الصفحة الرئيسية
 
 
 
 

 

 

 


 

الاختراق والانسلاخ في حزب الأمة

الفصل الثاني

 الحلقة الأخيرة: تجمع سوبا- يوليو 2002م.

يا الزعماء اللكان زعماء وباعوا الغالي

وأصبحوا لا فكر لا رأي وراسهم خــالي

زي موية الرهاب الما بتتطلع عـــــــالي

مساك الدروب فضل يكون متــــــــوالي

بشير عثمان

لقد برمت جماعة المشاركة بدون ضوابطها بالحزب وأجهزته وقررت الانخراط في النظام،  ولذلك فقد أقدمت على التخطيط سرا –أي بدون إخطار أجهزة الحزب رسميا وإن كانت المعلومات قد تسربت للقيادة – لما أسمته مؤتمرا استثنائيا، عقد في أرض المعسكرات بسوبا في الفترة ما بين 10 إلى 12 يوليو.

حضر هذا التجمع حسب التقديرات 1200، ولكن حصر تلك  العضوية وعلاقتها بحزب الأمة لم ترصد بدقة بعد- وهناك بعض التقارير تشير إلى أن جزء من عضوية هذا التجمع كانت من المؤتمر الوطني ومن العاملين بجهاز أمن الدولة. ومهما يكن، فإن جزء كبير من العضوية تابعة لحزب الأمة، ولكن وجدت أخطاء إجرائية وتنظيمية تخرج التجمع من كونه آلية تنظيمية لتجديد الأجهزة ورسم السياسات، إلى كونه محفلا لاستعراض خطب التأييد لقيادة معلومة ولخط سياسي معد سلفا، يسفر عن ولادة تنظيم سياسي جديد –وإن كان قادته ينتمون إلى حزب قائم تاريخيا ومعلوم الأجهزة والشرعية واللغة الفكرية، مع إضافة أن التنظيم الجديد المكون من أقلية في ذلك الحزب، يود تجريد الأكثرية من كينونتها ويحل محلها.

 أهم الملاحظات على ذلك المؤتمر هي:

من الناحية التنظيمية:

المؤتمر الاستثنائي اسم يطلق على المؤتمر الذي يعقد في غير وقته لضرورة أو أمر طارئ. وفي دستور حزب الأمة تتم الدعوة لانعقاده من رئيس الحزب أو ثلثي الأعضاء أو ثلثي أعضاء اللجنة المركزية[1]. ومعلوم أنه في أية مؤسسة فإن الدعوة لاجتماع (الجمعية العمومية) أو أي جهاز يكون عن طريق القيادة الشرعية للمؤسسة، وعبر الأجهزة التنظيمية (قطاع التنظيم) كما يشرف على تمويله الجهاز المالي (قطاع الإدارة والمال). ولكن الدعوة للمؤتمر أتت من جماعة ليس لها أية شرعية تنظيمية ولا يحق لها الدعوة للمؤتمر الاستثنائي للحزب دون الآخرين. هذا باب للفوضى إذ أنه إذا حق لأية جماعة الدعوة للمؤتمر الاستثنائي  لحق لجماعات أخرى غيرها ولانفتح باب للفوضوية بلا حد.

لم يجر التحضير لذلك المؤتمر بانتخابات قاعدية. بل لقد أعلن السيد مبارك المهدي –المخطط الأول للمؤتمر- وأذيع في أجهزة الإعلام أن الحضور للمؤتمر كان أكبر من الدعوة إليه. أي أنه مؤتمر بالتنادي وليس بالعضوية المصعدة المنضبطة. وحتى ذلك  التنادي فإن الدعوة له للقيادات الحزبية لم تجر بصورة مفتوحة بل كانت بصورة انتقائية محضة روعي فيها السرية.

ملاحظة مهمة في هذا الصدد أيضا أن الدعوة للمؤتمر انطوت  على خداع بعض المشاركين، والدليل على ذلك هو:

·         زار السيد الصادق المهدي وفد من  حلفا الجديدة ومن المحيريبة والحلاوين-  والجبلين عبروا عن أنهم خدعوا، وتمت  دعوتهم  على أن المؤتمر سيشارك فيه السيد رئيس الحزب والدكتور عمر نور الدائم.

·         أرسلت قيادات الحزب بكسلا مذكرة للحبيب السيد/ الصادق المهدي تؤكد أن المؤتمر كان فيه خداع. وقد وقع في تلك  المذكرة ثلاثة من المشاركين في وفد المؤتمر من كسلا وهم: علي البشير وقيع الله- نقد الله مصطفى قسم الباري- ومحمد أبشر.

·         استلم السيد مدير مكتب السيد الصادق المهدي مذكرة من السيد نصر الدين الأمين عبد الرسول يؤكد فيها أن اسمه قد ذكر ضمن المشاركين في المؤتمر وهو ما لم يحدث.

وإذا تحدثنا عن  الشرعية، فإن جميع المنظمين للمؤتمر –بمن فيهم مبارك المهدي- لا يملكون أية شرعية انتخابية في آخر مؤتمر عام للحزب عام 1986 وهم جميعهم ممن أتت بهم آلية التراضي التي ينتقدونها. أما المشاركون فقد جاءوا بصورة سرية، وحتى الذين يتقلدون مناصب في التنظيمات الولائية لم يحضروا كممثلين لتلك التنظيمات، فتتالت بيانات فصلهم من داخل أجهزتهم بعد مشاركتهم في مؤتمر الزور. وغالبيتهم مجرد أعضاء بالحزب لا يملكون أية صفة تصعيدية من محلياتهم.

 ليس للمؤتمر أية شرعية تذكر بل حتى الشرعية "الثورية" التي تحدثت عنها  المذكرة الأربعينية لم تستند  على من نادت بهم: وهم الرئيس المنتخب والأمين العام، والذين تصدوا للعمل المعارض. بل كان كثير من الأعضاء المشتركين فيها هم من الأعضاء الذين وقفوا بعيدا –بل منهم من انخرط في لحظة سابقة في النظام المايوي ثم في الإنقاذ. من هؤلاء نذكر: البشير النعمة (الذي قدم كلمة الإقليم الأوسط) – جلال خالد شيخ  الدين[2]- الناظر عمر إدريس هباني (وهذان حيتهما المنصة في سوبا فلم يكنا حاضرين وحسب). ومنهم أمثال الهادي بيتو الذي كان ذا علاقة جيدة بقيادات المؤتمر الوطني في فترة الصدام معهم حيث نزل رئيس المؤتمر ببيته حين زيارته لدارفور في تلك الفترة. ليس ذلك فحسب بل لقد خرج تجمع سوبا في توصياته بالتوصية بتكوين لجنة لمصالحة كل من فصله الحزب في فترة الثلاثين  عاما الماضية[3]، ومعلوم أن هؤلاء لم يتم فصلهم إلا لأنهم خرجوا على قرارات الحزب في التصدي للدكتاتوريات أوانخرطوا فيها.. إن جماعة المشاركة الانخراطية لم يبتعد عنهم غالبية المناضلين فحسب، بل إنهم كونوا قاعدة عريضة تبني بنيانهم من الذين ضاقوا بالتصدي للدكتاتوريات .

من الناحية اللوجستية

عقد المؤتمر بإمكانيات تفوق إمكانيات الحزب بكامله ناهيك عن جماعة فيه. أرسلت طائرات لجلب المؤتمرين من دار فور، ومن كردفان. كما تم توفير تذاكر السفر لوفود كسلا وغيرها من المدن. كما تم إعداد "جاكيت" بالأوراق المقدمة ومذكرات للكتابة وأقلام. ووجبات وغيرها من الإمكانيات.

