأمير عبد الله عبد الرحمن نقد الله أمينا عاما وبالنسبة للمكتب السياسي
كسب الاصلاحيون أغلبية المقاعد.
انسحب الإمام من
الاجتماع قبل نهايته، ولكنه كراعي صادق على التعيينات.
اجتمعت بعض
المجموعات الساخطة حول الإمام تشكك في تكوين الحزب الجديد وفي ولاء قياداته. ويمكن
تصنيف تلك المجموعات على النحو التالي:
1.
المجموعات التي تعاونت مع النظام العسكري والتي تم استبعادها بسبب ذلك من المناصب
القيادية، أصدق مثال على هذه الفئة حسن محجوب مصطفى الذي كان عضوا في المجلس
المركزي في نظام عبود.وحينما أصبح الانشقاق معلنا تم اختياره أمينا عاما لجناح
الإمام.
2.
مجموعة من أعيان الكيان والحزب فشلت في دخول المكتب السياسي عبر الإجراءات
الديمقراطية مثل عبد الله الفاضل، صلاح عبد السلام الخليفة، محمد داؤود الخليفة،
محمد مختار الأصم.
3.
مجموعة المتشددين في الحزب والذين يعارضون بإخلاص أي إصلاح داخل الحزب ويعتقدون بأن
أمور الحزب يجب أن تسير كما كانت في الماضي.
هذه العناصر
صارت تقول أن الصادق انسحر "بالشيوعيين" و"العناصر الهدامة"الأخرى. يتكون قلب هذه
الفئة من ممثلي الإمام بين الجماهير(الوكلاء) والأنصار ذوي الولاء في منطقة النيل
الأبيض . هذه الفئات الثلاث كونت العمود الفقري للسند الذي يطلبه الإمام لمحاربة
المجموعة الداعية للبرلة داخل الحزب.
ومع تصاعد
الخلاف بين الطرفين واقتراب الانتخابات البرلمانية العامة المجدولة في أبريل 1965.
حاول الطرفان تهدئة الموقف استعدادا للانتخابات وتم التوصل لاتفاقية في 23 ديسمبر
1964. مكنت الاتفاقية الإمام من زيادة صلاحياته داخل الحزب.
خرج الحزب
منتصرا في الانتخابات العامة رغما عن أن الحزب لم يحصل على التفويض الكافي لتشكيل
الحكومة منفردا. كان على الحزب الائتلاف مع الحزب الوطني الاتحادي لتشكيل الحكومة.
كان الترشيح لرئاسة الوزارة بين محمد إبراهيم خليل ومحمد أحمد محجوب الذي تحفظ
البعض على أنه غير جاد وغير ملتزم بشئون حزبه وغير متصل بالقاعدة الجماهيرية، اتصل
افمام بمحمد إبراهيم خليل ليوكل له المهدمة ولكنه اعتذر عن المنصب، فقام البعض
بمخاطبة المحجوب موضحين له نقاط الضعف التي تؤخذ عليه موضحين له إمكانية تقلده
رئاسة الوزارة إذا لتزم بمعالجتها، فذهب المحجوب مع الوسطاء للإمام مقدما كل
الالتزامات المذكورة فاختاره الإمام رئيسا للوزراء، وانتخبته الهيئة البرلمانية
داخل البرلمان.
ومنذ البداية
ابتليت وزارة المحجوب بالتنافر. تشاجر المحجوب عدة مرات مع زملائه في
الوزارة:الأمير عبد الله نقد الله، عبد الرحمن النور،أحمد المهدي، د.أحمد بخاري،
محمد إبراهيم خليل.
وفي اجتماع
للهيئة البرلمانية سأل أحد النواب المحجوب عن مسألة المياه الريفية فقال أن الآلات
تم شحنها من أمريكا، ولما سئل عن كيفية ذلك ولم يعلن عن عطاء قال لا داعي للعطاء
لأنها الشركة الوحيدة في العالم، ولاحقا اتضح بطلان كل تلك الإفادات، فتفاقم الغضب
من أعضاء الهيئة البرلمانية من مسلك رئيس الوزراء وكونوا لجنة برئاسة السيد أمين
التوم للتحقيق في أداء الحكومة وقد استجوبت رئيس الوزراء، ثم أصدرت تقريرا يدين
رئيس الوزراء وقد وافقت الهيئة البرلمانية على التقرير.