دعمت الحكومة المؤتمر ماديا ومعنويا بصورة ظاهرة. تمت مصادرة جريدة الحرية ليوم 13 يوليو بدون إبداء سبب والمسئولون يرجحون أن يكون ذلك بسبب مهاجمة الانخراطيين ومؤتمرهم. فقد جاء في صحيفة البيان الإماراتية الآتي: "عطلت أجهزة الرقابة أمس صحيفة «الحرية» السودانية المستقلة عن الصدور. وأرجع الحاج وراق، الأمين العام لحركة القوى الجديدة الديمقراطية «حق» الذي يشغل منصب المدير العام للصحيفة السبب في التعطيل الذي تم بطريقة جديدة الى الهجوم الشرس الذي شنته الصحيفة ضد مبارك الفاضل المهدي حليف الحكومة الجديد. وقال وراق لـ «البيان» ان عدداً من منسوبي جهاز الأمن وصلوا الى المطبعة في تمام الساعة الثانية من فجر أمس وصادروا الصفحات الأولى بحجة قراءتها ولم يعيدوها إلا في السابعة والنصف صباحاً، الأمر الذي تعذر معه صدور الصحيفة. وشدد وراق على أن الصحيفة لن تتراجع عن موقفها ضد تشتيت القوى السياسية وتقسيمها رغم الخسائر التي تعرضت لها أمس من جراء عدم الصدور وتلف كميات كبيرة من الأعداد التي تمت طباعتها من العدد خاصة الصفحات الداخلية".. إلى أن قالت: "من جانبها أكدت الصحافية آمال عباس مستشار مجلس ادارة الصحيفة ان الخسائر التي تعرضت لها الصحيفة من جراء المصادرة لا تقل عن 15 مليون دينار سوداني".[4] وبتاريخ 14 يوليو صدرت توجيهات من جهات الأمن لبعض الصحف بعدم التعرض بسوء للسيد مبارك  المهدي وجماعته. فهل يصير  موضوع مؤتمر سوبا من ضمن المواضيع المحظور التحدث فيها لدى الصحف؟.

-          بينما تمت تغطية المؤتمر تغطية إعلامية كاملة من الإذاعة والتلفزيون، فإنه لم يتم إجراء مماثل مع صلاة الجمعة التي أمها السيد الصادق المهدي بتاريخ 12 يوليو مع أنها كانت حدثا هاما في سياق الأحداث في سوبا وقد قامت بتغطيتها أجهزة الإعلام العربية الأخرى. هذا يؤكد الانحياز الرسمي لسوبا.

-          تعرضت السلطات الأمنية لوفد الجزيرة المروية المكون من سبعة حافلات يوم الثلاثاء 23 يوليو عند حدود العاصمة وذلك الوفد كان يزمع الحضور للتنديد سلميا بتجمع سوبا ويساند الشرعية في الحزب..

أدبيات سوبا

كان بسوبا العديد من كلمات الوفود بلسان أبناء الجهات التي أتت منها الوفود- ولكن "الجاكيت" الذي وزع للحضور كان يحتوي على الأدبيات الرسمية للاجتماع الآتي بيانها:

قدمت اللجنة المنظمة للمؤتمر كلمة بلسان الزهاوي إبراهيم مالك، وقدم في المؤتمر سبع أوراق هي: "مفهوم التجديد في حزب الأمة" قدمها مبارك المهدي، الواقع السياسي الراهن وآفاق المستقبل- قدمها نجيب الخير، قضايا البيئة والتنمية- قدمها محمد أرباب- البترول في السودان قدمها أحمد خليل مسلم- التنظيم تحت راية الإصلاح والتجديد – تقديم الزهاوي إبراهيم مالك- الاتصال والخدمات في سودان المستقبل- تقديم الدكتور الفاتح محمد سعيد-  ثم الهيكل التنظيمي المقترح تقديم أحمد بابكر نهار، والورقتين  الأخيرتين وضعتا في البرنامج ولكن لم توزعا على الحاضرين.  ونوقشت (حسب البرنامج) أربعة أوراق عمل، ثم خرج البيان الختامي للمؤتمر. في هذا الباب نناقش أدبيات المؤتمر المذكورة.

كلمة اللجنة المنظمة لسوبا

احتوت الكلمة على لغة بلاغية قصدا لا فعلا، ولذلك كان الناتج ركاكة في الأسلوب وتناقضا في التصورات لا يشفي عنها إلا الاطلاع عليها إجمالا. ابتدرت الكلمة بتأكيد أن جماعة سوبا قررت "المسير على طريق التحديث والإصلاح والتجديد في حزب الأمة". وذلك "بوعي بعيد عن الإعلام المرعوب".. استطرد كاتب الكلمة قائلا: "نحن، سيداتي آنساتي لسنا أبناء صدفة ولا نتاج مرحلة، إننا دعاة الهجرة إلى المستقبل". مقتطفات من هذه الكلمة:

-          الأنصار كما تعلمون يقوم بمهمتهم أدناهم.

-          ليعلم الجميع بأن ساحة التجديد ليست بحاجة إلى نماذج معادة وأنماط وأساليب مكررة، بل إلى التحديث والتعصير.

-          إن تحقيق الأهداف الكبيرة يحتاج إلى عنصرين: لحظة تاريخية مناسبة وقيادة واعية قادرة.

-          تعلموا بحزب وصمت، فالعمل الشاق الشاق المفيد كدقات قلب الجنين في بطن أمه، وللعشوائية و(الشوفوني) صوت عال وضجيج.

-          في معرض الحديث عن التجديد قال: "إن أي دعوة لمزيد من الصبر والتحمل وضبط النفس هي رهان على الموت عجزا ومهانة وهو منا لا يقبل أحد أن يرضاه لنفسه أو يقنع به غيره".

-          واعملوا جميعا بأن من يعمل في السياسة اليوم بجد وإخلاص وصدق ونكران ذات: نبي أو شهيد أو بطل.. فكونوا ما تشاؤن، كونوا ما تشاؤن!.

لم يفت كلمة اللجنة المنظمة الخلط بين الحزب وكيان الأنصار في مفهوم غريب " الأنصار يقوم بمهمتهم أدناهم!"  والغرابة أن الحديث عن رسول الله e هو: " الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ"[5] وهو لا يعني القيام بالمهام لأن القيام بالمهام في الإسلام "للقوي الأمين" وليس لأدنى الناس!. كما لا يخفى أخطاء اللغة "تعصير!" والطباعة والتعبير، أو لعلها هرطقات تلك الواردة حول أن عامل السياسة بينهم نبي أو شهيد أو بطل: فكونوا ما تشاؤن!. ثم  الخلط بين المصطلحات العلمية غربية المنشأ مثل "الشوفينية" وبين اللهجة العامية "شوفوني". كلمة اللجنة المنظمة للمؤتمر تنبي عن مستوى متدن في الدرج العلمي الذي ينشدون.

ورقة الإصلاح والتجديد في حزب الأمة- مبارك المهدي

كتب السيد مبارك ورقته وزاد عليها شفاهة.

الورقة المكتوبة بعنوان: مفهوم الإصلاح والتجديد في حزب الأمة (ملخص):

ابتدرت الورقة نصها بآية من الذكر الحكيم: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" وإقرار أن التدافع بين الناس أمر كوني، كما أن وجود طائفة قائمة بالحق قدر محتوم أيضا، إنها مشيئة الله في إصلاح هذا الكون وتجديده. ليكون لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال كما قال الإمام المهدي عليه السلام".. "الوقت والزمان والأوان متحركات تتطلب تغيير الحال وتجديد الرجال لتظل جذوة التغيير متقدة خروجا من الركود وحالات الشيخوخة والجمود التي أدخلت البلاد في أزماتها السياسية الراهنة".

دعت الورقة للإصلاح والتجديد في النهج والأسلوب والعقلية. ثم تحدثت عن الفشل في التجربة السياسية في السودان منذ الاستقلال وعزته إلى:

1-      فشل المؤسسات الحزبية والسياسية في إرساء دعائم النظام الديمقراطي الفاعل.

2-      فشل الأحزاب في تطوير برامجها لتكون مؤسسات تتجاوز العصبيات وتسمو إلى رحاب الفكر والبرامج العلمية والعملية.

3-      تعثر الحركة السياسية في إقناع الجماهير وبناء حركة سياسية راشدة ومعالجة الضعف في:

·         انغماس الحركة السياسية بقياداتها الصفوية منذ فجر الاستقلال في الصراع على السلطة مما جر الجيش إلى حلبة الصراع السياسي في الأعوام 58-69-1989م.

·         لم تلتفت الأحزاب إلى كسر طوق الحلقة الشريرة وعجزت عن إيجاد صيغة مرضية للناس لإدارة البلاد.

·         فشل الأحزاب السودانية والنظم الشمولية التي تعاقبت على الحكم من إيقاف الحرب الأهلية المدمرة سلميا.

رأت الورقة أن تلك العلل والأزمات توضح حجم القصور والضعف في أحزابنا السياسية المتمثل في:

·         ضعف المؤسسية، واعتماد نهج التبعية والولاء للفرد بصورة اختزلت ذاتية المؤسسية في شخص واحد.

·         قيام أحزاب صفوية بعيدة عن هموم المواطنين تتصارع حول أيديولوجيات مستوردة.

·         غياب البرامج والمناهج العلمية والفكر الواقعي في الأحزاب.

·         ضعف الارتباط بين القيادة والقاعدة والذي ولد شعورا أفقد القواعد الثقة في جدوى المؤسسات الحزبية- عزوف الحركة الطلابية كمثال.

·         غياب الديمقراطية الحقيقية واختلال المعايير في بناء المؤسسات وتشكيل المكاتب المتخصصة وتقسيم القيادة والمناصب.

·         عدم الالتفات لمعالجة قضايا القوات النظامية.

تحدثت الورقة عن الإصلاح والتجديد في حزب الأمة بالاستفادة من تلك الدروس بإصلاح المنهج وتجديد الأسلوب وتطوير الممارسة لتحقيق الآتي:

أولا: بناء مؤسسة حزبية ديمقراطية فاعلة تؤمن مشاركة حقيقية من القاعدة إلى القمة.

ثانيا: العمل وفق برامج علمية مدروسة محورها القضايا الوطنية وقضية المواطن. بصورة موضوعية بعيدا عن الكسب الذاتي أو النظرة الحزبية الضيقة والتي لم نجن منها إلا البوار.

ثالثا: العمل على بناء مؤسسات المجتمع المدني على أسس سليمة.

رابعا: تأسيس قوات مسلحة محترفة للذود عن ارض الوطن.

ختاما: إن الدعوة للإصلاح والتجديد في العمل السياسي بدأت بحمد الله تنتظم غالبية القوى السياسية نسأل الله أن تأتي ثمارا طيبة عما قريب.

بعض مما زيد شفاهة:

بدأ السيد مبارك عرض ورقته بحمد الله (بدون بسملة)، ثم خاطب الحاضرين (رجالا ونساء) بأنهم هم قادة حزب الأمة لا شك في ذلك- نعم لا يمكن أن نمثل حزبا كله بكامل عضويته ولكن نمثله بقادته وقادة  أماناته السياسية وقادة الحزب في كل المحافظات والولايات. ثم قال: حزب الأمة هو الآن وسيظل حزب واحد. لأنك لا تصنع قيادات ولا تصنع كوادر في لحظات أو في أيام بل تنبع (بفتح الباء!) هذه القيادات وهذه الكوادر من قلوب الجماهير ومن الكد والنضال خلال سنوات، فهؤلاء هم الذين قادوا حزب الأمة في الأعوام الأخيرة- وهؤلاء هم أعمامنا الذين قادوا من الثمانينات والسبعينيات عمل الحزب.

هذا المؤتمر لم يكن وليد تخطيط لزمن طويل- وهو كما التأم هنا أقرب إلى الخيال مما يؤكد عزم الرجال ومما يؤكد صدق النوايا ومما يؤكد مشيئة الله أن ننهض بحزبنا وبأمتنا.

لقد ظللنا ننادي منذ أن بدأنا العمل العلني بعقد مؤتمر تأسيسي ينتخب جسما انتقاليا يقود الحزب في مرحلة الانتقال ويؤسس المؤتمرات الولائية القاعدية ولكن ذهبت مناداتنا أدراج الرياح.[6] رأى أخوة منا أن يتنادوا إلى اجتماعات محدودة- في القاهرة 14 شخصا، فكونوا تنظيما انتقاليا كان المفروض يستمر 6 أشهر.

هذا الجسم لم يكن يمثل تطلعات جماهير الحزب ولم يستطع أن يستنهض سواعد جماهير الحزب حتى ينعقد المؤتمر فظل الحزب عاجزا- وكما قالت لجنة الأمير نقد الله هذا التنظيم قد ولد ميتا وصار جزيرة معزولة ، وعندما تدهورت الأوضاع ووصلت إلى حافة الهاوية تنادينا نحن جميعا.

انفجر الصراع حول التجديد منذ يناير هذا العام- كانت من داخل هذه الأجهزة دعوتنا أن تدعى القاعدة لمؤتمر استثنائي- ظللنا ننادي بمؤتمر استثنائي ومؤتمر قاعدي ولم تسمع آراؤنا- وأصبحت الإجراءات الطاردة تترى بالتجميد والطرد والتراشق في الصحف. نزلنا للقاعدة في يناير من هذا العام- نبصرهم ونتشاور معهم حول قضية الإصلاح- كان التجاوب كبيرا مما شجعنا على هذا المؤتمر. عندما حددنا الموعد ودعونا لهذا المؤتمر لم يتجاوز ذلك أسبوعين. جئنا من أجل هدف سام وهدف مقدس وهو بناء حزب الأمة وبناء الوطن.

ثم تحدث عن الحلقة الشريرة في السياسة السودانية وقال: حينما نتحدث عن الإصلاح والتجديد نتحدث عن كيف نكسر هذه الحلقة الشريرة.

لنا فيما نفعل أسوة فلقد قال الإمام المهدي: إنما لكل وقت ومقام حال.. هذه الكلمة الشهيرة هي التي تأسست عليها الثورة المهدية.

هذه الورقة هي قراءة عميقة للأزمة السياسية التي مرت وتمر بها بلادنا.

تحدث عن ضعف العلاقة بين القيادة والقاعدة. وعن انعدام الديمقراطية داخل الأحزاب. قال: "نتكلم عن أجهزة ومؤسسات شرعية تتخذ قرارات بالفصل والتجميد ولكنها عاجزة غابت الديمقراطية فغابت المؤسسية في هذه الأحزاب".

قال أن الأحزاب ليست جمعيات خيرية بل هي للحكم، والحكم يتعلق بأمن الناس ومعايشهم. وتحدث عن ضرورة الأمن والمعايش في حياة الناس. ثم  استشهد بسورة قريش "مغيرا" في آية بشطب رحلة الشتاء والصيف وزيادة اللام، قال: ربنا ذاتو لما قال في سورة قريش قال: (لإيلاف قريش لإيلافهم فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف).