وحينما اتهم أحد
وزراء الحزب -عبد الرحمن النور- أقرباء السيد محمد أحمد محجوب بالحصول على تصديق
لإقامة مدبغة دون حق أصر المحجوب على إقالة الوزير. أخبر الصادق بصفته رئيس الحزب
المحجوب بأن الإجراء الصحيح هو عرض القضية على المكتب السياسي ليقرر فيها وليس
التصرف فرديا.
كان هناك شعور
عام بخيبة الأمل من أداء الحكومة.لعب المحجوب بمهارة على ورقة(سقوط محجوب سقوط
الإمام).اعتقد المحجوب بأن التنافر في الوزارة "يحركه حزب الأمة ويحرضه
–بكل
تأكيد-الصادق" كما قال في كتابه "الديمقراطية في الميزان". ولكن تلك الجملة كانت
تخفي أن الخلاف بين المحجوب وزملائه كانت وراءه أسباب موضوعية لا ذاتية تمكن الحديث
عن تحريض أحد.
حل الحزب الوطني
الاتحادي تحالفه مع جناح الإمام وكون حكومة جديدة مع معسكر الصادق.تركز سبب فض
الشراكة حول قضية من يقود وفد السودان لاجتماع القمة العربية المنعقد بالمغرب.
فبينما رأى المحجوب أنه كرئيس للوزراء يجب أن يقود الوفد رأى الأزهري كرئيس لمجلس
الدولة أن يقود الوفد.تكرر نفس الوضع بعد أشهر قليلة حول من يمثل السودان في قمة
منظمة الوحدة الأفريقية في أكرا،وحول هذا الموضوع انفض ائتلاف الحزب الوطني
الاتحادي/الإمام.
كون الصادق
–رئيس
الوزراء الجديد- حكومته من عناصر مقتدرة ونزيهة.وذهب إلى حد الاستعانة بخبراء فنيين
من خارج حزب الأمة.وبالرغم
من شعبيته فقد حولت سياسات الصادق بعض العناصر في حزب الأمة وفي الكيان وقادتهم
للالتحاق بقوى المعسكر الآخر.وكأمثلة على تلك السياسات نذكر الآتي:
أ.
اقترح الصادق خطة للإصلاح الزراعي دعا فيها لإنهاء الرخص وتعويض الملاك ونقل
الملكية لجمعيات المزارعين التعاونية.حولت هذه السياسات بعض ملاك مشاريع الطلمبات
الخاصة وقادتهم للمعسكر الآخر.
ب.
وفي
سعيه لتحطيم النفوذ الطائفي والقبلي كون الصادق لجنة وزارية لبحث جدوى حل مؤسسات
الإدارة الأهلية و/أو اقتراح سبل تطويرها في المناطق الريفية الأقل نموا.هذه
السياسات تعارضت مع بعض الأعيان المحليين وقادتهم للالتحاق بالمعسكر المعارض.
هذه العوامل مع
غيرها شجعت الإمام الذي أصدر توجيها في 4 سبتمبر 1966 للأنصار سمى فيه جناح الصادق
بالمنشقين بكل ما يحمله التعبير من مضامين دينية للأنصاري البسيط.وأكثر من ذلك، شدد
الإمام على أن المهدية كانت دائما وستظل دين ودولة ومشددا على أن المجالين لا
ينفصلان.
في 15 مايو خسر
الصادق تصويتا بسحب الثقة من حكومته بأغلبية ضئيلة وقدم استقالته وخلفه
المحجوب.خلقت الحرب الكلامية مع الحماسة المتطرفة في الأنشطة الحزبية وعدم احتمال
القيادات للرأي الآخر-لا سيما قيادات فصيل الإمام- خلقت استياءا عميقا خشي معه أن
يقود لعنف مادي. تحققت تلك المخاوف في أمسية 5 يوليو 1967 حينما عقدت رابطة المرأة
بحزب الأمة -فصيل الصادق- اجتماعا حاشدا في ساحة ودنوباوي.خاطب الاجتماع الصادق
ونقد الله وبينما كان الأخير يخاطب الاجتماع انطفأت الأنوار وهاجمت مجموعات من
مليشيا الإمام المكان.أصيب نقد الله بجرح في رأسه بينما أصيبت بنتان من بنات السيد
عبد الرحمن المهدي إصابات خفيفة من جراء الاعتداء.اتسع الخلاف داخل الحزب حينما
قررت بعض العناصر التي كونت حزب التحرير الوطني في 1957 الانضمام لفصيل الإمام.