حزب الأمة دة تراث وضعوه الأجداد امتداد للثورة المهدية- كل واحد فينا عندو جدو جاهد أو  استشهد – حزب الأمة بتاعنا كلنا.

جاء في مطبوعة كتاب العودة: فشلنا في التنظيم- فشلنا في الإعلام- فشلنا في المال. إذن أنت غير قادر على قيادة الجماهير لتحقيق أهدافها.

ثلاثة مدارس في الساحة:

المدرسة الأولى: المدرسة الحالمة:  حالمين وعندهم أحقاد.عايشين في الماضي- عايشين في أحقادهم- عاوزين تصفية حسابات- واحد عاوز يعتمد على التناقضات والفرقة والحرب عشان يغير الأوضاع في البلاد- مدرسة ما عندها الرغبة في تغيير الأوضاع مشككة ومعوقة لعملية البناء وعملية الإصلاح

المدرسة الثانية: المدرسة التقليدية: معوقة- مدرسة المدمنين مدمني الصراع إذا ما عاش في صراع ما بيجد نفسه- جيل الثلاثينات عندنا في السودان- مدمن الصراع عاوز يرهننا لهذه الصراعات ولهذه الطموحات التي لن تتحقق. مدرسة عاوزة تعيشنا في الصراعات والمرارت- هناك أجيال قامت ولا تعرف ماذا حدث وليست طرفا عاوزين يتعلموا وعاوزين يكون عندهم مستقبل.

مدرسة الواقعية: ما دايرين نرجع لي ورا- نرجع لي ورا فقط حينما نفتش للأخطاء لنعتبر بها لكيلا نكررها لكننا لا نجتر الماضي ونرجع للوراء- نتعامل مع الواقع عاوزين نمشي لي قدام- إذا حاولنا نكرر الأخطاء وندفن راسنا في الرملة ما ح نبني المستقبل.

في من الجماهير عمرهم وصل تسعين سنة كانوا عاوزين يجو- انتو بتمثلو تطلعات أجيال. نبني التنظيم ونبني وطن ونجمع الشمل احنا ما جينا نفرق كلمة جينا نوحد أهل السودان.

عاوزين نكسر الاحتكار الفردي عاوزين نبني مؤسسة!!!!.

بنقول لي أخواننا الليلة  غضبانين  وزعلانين مننا – إحنا كنا عاوزنهم يقودوا ويسلمو الراية للأجيال اللي بعدهم- إحنا اتقدمنا الصف وعاوزنكم تقفوا معنا بالرأي – احنا ما جينا نقصي حد جينا نجمع شمل حزب الأمة!!!!.

الرجال بيبنوا وبيتركوا البناء لأحفادهم – بنقول لي أخواننا اللي ما جو احنا عاوزنكم تقيفوا معانا عشان يكون فعلا حزب الأمة رمز القوة. عاوزين نبني مع أخوانا في الحركة السياسية والقوات المسلحة- ح نناقش الحوار ببينا وبين اخوانا في الحكومة. كان أمامنا خيارات- مجموعة من القيادات في التنظيم القائم نعمل مؤتمر صحفي- لكننا اخترنا الطريق الصعب قررنا نرجع للقاعدة هم يناقشوا عاوزين نمشي الحكومة أم المعارضة- هذه الوجوه النيرة هي صاحبة القرار.

تحليل الورقة وعرضها:

وأول الملاحظات على الورقة أيضا كثرة الأخطاء المطبعية والأخطاء في النحو. وثانيها انعدام أي منهج علمي، ولو افترضنا أن الورقة اتخذت المنهج الوصفي لمسألة الإصلاح أو التحليلي لما خرجنا بشيء ذي بال. والورقة تخلط خلطا أساسيا في الآتي:

-          تسوق الورقة مفهوم التدافع كسنة كونية بين الناس لتتحدث عن مفهوم الإصلاح، وهذا مقبول. ولكنها تخلط بين مفهوم التدافع (كجدل قائم بين طوائف موجودة في زمان معين ومكان معين) وبين مفهوم التطور والتغير عبر الأزمنة والأمكنة على حد قول الإمام (لكل وقت ومقام..الخ). فالإمام المهدي هنا لا يتحدث عن تدافع بين نظريتين معاصرتين، بل يقول عن السلف الصالح من المجددين والمجتهدين من أئمة المسلمين "نحن رجال وهم رجال"، ويرد على الذين يحاجونه بما قاله الأئمة مناقضا لاجتهاده (ولا تعرضوا لي بنصوصكم عن الأقدمين، إنما لكل وقت ومقام حال). ويذهب لتأكيد ذلك –أي أن التغير في الاجتهاد ناجم عن تغير في الزمان والمكان - لا اختلاف في درجة إخلاص الرجال أو نبوغهم- أنه لو كان المصطفى حاضرا لأقره على ذلك- وأنه صاحب الزمان. كل تلك المفاهيم تخرج خروجا عن مفهوم "التدافع" لتصب صبا في مفهوم "الاستمرارية" و"الاتباع لا الابتداع"، وأن زمنه مندرج في زمن رسول الله (ص) (لا متدافع معه). لقد تسببت ذهنية (لكل وقت ومقام حال) في غرس ذهنية التطور (لا على أساس شجب الإرث) بل على أساس إقراره والبناء على جوهره وتغير مظهره فيما يوافق تغير الزمان والمكان، هكذا سارت المهدية في طورها الثاني مقرة بيعة المهدية –كما هي –إلا فيما يتعلق بمفهومي الزهد والجهاد- ومطورة نفسها في إطار تسامحي تعايشي مع الآخرين. وقد واجه  الإمام  عبد  الرحمن في هذا الصدد معارضة كبيرة من العديدين وكان رده لأولئك لو كان الإمام المهدي حاضرا لقرني على ذلك ولاتبع سبيلي.. وهكذا سارت المهدية في طورها الثالث مقرة بيعة المهدية في طوريها، ومطورة إياها فيما يتعلق بالبناء المؤسسي، والدعوة لمأسسة التعايش بين الاجتهادات المختلفة على غرار "نداء المهتدين" وبين الأديان بوثيقة "نداء الإيمانيين" وللسلام العالمي بنهج يفصله "نداء حوار الحضارات"،  وهي تعتبر أنها متبعة في ذلك الهدى المهدوي في طوريه لا مبتدعة مجددة لا مقلدة على نهج "إنما لكل وقت ومقام حال"، فلو حضر الإمام عبد  الرحمن هذا الزمان لسار بسيرها الآن ولم يتدافع معها..المهم، أن  خلط مسألة تغير الأزمنة والأمكنة مع مسألة التدافع خلط ينبي عن فهم فطير للنصوص القرآنية، وللسيرة المهدوية، بل للغة العربية نفسها.. إنه مؤلم للقلب هذا الحضيض الفكري السحيق.

-          تخلط الورقة (وعرضها) بين مفهوم المؤسسية والاستنفار. فقد تحدث مبارك عن تناديهم "للمؤتمر"، في أسبوعين فقط، وعن حضور ضعف العدد المتوقع. وأنهم وصلوا الجماهير ولم يصلها قبلهم أحد، وأنهم أتوا برأي الجماهير المغيبة. نحلة "الجماهير المغيبة" وتمثيل رأيها، واستنفار الناس كدليل على موافقتهم هو ديدن الشموليين، فلن يعدم أحد يبذل المال ويهون "اللوجستيات" لحضور الرجال والنساء بضع مئات أو حتى آلاف يستجيبون. ولكن المؤسسية (المبنية على أساس ديمقراطي) هي الآلية التي تضمن تمثيل الملايين (كما هم عضوية حزبنا) عبر التصعيد بالمؤتمرات القاعدية، لعضوية محددة منضبطة تقاس بنسب تمثيل الحزب في الولايات (استنادا على آخر انتخابات حرة عام 1986م). هذه هي المؤسسية، وهي لا تعني الاستنفار ولا التنادي بأي حال. والخلط الأكبر يتضح في حديثه عن السريةـ فقد اعترف في مقابلة مع جريدة الصحافي الدولي –بتاريخ 17 يوليو 2002م-أنه حجب الأمر عن رئيس الحزب تحوطا من إجراءات مضادة تقطع عليهم الطريق!. وحجب الأمر عن الرئيس يتبعه حجبه عن عشرات ومئات القيادات التي لا تحلف يمين الولاء (لمبارك) وإن سمعت لأوصلت الأمر للرئيس (المحجوب عنه). فكيف يقوم إثر دعوة سرية "مكلفتة" في أسبوعين فقط لا تتيح إجراء مؤتمرات قاعدية، ولا ورش عمل تحضيرية، ولا إعداد أوراق عمل حقيقية، وقامت بالتنادي فجاء ضعف العدد المتوقع (كما لو كانت لوليمة زفاف)، كيف يكون الحديث هنا عن مؤسسية أو "مؤتمر" إلا كالذي قام "مسخ عشوائي القسمات".

-          تحدثت الورقة عن ما أسمته "الفشل في التجربة السياسية منذ الاستقلال" فعزت ذلك الفشل كله تقريبا للأحزاب السياسية السودانية عامة –مع ذكر مقتضب للأنظمة العسكرية التي جرها للساحة الفشل الحزبي- وبعد ذلك تحدثت الورقة عن الضعف الحزبي في السودان بصورة عامة، وكان هذان القسمان هما الجزء الأكبر من الورقة. في هذا الجانب خلط بين الداء (الأسباب) وبين الأعراض (الظواهر). فشل الأحزاب السياسية هو ما تسوقه الأبواق الشمولية للحديث عن فشل الديمقراطية والذي  يفترض أنه حدث نتيجة لأخطاء القيادة السياسية. أما اعتماد المفهوم على ثقافة سياسية ومدنية كأساس (دعامة) جماهيرية عامة فمفقود تماما. كان من الأجدى للسيد مبارك الحديث عن إطار للتنمية السياسية يركز على "محاولة دمقرطة" السودان، بدلا عن افتراض أن تعثر تجربة الأحزاب السياسية هي شيء مساو لفشل تلك الأحزاب ولفشل الديمقراطية.. إن الديمقراطية (وأحزابها) لم يتح لتجاربها أكثر من انتخابات تنافسية دورية كان يتاح لها أن تجرى لمرة واحدة أو مرتين بالكثير في كل تجربة ديمقراطية. فلم يسمح لها بالعيش واكتساب الخبرات والأقلمة..الخ[7]. إن لحزب الأمة نظرية شائعة لخصها عنوان كتاب الصادق المهدي "الديمقراطية في السودان عائدة وراجحة"- وهو الكتاب الذي كتبه في سسجن كوبر وسربه للخارج فقام الحزب بالخارج تحت قيادة السيد مبارك المهدي بطباعته ونشره- نظرية الحزب هي أن الديمقراطية على علاتها أرجح من الديكتاتورية وذلك بيانا بالعمل لا بالشعارات وبالأرقام والحسابات، فالفشل في الساحة السياسية السودانية لا يمكن أن يعزى للأحزاب وهي لم تتقلد سدة الحكم إلا أقل من ربع المدة منذ الاستقلال، فمن بين ثمانية وأربعين  عاما لم تحظ الأحزاب بأكثر من تسعة أعوام، ولم يحظ حزب واحد بأغلبية مطلقة في الحكم.. فكيف يعزى الفشل  في النتيجة للحكم الحزبي ويلبس الأوتقراطيون "الذئاب" ثياب الحمل؟.

-           كما يوجد خلط بين النظام الديمقراطي –الذي يحوي ويتأثر بمعطيات شتى حزبية ونقابية وصحافية وإقليمية وعالمية وعسكرية ومجتمع مدنية- وبين النظام الحزبي فقد سيق كأن الأخير يعني الأول..  وهو خلط أتقنته النظم الشمولية في سعيها الدؤوب لتبرير انقلابها على الشرعية، ولتكوين شرعية قائمة على الوصاية. ففي هذه الورقة كفر بالأحزاب السياسية السودانية، وبما أن هذه الأحزاب تساوي الديمقراطية إذن: (فكفر بالديمقراطية).. والنتيجة أن الديمقراطية ليست محور الإصلاح والتجديد. هذا ما أدركه كل مطلع على أدبيات جماعة سوبا، قال الأستاذ تاج السر شبو: "ومن غرائب الأشياء أن كلمة الديمقراطية غابت تماما في أدبيات مجموعة الأمة "الحكومية" غابت كمصطلح، وكقيمة، وشعار.. حتى في مداولات المؤتمر "الفرقعة" و"الكلفتة"[8]".

-           ومثلما أجملت الورقة تحليل الفشل السوداني، والضعف الحزبي، فلقد تحدثت عن مرامي الإصلاح الحزبي العامة (المؤسسية الحزبية- النهج العلمي القومي- المجتمع المدني- والقوات المسلحة) ولكنها لم تفصل ما يعني حزب الأمة من كل ذاك. هذا القصور جعل الورقة مجرد ترديد ببغائي لشعارات "الإنقاذ" ومن قبلها "مايو" ونوفمبر بصورة تفتقر الإبداعية في الطرح الذي صب في أدبيات الشمولية ولم يسع لتطويرها ولا حتى مزاوجتها مع أدبيات حزبه, فالورقة لم تستفد من أدبيات حزب الأمة التي كان كاتبها يرددها من قبل. فقد كان مبارك المهدي يطلع على الأطروحات الفكرية الحزبية، كما كان يشارك في بعض ورش العمل الفكرية التي أكثر حزب الأمة من عقدها لرسم سياساته، وكان يدلي بدلوه، بل لقد قدم من قبل ورقة in Sudan Second Birth المقدمة لمؤتمر "حقوق الإنسان في الفترة الانتقالية" في كمبالا في فبراير 1999م، قدمها نيابة عن رئيس الحزب ودافع عن أطروحاتها. تحدثت تلك الورقة بالتفصيل عن تحليل الأزمة السودانية ودور الأنظمة الشمولية والديمقراطية في تركة الحرب.  فخرجت تؤكد أن الأنظمة الديمقراطية مع عيوبها كدحت نحو الحل السلمي وكانت متطورة للأحسن، والأنظمة الديكتاتورية فجرت الصراع أو أججته وكانت متدهورة للأسوأ. في تلك الورقة أيضا ليس فقط تحليل المشكلة، بل  تنظير للحل، عبر الحل السلمي القائم على ضبط علاقة الدين بالدولة، والمواثيق الثقافية والعسكرية، والتنمية المستدامة، والديمقراطية المستدامة، والعلاقات الدولية المتوازنة المحترمة للتنوع الثقافي والديني السوداني، والتعامل الواعي مع العولمة.. إلى آخر ما يسهم في التنظير لفك الحلقة الشريرة. تحدثت الورقة عن دور القوات المسلحة، والصحافة، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، زائدا الأحزاب في الماضي وما يرجى منها في المستقبل.. هل نسي السيد مبارك كل ذلك لمجرد توقيعه على "البرنامج الوطني" فما عاد بجعبته غير تنظيرات "المؤتمر الوطني" أم ماذا حدث؟.