وفي 7 يوليو1967
أصدر الصادق وبعد سنوات من الصمت (بيان العقيدة والسياسة) الشهير. وجاء في البيان:
(بعض الناس يشوهون عقيدتنا المهدية بمزاعم قداسة روحية متوهمة لا وجود لها بعد وفاة
الإمام عبد الرحمن خاتم الإمامة المهدية الحقيقي. حالة البركة التي يزعمون لا وجود
لها في عقيدتنا.فهم يستخدمونها لإرهاب الأنصار حتى يضمنوا ولاءهم الدائم.لا مجال
للإرهاب في تراثنا فالإمام عبد الرحمن سمى بيعته بيعة الرضا).
كانت تلك المرة الأولى التي يهاجم فيها الصادق الإمام. والملاحظ أن الهجوم تركز على
نفي إلحاق صفت البركة والقداسة الروحية بالإمامة على أسس عقدية، لأن تلك المفاهيم
موجودة في الطوائف الدينية الأخرى في السودان لدى الطرق الصوفية، ولكن المهدية لم
تقم على ذلك الأساس والراتب خير دليل فهو خلو من إدعاء البركة والقداسة على النقيض
من رواتب وموالد الطرق، ولكن البيان لم يكن يرمي لنفي الإمامة نفسها.
بعد ذلك اتجه
لتقوية المعارضة داخل الجمعية التاسيسية بتكوين تحالف عريض للمجموعات السياسية.كانت
النتيجة تكوين "مؤتمر القوى الجديدة" التي تكونت من نواب فصيل الصادق، حزب سانو
فصيل وليم دينق،وبعض أعضاء الحزب الوطني الاتحادي الذين اعترضوا على دمج الحزب
الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي بالإضافة إلى بعض المجموعات الإقليمية.
انتخابات 1968
العامة وتوحيد الحزب:
كان لانتخابات
1968 العامة جانبان:
الأول: التنافس
العام بين المجموعات السياسية المختلفة على الأصوات.
والثاني:
المعركة بين جناحي حزب الأمة. لم يكن النصر بالنسبة للمعسكرين يعني هزيمة خصومهما
التقليديين في الحزب الاتحادي الديمقراطي ولكن كان يعني هزيمة المعسكر الآخر في حزب
الأمة. نتج عن الخلاف في حزب الأمة تعدد المرشحين في الدوائر.وهناك تطور مثير هو أن
حوالي 44 مرشحا فضلوا دخول الانتخابات تحت اسم حزب الأمة بدون الانتساب لأي من
المعسكرين.
نسق الصادق مع
عناصر مؤتمر القوى الجديدة بينما نسق الإمام مع الحزب الاتحادي الديمقراطي.تركزت
خطة الصادق السياسية حول برنامج بعنوان (إصلاح وتجديد) أكد فيه خططه الإصلاحية.لم
تختلف روح هذا البرنامج عن برنامج انتخابات 1965 المعنون(نحو آفاق جديدة).
أظهرت نتائج
الانتخابات الأثر الكارثي للخلاف.لم يكن هناك منتصر بين المعسكرين:فقد كسب الصادق
36 مقعدا بينما حصل الإمام على 30 مقعدا،ورفض 6 من مرشحي حزب الأمة الفائزين
الانتساب لأي من الفصيلين.خسر حزب الأمة 24 دائرة أغلبها للاتحادي الديمقراطي بسبب
تعدد المرشحين.سببت نتائج الانتخابات صدمة في معسكري حزب الأمة.أدركت القيادات في
الطرفين أن الجهة الوحيدة المستفيدة من خلاف حزب الأمة كانت الحزب الاتحادي
الديمقراطي.وعلى هذه الخلفية وثوابا للعقل بدأ هؤلاء القادة مراجعة مواقفهم
والتفكير في المصالحة.
كان الطريق
لتوحيد الحزب عملية مضنية فقد بدأت المفاوضات في النصف الثاني من عام 1968، وفي 11
أبريل1969 أعلن الفصيلان رسميا توحيد حزب الأمة. وفي اليوم التالي تمت الاحتفالات
في أمد رمان وقرأ الإمام للجمهور أسس إعادة التوحيد.