إن تتبع ركاكة الورقة وتهافتها الفكري، وانبتاتها عن خطاب كاتبها نفسه قبل ثلاثة أعوام مثلا ممكن التبحر فيه أكثر. لكننا نكتفي بهذا القدر، لأن تلك الورقة أصلا لم يبذل فيها جهد ولا هي ذات بال تنظيري، ولولا ارتباطها بانسلاخ سوبا لما كان من داع لبحثها في الأصل. والسؤال الذي يؤرقني، نابع من مرارة أن  هذا التهافت يأتي من رأس في حزب هو مصدر الرصانة في الساحة السياسية.. السؤال هو: هل هو قدر محتوم أن يتنازل المنخرط عن مبادئه في مبادئ الآخرين عن عقله وفكره ذاته كما قال بشير؟:

يا الزعماء اللكان زعماء وباعوا الغالي

وأصبحوا لا فكر لا راي وراسهم خالي

إننا نفهم  العقل شيئا كالبصر لا تفقده بتغيير "النظارة" وتغير اللون الصابغ، وأفهم أن إخوتنا الذين خلعوا نظارة "الديمقراطية" ولبسوا "الأوتقراطية" سيظلون مبصرين برؤية الشمولية، ولكن لماذا جاء خطابهم حتى أدنى مما يسوقه الشموليون؟.. أم لعله حتمية صنع الغراب:

كما فعل الغراب فضل مشيا               فما بلغ القديم ولا الجديدا...؟

 إن حادثة سوبا خير كلها وفاروق بين الحق والباطل وراحة من عناء "الحجامة" كما قال محمد  المكي إبراهيم، ولو كان فيها "لكنة" فهي هذا السؤال الثقيل، ولو كان بيننا وبين إخوتنا في سوبا مناشدات لناشدتهم  الله أن يرتقوا قليلا بخطابهم، وأن يكونوا أقل قليلا في سفور أهوائهم وجحوظ عينيهم "وقد وصف الأستاذ محمد عبد السيد هذه الحالة من جحوظ الأعين بدقة مخيفة في عمود داخله بجريدة الأيام".. أن يكونوا بقامة تحترم تاريخا لهم ما كان هذا ديدنه.

أما عرض ورقة السيد مبارك –والذي أبرزنا جانبا منه- فلا يختلف عن الورقة نفسها إلا في زيادة تهافت الطرح. ولكن فيه أشياء تستحق الإشارة لها، منها:

المدارس السياسية: نشير فقط إلى ذلك التصنيف (المدارس في الساحة) الحالمة والتقليدية والواقعية- وأي صاحب لب يعرف أن هذا نهج غرابي فالمدرستان الأوليتان وسما باسمين مختلفين وهما يتحدثان عن صفة واحدة: الصراع وإدمانه. شيء آخر هو حديثه عن "جيل الثلاثينات" وهذه أول مرة –في الفكر السوداني- يتم فيها تصنيف أجيال المفكرين والساسة والقادة حسب ميلادهم.. فجيل الثلاثينيات حسب التصنيف السوداني هو الجيل الذي برز عطاؤه في الثلاثينيات أمثال رواد مدرستي الفجر والموردة، وقادة مؤتمر  الخريجين. والناس يتحدثون عن جيل الستينات مفجر ثورة أكتوبر وقد برزت فيهم دماء جديدة في غالبية الأحزاب السياسية.. والسيد مبارك أراد أن يرمي السيد الصادق بهذه الجملة المعلقة على الهواء، فهلا قال لنا ماذا فعل جيل الأربعينيات "جيله" حسب تصنيفاته المستحدثة؟.. السيد مبارك لا يملك آليات التحليل والفكر والتصنيفات العلمية، وقد قال الشاعر:

لا يدرك الشوق إلا من يكابده              ولا الصبابة إلا من يعانيها

إن شعار (لا تنظير) و(الناس لا تأكل فكرا) يناسب مقدرات السيد مبارك. ومن الأفضل أن يلتزم ذلك الخطاب ومتطلباته من البعد عن الأسلوب العلمي ومحاولة صياغة الأفكار.

الشرعية: لم تذكر الورقة مسألة تجمع سوبا وشرعيته ولا كيفية التصعيد أو الاختيار لبرنامج الإصلاح ، ولكن العرض تطرق لذلك شفويا، فابتدر السيد مبارك تقديمه لورقته مخاطبا الحضور بأنهم لا شك يمثلون قيادات حزب الأمة والمسئولين عنه في كل الولايات والمحافظات، ولم يذكر السيد مبارك كيف تحددت هذه الخاصية القيادية: هل بالاعتراف بالمؤسسات القائمة حاليا بالولايات؟ أم بتصعيد وانتخاب قيادات جديدة؟ فإذا وضعنا في بالنا أن الدعوة كانت سرية وبالاختيار . لعلمنا بمبلغ الشك بل تحوله إلى يقين، أن ذلك الجمع لا يمثل قيادات الحزب بل يمثل فقط "أنصار مبارك" داخل حزب الأمة وهم قلة قليلة بالنسبة لعضوية الحزب. وأكثر ما فضح إدعاء الشرعية التردد تجاه التعامل مع رئاسة الحزب الشرعية، والاضطراب البادي لدى المنصة وكل المتحدثين الذين كانوا يتوجسون خيفة من هجوم من الحزب الأصل "أشار له دكتور قطبي المهدي على أنه سبب الإجراءات الأمنية المكثفة في سوبا".. صدق من قال:

                        ما قالولنا بالموعد قصـــــــد يا جــــاري

            ودسو على الخبر لكنو جــــــانا وجاري

                        الورل القدل خايف يجيــــــه عشــــاري

                        والبي دقنو حين يرقص عليش بيداري؟

 ويقود هذا للتناقض الواقع في حديث السيد مبارك  عن "إخواننا" الذين كانوا يرغبون حضورهم لتسليم الراية، ولكنهم غضبانين وزعلانين ..الخ. فأولئك الإخوان لم يدعهم أحد بل لقد صرح السيد مبارك في جريدة الصحافي الدولي –كما أشرنا- إلى أنه أخفى الدعوة عن الرئيس قصدا، فهي مؤامرة.. قال الأستاذ شبو تعليقا على مهزلة سوبا: "إن المؤسسية والتآمر لا يلتقيان"[9]..

 تعليق أخير، أنه لم يغضب من سوبا أحد.. وما كان من داع لتلك الإجراءات الأمنية التي ذكرها الدكتور قطبي المهدي في برنامج في الواجهة بتاريخ 15 يوليو 2002م. إن حزب الأمة الذي ينبذ العنف لم يكن يزمع التعرض لتلك الجماعة بسوء، ليس فقط لأننا غير غاضبين، بل لأن جماهير الحزب ارتاحت من تلك الجماعة (ففي الناس إبدال وفي الترك راحة). لقد سممت تلك الجماعة الجو الحزبي لأكثر من عام، وهو ما شبه بخروج دم فاسد بدون عناء الحجامة، وما قال عنه دكتور صالح المتحدث من خارج مظلة حزب الأمة  أن الاتجاهات الفكرية للسيد الصادق المهدي : "تجعله وبالفم المليان  يقول لدعاة المشاركة- ودعناكم الله وفي أمان الله أيضا.[10]"

الانشغال بهموم الجماهير وخدمة جماهيرنا

لقد تناول الأستاذ تاج السر شبو في مقال رصين سبق إشارتنا له الشعارات التي رفعتها جماعة سوبا و"أفصح" من دعا لها كان السيد مبارك وورقته المذكورة، قال شبو: "شعارات التيار الحكومي المخترق كلها كانت على النحو التالي: إصلاح وتحديث الحزب- الانتقال من وضع لا معارضة ولا مشاركة- البناء السياسي القديم غير قادر على حل الأزمة السودانية لأنه شمولي رغم رفعه لشعارات ديمقراطية- هدم الكيانات القديمة القائمة على القبلية والكاريزمية- على الكبار أن يتيحوا المجال لأجيال جديدة- الصراع على السلطة والصراع القديم جربناه 46 عاما ولم نصل فيه لشيء فالواجب التعامل مع الأمر بواقعية.. هذا كل ما ملكت أيمانهم من أفكار واجتهادات وطروحات فكرية فلسفية لمحاولتهم الاستيلاء على حزب الأمة القومي..نهارا جهارا"!.. ثم رد على تلك الأطروحات الفجة رديئة  السبك واحدا واحدا، واختتم بتناول شعار الخدمات، قال: "الأستاذ البوني- يقصد الأستاذ عبد اللطيف البوني وعموده "حاطب ليل" بجريدة الرأي العام- أبدى حيرته لغرابة هذا الشعار وسخر منه وداخله مداخلة هزلية في نهاية عموده. وإن التيار الحكومي في حزب الأمة يدخل الحكومة بهدف تقويضها من الداخل.. وما إلى ذلك من الكلامات لا أرغب في مداخلة الشعار البائس اليائس و"فلفلته" ولكنها أول مرة في السودان تعلن جماعة سياسية تدعي "الحداثة والتجديد والإصلاح" إنها تدخل السلطة لحل مشاكل أهليها ومناطقها".. وهي نفس الجماعة الناعتة للكيانات القديمة والقبلية في حزبها مطالبة بهدمها!. .. إننا موعودون بإنتاج فكري سياسي عامر وغزير من "جماعة الأمة الحكومية" تقلب فيها الوضع السياسي رأسا على عقب!. إنها أول مرة في تاريخ العمل السياسي على وجه الأرض تكون فيه حلول مشاكل الجماهير الحياتية اليومية من مسئولية المعارضة.. وهي بالفعل فلتات فكرية لا تدانيها فلتات!."[11]

ورقة: الوضع السياسي الراهن وآفاق المستقبل: نجيب الخير عبد الوهاب:

وهي ورقة تحتوي على تبريرات الانسلاخ للانخراط في النظام، التي يسوقها الانخراطيون في مذكراتهم ومجالسهم وفي أجهزة الحزب. تبتدر الورقة بجملة: "ستة عشر عاما مرت منذ التقينا آخر مرة في هذا المكان في العام 1986م"، والمعلوم أن كاتب الورقة انضم لحزب الأمة في عهد "الإنقاذ" عام 1990م ولا يدرى إلى ماذا رمى بهذا الاستهلال؟!.

تتحدث الورقة عن التحرك الأمريكي الأخير، والمبادرة المشتركة. ثم تقول أن الديمقراطية والسلام متلازمتان موضوعيا وليس على أرض الواقع فالمبادرات الخارجية تركز على السلام دون الديمقراطية، وإن الديمقراطية تصبح بذلك شأنا داخليا لا يتم إلا بالاتفاق مع الحكومة عبر الحوار أو بالضغط الشعبي. تتحدث الورقة أن موقف الحزب الاستراتيجي صحيح وتكتيكاته خاطئة، مما أفقده الفاعلية. وأنه اتخذ خط "المربع الثالث" بوسائل: الحوار الثنائي مع النظام (ولكن جمد الاتفاق الناتج عنه)، والتعبئة الشعبية (ولكن أقعدته إمكانياته القاصرة وتنظيمه الضعيف)، والمبادرة المشتركة والضغط الدولي وهاتين لا يملك سلطة عليهما. مما يتطلب أن يراجع حزب الأمة وسائله لتحقيق أهدافه.

وسيناقش هذا الكتاب مسألة فاعلية الحزب، وقصور إمكانياته وضعف تنظيمه، في فصوله اللاحقة. لكننا نتطرق هنا لمسألة الطريق الثالث الذي دعا له الحزب مقترنا بالأجندة الوطنية.

 الطريق الثالث: دعوة دعا الحزب لها جميع القوى السياسية السودانية. وفي تنظيره أن ذلك الطريق يدفع ضده البعض ويعضده  الآخر: " هذا الطريق الثالث ترفضه عناصر في الواقع السياسي السوداني أهمها عنصران: الأول: عنصر حريص على الإبقاء على الشمولية خوفا مما تأتي به المتغيرات ولذلك يسعى لبناء دفاعات ضد التغيير. الثاني: عنصر يعتقد أن الحرب تحقق له مكاسب ولا يأمن العمليات السياسية، ويحرص على مواصلة التصعيد العسكري. هذان العنصران مع أنهما متناقضان فإنهما يبرران بعضهما بعضا بحيث يمكن القول أن بينهما تحالف موضوعي وإن كانا متناقضين. لكنهما يواجهان تحالفا عريضا مضادا لهما قوامه:

أولا: الرأي العام السوداني الشمالي والجنوبي الذي سئم الحرب وويلاتها وتبين وجود فرصة لحل سياسي شامل، لذلك سوف يزداد صوته في دعم الحل السياسي الشامل. هذا الرأي العام السوداني يرجى أن تقوم الصحافة السودانية بالتعبير الصادق عنه لا سيما والصحافة السودانية كانت رائدة في التمدد في هامش الحرية المتاح.

ثانيا: لقد كان الرأي العام الكنسي قوي المواجهة للنظام السوداني وهو المسئول عن تعبئة الموقف السياسي الغربي ضد النظام. ولكن بدا لهم بوضوح أن استمرار الحرب سوف يؤدي لإفناء سكان الجنوب بالجوع والمرض والنزوح واللجوء وغيرها، لذلك قاد وسيقود اتجاها قويا من أجل السلام ووضع حد للحرب. كما اتضح لهم وجود استعداد أكبر لحل سياسي للنزاع.

ثالثا: دول الجوار تبينت أن لها مصالح قومية في إبرام اتفاقيات ثنائية مع النظام تقوم على حسن الجوار.

رابعا: الاتحاد الأوربي اتجه لاعتبار الحل السياسي الشامل في السودان أفضل الخيارات المتاحة.

خامسا: لا أحد يدري ما سوف يكون الموقف الأمريكي لكن لا شك في المؤشرات الآتية: الحزب الجمهوري الأمريكي أقل تأثرا بلوبيات الأقليات التي لعبت دورا هاما في تشكيل سياسة الحزب الديمقراطي الخارجية في عهد الرئيس السابق كلينتون- اعتبار السياسة الأمريكية نحو السودان في عهد كلينتون فاشلة تماما وضارة بالمصالح الأمريكية- عدم الرغبة في مواصلة تناقض السياسة الأمريكية مع سياسة الاتحاد الأوربي نحو السودان- هذا التحالف العريض يرجى أن يشكل سندا قويا للطريق الثالث الذي يرجى أن تتجه نحوه العناصر الأكثر جدية والأكثر إحاطة والأكثر وعيا في السودان أيا كان موقعها"[12].

لقد كانت هذه الرؤية صائبة، ولئن خطت قبل أكثر من عام، إلا أن الواقع صدقها وما اتفاق ماشاكوس الأخير إلا مصداقا لذلك. كما كذبت التطورات ورقة نجيب الخير التي قدمت قبل أقل من أسبوعين.. لقد ظهر في الاتفاق الاهتمام بالديمقراطية والذي جاء لاهتمام الأطراف العالمية التي رعت الاتفاق بها، وستتكون حكومة انتقالية يوضع لها برنامج تعميري تعضيدي للوحدة ويججري استفتاء لتقرير المصير، وتعقب كل ذلك انتخابات  ديمقراطية حرة ومراقبة.