حاولت تلك الأسس
إيجاد توازن بين طموحات الصادق وبرنامجه الإصلاحي وبين محافظة الإمام. تم إلغاء
منصب رئيس الحزب واستبدل "بزعيم الحزب" والذي يملأه الإمام بالإضافة لأن يكون
الإمام مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية. سمي الصادق أمين عام الحزب ومرشح الحزب
الوحيد لرئاسة الوزارة.
وعلى كل حال
فبعد أقل من شهرين أطاح انقلاب عسكري بالنظام الحزبي التعددي في السودان. لم تكن
تلك الفترة القصيرة بين إعادة التوحيد والانقلاب كافية لاختبار قابليته للاستمرار
أو هشاشته.
الاختراق الثالث
: جماعة سوبا 2002م
كان حزب الأمة
يخوض معركة لإعادة الديمقراطية منذ يونيو 1989م. وفي الفترة الأولى للإنقلاب كان جل
قيادات الحزب بمعتقل كوبر حينما استطاع السيد مبارك عبد الله الفاضل أن يفلت من بين
يدي النظام ويصل ليبيا، واتصل بالقيادة بالداخل حيث حصل على تفويض لقيادة العمل
الخارجي. لم يكن السيد مبارك القيادي الوحيد بالخارج، بل لم يكن يحمل من ألقاب
القيادة سوى وزير عن الحزب وعضو في المكتب السياسي، بينما وجدت بالخارج في وقت لاحق
مناصب أعلى منه مثل رئيس الجمعية التأسيسية –الدكتور
محمد إبراهيم خليل- وعضو الأمانة العامة للحزب –السيد
نصر الدين الهادي المهدي.
في إدارته
للمعارضة بالخارج استطاع السيد مبارك المهدي أن يدير مكاتب تنفيذية فاعلة بكوادر
قليلة العدد، ولكنه فشل في تكوين جسم ديمقراطي أو مؤسسي يستوعب كل عضوية الحزب
بالخارج، بل كان طيلة تلك الفترة يلوّح على الآخرين بعصا التفويض من قيادة الداخل،
أدار العمل بطريقة كان فيها يأخذ بالشبهات ويجمّع كل الصلاحيات تحت يده ويضيق بأي
نقد ولا يعترف بالآلية الديمقراطية بكل تفاصيلها: مجالس الشورى- المكاتب السياسية-
ورش العمل، ويرى كل ذلك ضرب من الحماقات. وقد استمر مبارك الفاضل في ضيقه بالمؤسسات
واعتقاده الصميم أن العمل السياسي يطبخ داخل الصوالين المغلقة. بهذه الذهنية أدار
العمل بالخارج فكانت النتيجة نجاحا في إدارة الاتصالات الخارجية وتدوير المعلومة
وتنشيط أجهزة الإعلام لصالح رؤى الحزب، ساعده في ذلك نخبة من الشباب والكهول
المخلصين لخدمة الوطن الحزب. وقد سببت هذه الطريقة منافذ لشق وحدة صفوف الحزب فقام
نفر من القيادات ذوي الألقاب الحزبية الأعلى حسب المؤتمر العام الخامس (1986م)
قاموا بتنظيم مؤتمر في يوليو 1994م وبدون التنسيق مع القيادة بالداخل تحت شعار
"الإصلاح والمؤسسية" ثم خاطب المؤتمرون القيادة بالداخل مستنكرين آلية التفويض
لقيادة العمل الحزبي ومعلمين بنتائج مؤتمرهم. وقد ردت عليهم قيادة الداخل بأن أي
تحرك كان عليه أن يكون بالتنسيق القبلي وليس البعدي، وأنها سترسل مناديب لفض النزاع
بين القيادة بالخارج، وأنها تعتبر العمل القائم بالخارج شرعيا في الظروف التي قام
فيها.
وحينما خرج
السيد الصادق المهدي في تهتدون لاحظ تمزق الحزب بالخارج وتقاطرت عليه القيادات التي
سعى مبارك بكل جهده لإقصائها، فدعا لمؤتمر للقيادات بالخارج في أبريل 1997م، ثم
لمؤتمر عام في أسمرا عقد في يناير/فبراير 1998م، خرجت من ذلك المؤتمر أجسام مؤسسية
جديدة لتلافي العمل الفردي السابق، وشكلت لجنة لتقييم الفترة السابقة وللنظر في
الظلامات المقدمة من القيادات والكوادر بالخارج. وقد قبل السيد مبارك الأشكال
المكونة ظاهريا ولكنه لم يكن يعترف بأي مؤسسة أو جهاز أو أعماله ويعتقد حقيقة أن
العمل الحزبي مجهود تقوم به حفنة أفراد وما على الآخرين سوى التصفيق.
إن أهم الخصال
التي ظهرت في قيادة السيد مبارك الفاضل للعمل الخارجي هي:
1)
الاندفاع في الخط الذي يتبعه بدون أي اعتبار لآراء الآخرين، ولا وجود خطوط حمراء،
وقد ظهر ذلك جليا في تأييده لضرب مصنع الشفاء وحديثه عن إعطائه المعلومات عنه
للأمريكان. وفي تأييده لمقترح الكونفدرالية المناقض لقرارات أسمرا الذي قدمته
الحركة الشعبية للحكومة في المفاوضات عام 1998م.
2)
عدم
إيلاء أي اعتبار لآليات الديمقراطية في اتخاذ القرار من مجالس لها صلاحيات اتخاذ
للقرار، واعتبار العمل الحزبي عمل خاص ببعض القيادات وما على البقية سوى الاتباع.
3)
عدم
إيلاء أي احترام لآليات الديمقراطية في صياغة البرامج مثل ورش العمل واعتبار ذلك
مضيعة للوقت والجهد والمال.
وكان السيد
مبارك قد كوّن عداوات حقيقية تجاه زملائه في التجمع وقد كان يستبطن استعلاء حقيقيا
واحتقارا لهم. وبعد لقاء جنيف في مايو 1999م وانفتاح طاقة الحل السياسي الشامل عبر
اقتراح الملتقى الجامع الذي اتفق عليه الطرفان –الصادق
والترابي- فقد تغير موقف حزب الأمة من المواجهة القصوى إلى بحث إمكانية الحوار
والتفاوض مع النظام لإجراء حل سلمي وتحول ديمقراطي. خاض الحزب معركته من أجل الحل
السياسي الشامل بالضغط على التجمع الوطني الديمقراطي والضغط على النظام داعيا لما
سماه الطريق الثالث. ووقع الحزب مع نظام الخرطوم في نوفمبر 1999م نداء الوطن الذي
يحمل كل أفكار مؤتمر أسمرا يونيو 1995م للقضايا المصيرية.
عاد الوفد الأول
من قيادات الحزب للداخل في 6 أبريل 2000م بقيادة الدكتور عمر تورد الدائم والسيد
مبارك المهدي، وفي 23 نوفمبر 2000 عاد رئيس الحزب في عملية تفلحون، وأعلن أن العودة
تستهدف أربعة أهداف: التعبئة الشعبية من أجل الأجندة الوطنية- والتنظيم لصفوف الحزب
والأنصار- والتفاوض الجاد مع النظام من أجل تحقيق الحل السياسي الشامل- والتجميع
لكل القوى السياسية المعارضة حول رايات الحل السياسي الشامل والأجندة الوطنية.
قاد السيد مبارك
وفد التفاوض مع النظام، وفي يناير 2001م وصل التفاوض لمرحلة كانت تحتاج لقرار من
أجهزة الحزب لقبول أو رفض ما تم التوصل إليه، وكان قبول نتائج التفاوض يؤدي
للاشتراك في الحكم القائم. وكان السيد مبارك في اندفاعه في الخط الجديد يرى أن يعطي
الحزب ظهره لأي نوع من المعارضة للنظام وأن يدخل في تحالف ثنائي معه ويشاركه الحكم.
وكان مدفوعا بجهات داخل النظام وقد أعلن في ذلك الأسباب الآتية:
1-
أن
الحزب قد أرهقته سنوات المواجهة التي لم يكن النظام يريد أن يلتفت له فيها وعليه
الآن أن يجني ثمرة تفاهم الحكومة معه وتقديرها لحجمه، فيبني امبراطوريته الاقتصادية
ويؤهل نفسه ماديا، لأن الحزب والناس لا تأكل فكرا.
2-
الأنصار وقواعد الحزب هم أكثر الشرائح تخلفا وفقرا وعلى الحزب أن يشترك في الحكومة
ليدعم قاعدته ماديا.
3-
أن
هذا النظام قد توطد واستخرج البترول ولا يمكن زحزحته من على الحكم، ولا مناص من
مشاركته فيه.
4-
أن
القوى السياسية الأخرى غير فاعلة وسيئة وهذا النظام هو أفضل السيء، فهو الحليف
الأفضل لنا من زملائنا القدامى. وللحزب خياران إما أن يعود للمعارضة مع أولئك
الزملاء الفاشلين أو يدخل في تحالف مع النظام. والخيار الأخير أفضل.
5-
إذا
لم نسرع في حزب الأمة لعقد تحالف مع النظام فإن آليات التوسط الإقليمية والدولية
ستدفع باتجاه الحل بين النظام والحركة، وإذا تحالف النظام مع الحركة أو حلت له
مسألة الحرب فإنه لن يلقي لنا بالا وسنكون قد ضيعنا فرصة ذهبية. أيضا إذا لم نسرع
بالتحالف فإن النظام سيجني فوائد البترول بشكل أكبر وسيحقق طفرة اقتصادية ستجعله
يصرف النظر عنا.
وقد كان التيار
المخالف لقبول الاشتراك في الحكم يرى الآتي:
1-
أننا
كحزب ديمقراطي لا يمكننا المشاركة في نظام شمولي لأن هذا يناقض مقاصدنا.
2-
إن
هذا نظام ديكتاتوري ظالم وغير مؤتمن على العهود وقد كان لنا في سابقة المصالحة
الوطنية درسا من أن الاتفاق مع مثل هذا النوع من النظم يحتاج لضمانات أكبر.
3-
إن
الحزب شحيح الموارد المالية ولكنه غير عاجز وهو على شحة موارده يملأ الساحة
السياسية بالمبادرات ويحرك نحو أطروحاته الجميع.
4-
ليس
صحيحا أن أمامنا خياران إما المعارضة بالشكل القديم أو الاشتراك في الحكم، بل لقد
خططنا الطريق الثالث واستطعنا عبره أن نكسب الرأي العام السوداني لجانبنا.
5-
إننا
لا نستطيع خدمة جماهيرنا عبر المشاركة في سلطة الإنقاذ فهي لن تسمح لنا بذلك ولو
كانت تستطيع خدمة الجماهير لما أتت بنا لاكتساب شرعية زائفة لها. بل نحن لا نريد
خدمة جماهيرنا فقط لأننا نريد تحسين أوضاع جميع السودانيين وسيكون من القبيح أن
نشترك في حكم جائر لخدمة جماهيرنا على حساب الآخرين.
6-
صحيح
أن القوى السياسية السودانية كلها بما فيها حزبنا تحتاج لتطوير نفسها وإصلاح
آلياتها، ولكن عملنا في المجال العام غير رهين بارتمائنا في حضن أحد المعسكرين،
ويمكننا مواصلة عزفنا على الطريق الثالث مجندين معنا غالبية الرأي العام السوداني
كما هو حاصل.
7-
إن
النظام الحالي بأساليبه المشبوهة في إدارة المال العام لا يمكن أن يحقق طفرة
اقتصادية وعائدات البترول مهما كبرت سيكون صرفها خارج الخزينة العامة. أما الاتفاق
مع الحركة، فإن أي اتفاق مع الحركة برعاية دولية لن يمر بدون الاتفاق على التحول
الديمقراطي، وسيضغط الحزب في ذلك الاتجاه بكل ما أوتي من قوة. وحتى إذا تم الاتفاق
بدون التحول الديمقراطي فإنه سيكون اتفاق قصير العمر - كما حدث مع اتفاقية أديس
أبابا- ولن تدوم مدته طويلا.
التزم رئيس
الحزب بالصمت إبان مناقشة مسألة المشاركة في الحكم، وفي نهاية اجتماعات كل من
المكتبين القيادي والسياسي الذين بحثا الأمر ، لخص آراء الحاضرين وقدم رأيا يجمع
بينها تمت الموافقة عليه بالإجماع. خلاصة الرأي هو: تثمين جهود فريق التفاوض، قبول
مبدأ المشاركة في الحكم على أحد أساسين: حكومة قومية انتقالية، أو انتخابات حرة
نزيهة.
منذ ذلك القرار
تتالت من مبارك الفاضل ومجموعته التصرفات التي تؤكد عملهم الدؤوب لمصلحة النظام
ولصالح تفتيت حزب الأمة:
·
قبلوا
قرار المشاركة الذي صوتوا له، ثم بدأوا يشككون في ديمقراطية القرار، وفي خط الحزب،
وفي أجهزته التي شاركوا في تكوينها.
·
في
مايو 2001م قدموا للرئيس ومن خارج الأجهزة مذكرة وقّع عليها أربعون شخصا تدعو لحل
الحزب وتكوين حزب جديد عبر ما سموه الشرعية الثورية المكونة من الرئيس، والأمين
العام المكلف –دكتور
عمر نور الدائم- ومن تصدوا للعمل المعارض حتى 1999م. رفض الرئيس قبول المذكرة خارج
الأجهزة لأن في ذلك سحب للاعتراف بالأجهزة، وطلب من مقدميها سحبها ومناقشة ما
يشاءون من داخل الأجهزة.
·
في
ديسمبر 2001م صرّح مبارك الفاضل في أجهزة الإعلام بتصريحات رمى فيها الحزب بالجمود
وعدم الفاعلية ورمى أجهزته بأنها معينة وسحب اعترافه بهيئة شئون الأنصار وتصورها
للإمامة عبر الانتخاب لصالح الترويج لإمامة أحمد المهدي باعتباره الابن الأكبر
للإمام عبد الرحمن. وقد رأت هيئة الرقابة وضبط الأداء أن في تلك التصريحات تجاوزا
للانضباط الحزبي فقررت تجميد عضوية مبارك الفاضل لمدة عام، وقد تلى ذلك هجمة صحافية
شرسة وجهتها جماعة مبارك على الحزب وقيادته وأجهزته في صحيفة الوفاق وفي الصحف
الأخرى مستغلين هامش الحرية فيها. استمرت الحملة الصحفية حتى بعد احتواء مسألة
التجميد بالوصول لاتفاق بالالتزام بالأجهزة وقع عليه السيد مبارك واعتبره رئيس
الحزب بمثابة استئناف وأوقف بموجبه العقوبة.
·
وفي
10-12 يوليو 2002م خطط مبارك ومجموعته سرا لعقد تجمع أسماه "المؤتمر الاستثنائي
لحزب الأمة" خرقا للقيود الدستورية للمؤتمر الاستثنائي (يدعو له الرئيس أو ثلثي
الأعضاء) بل تم التنظيم له بصورة تآمرية تباهى بها مبارك في أجهزة الإعلام، فالدعوة
لم توجه إلا لمن ظن فيه الاستعداد للتآمر ضد الحزب الذي تم حل أجهزته حسب ذلك
التجمع اللاشرعي. دعمت الحكومة ذلك المؤتمر ماديا ومعنويا ونقلته أجهزة الإعلام
الرسمية كلها، وأعقب المؤتمر اتفاق بين حزب الأمة (الجديد الناتج عن المؤتمر) وحزب
المؤتمر الوطني، ثم بعد عدة أسابيع تم إشراك مبارك وجماعته في حكومة الإنقاذ.
يعد هذا الحدث
اختراقا لأنه تم لصالح النظام الذي أراد تفتيت وحدة الحزب لما يشكله ضده من معارضة
فاعلة، وضد أهداف الحزب. وقد قاطعت ذلك المحفل جل قواعد الحزب وقياداته فلم يذهب
معه أي من أعضاء الأمانة العامة المنتخبة في 1986م. وسيكون هذا الاختراق مثله مثل
غيره من الاختراقات قصير العمر حيث تبدده أول هزيمة انتخابات قادمة بلا شك. كما أنه
لم يؤثر سلبا على الحزب حيث لفت القيادة والقاعدة لضرورة التماسك في وجه الاختراق
الحكومي للحزب، وقد عقد الحزب في أبريل 2003م مؤتمره العام وتجاوز عقبة الاختراق
فعليا، كما رد عمليا على كل النقاط التي أثارتها جماعة الاختراق حول أجهزة الحزب
بانتخاب أجهزته التي ستدير عمله للدورة الحالية.
مراجع:
1-
الدكتور الفاتح عبد الله عبد السلام: النزاعات داخل الأحزاب- حالة حزب الأمة.
ترجمة د. عبد الرحمن الغالي.
2-
قضية الانشقاق في حزب الأمة بالوثائق 1962-1967م
3-
رباح الصادق الاختراق والانسلاخ في حزب الأمة 2002م.
|