لقد خطط الحزب للدفع لصالح الطريق الثالث عبر الحوار مع النظام ليتخلى عن الأجندة الشمولية- ومع قوى المعارضة الأخرى لتتخلى عن الأجندة الحربية- ولتعبئة الرأي العام وتوجيه الصحافة  لصالح الأجندة الوطنية- وللاتصالات الدبلوماسية بدول الإقليم والاتحاد الأوروبي وأمريكا لتكون تدخلاتها لصالح الأجندة الوطنية وبمفردات الرؤية السودانية لا التصورات الخارجية. وقد ساهمت جهوده في دفع الاتجاه الوطني والعالمي نحو مفردات الأجندة الوطنية. ولكن الحديث كأن الحوار الثنائي مع النظام هو للوصول لاتفاق ينفذ تحت أي ظرف فمعناها فتح الباب للحزب أن يكون من ضمن جنود الأجندة الشمولية، إن الديمقراطية لا تتحقق لأن بعض القوى المعروفة بالمناداة بالديمقراطية انضمت للحكم، "إنك لا تعرف الحق بالرجال، أعرف الحق تعرف أهله"، الديمقراطية تتحقق إذا كان من شروط الانضمام إجراء تحول ديمقراطي بضمانات مشهودة، حتى لا نخرج برياك مشار جديد، والقائمة طويلة في هذا الصدد! وكما قال شاعرنا من الشمالية:

يا بطل الفلـــــــــم ما تقول ممثل بارع

زي لمح البرق قايــــم وجاري مسارع

أحزر من ضباع وسباع وبعشوم فارع

ياما بكرة تندم وتنجــــــدع في الشارع

ورقة قضايا التنمية والبيئة: محمد أرباب:

وهي تنظر لضرورة الاهتمام بالبيئة بصورة معزولة تماما عن أي دور يمكن أن يلعبه الحزب في هذا المضمار. وقد وجد في البيان الختامي علاقة بها إذ تم التخطيط تنظيميا لتكوين هيئتين متخصصتين إحداهما "المجلس الأعلى للبيئة". أما الورقة فلم يكن لها بعد عملي حزبي. وهي ورقة تصلح للنشر في الصحف على سبيل التوعية لا أن تقدم "لمؤتمر" يخرج بسياسات حزبية إصلاحية تنظيميا وسياسيا.

ورقة: البترول في السودان: أحمد خليل مسلم:

وهي ورقة "بايتة" تم عرضها العام الماضي من قبل مجلس القطاع السياسي في ندوة مفتوحة لعضوية الحزب وللصحافة. تنور بقصة استخراج البترول وخطط الإنتاج والاستراتيجيات المتبعة، والآثار السالبة والموجبة لاستخراج البترول. لا تتطرق الورقة لسياسة الحزب واستراتيجيته في التعامل مع الواقع السياسي/ الاقتصادي/ الاجتماعي المتغير بسبب استخراج البترول. أيضا هي سياحة في الأرقام والأفكار بصورة تحلق بعيدا عن "مؤتمر" حزبي تنظيمي سياسي.

ورقة التنظيم تحت راية الإصلاح والتجديد: الزهاوي إبراهيم مالك:

تعيد هذه الورقة غالب "الأفكار" التي قدمها كاتبها باسم اللجنة المنظمة للمؤتمر والتي تطرقنا لها آنفا، بعضها منقول نقلا ومكرر في الورقتين –لا يدرى أمن قلة في الأفكار الممكن تداولها، أم من إعجاب قاتل بتلك العبارات التي "نجرت" بصعوبة!. تؤكد الورقة أن المقصود بالتجديد ليس "كسر الساحة تماما من كل ما عليها من متقدم الآثار" لأن ذلك من عمل التاريخ وليس من عمل الأجيال. ولذا "فقد أبقينا في هيكلنا التنظيمي المقترح على رئاسة الحزب كما هي ممثلة في السيد الصادق المهدي".

ثم ساقت الورقة حديثا هو من قبيل "مفهوم التجديد" –والذي خلت ورقة مبارك المهدي المعنونة بذات العنوان منه- وقد تحدثت عن مفهوم التجديد أكثر من حديثها عن: "التنظيم تحت راية الإصلاح والتجديد"، مثلا: مواجهة العقلية التقليدية والذهنية المركزية والإدارة الأبوية التي تسير حزبنا، وتنمية تفكير إبداعي، والبعد عن البيروقراطية، وخلق إدارة تتخطى الحساسيات وتعمل بمرونة فائقة، واختيار قيادة مستوعبة لضرورات التغيير، والانتقال من إدارة الشخص الواحد إلى الذهنية الجماعية، والأخذ بالمشورة.. الخ.

أفرزت الورقة مكانا معتبرا للحديث عن النهج القومي: متطلباته: التسامح- الشفافية- والعقلانية. ومقاصده: توحيد الرؤى حول القضايا القومية- التعاون والتنسيق- الاتفاق على الحد الأدنى- التشاور المستمر- الاتفاق على آلية لحسم الخلاف. وأخيرا كررت للمؤتمرين أن العامل بإخلاص: نبي أو شهيد أو بطل، فكونوا ما تشاؤن!

ولا نحتاج لتكرار ما قيل عن هذا النهج (الخطابي)، وعن مناقضته لخط الجماعة المعنية الأبعد عن القومية. وداخل حزب الأمة كان هؤلاء يتعاملون بعقلية "الشللية" تشهد بذلك بعض خطاباتهم، وأوراقهم التي تسربت للصحف ترمي الآخرين في القوى السياسية بكل قبيح ولا ترى من داع للتواصل معهم. وتشهد مذكرتهم التي كانت تتحدث باللغة الإقصائية داخل حزب الأمة نفسه. فلو كانوا يدركون أهمية النهج القومي ثم يتصرفون كديدنهم المشهود، ويعلمون بضرورة وجود آلية لحسم الخلاف مع الآخرين، ثم يلجأون للمشرط والانقلاب على الشرعية كما كان تجمع سوبا، فإننا نكرر دعوة المصطفى الخالدة: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ "!.

ورقة الخدمات في سودان المستقبل: د. الفاتح محمد سعيد

وهذه الورقة التي لم تكن بالجاكيت نالت النصيب الأكبر من النقاش لأن هناك أوراق (خاصة ورقة السيد مبارك المهدي) لم يكن متاحا نقاشها بل قيل ستناقشها لجان خاصة، فلم يسمح للمؤتمرين الخوض فيها!

ورقة الهيكل التنظيمي المقترح: د. أحمد بابكر نهار

قبل تقديم ورقة الهيكل التنظيمي في آخر جلسة بسوبا، تقدم الدكتور نهار إلى المنصة وبسمل وحمدل وصلى على النبي وقال بالحرف: "الأخوة المؤتمرون، في هذا المنعطف التاريخي بالنسبة لحزب الأمة وبالنسبة للسودان أهنئكم على هذه القرارات الشجاعة، فقد تم حل كل أجهزة حزب الأمة، وباتخاذكم هذه القرارات لا توجد شرعية الآن في حزب الأمة إلا شرعيتكم أنتم.. الآن في حزب الأمة لا في مكتب سياسي لا رئيس لا ولا ولا.. الآن هذه الوجوه الموجودة هي المسئولة من حزب الأمة. وكي لا يحدث فراغ داخل حزب الأمة لا بد من الإسراع – عشان ما يحصل انقلاب تاني- لا بد من الإسراع في تكوين أجهزة حزب الأمة. أصبح حزب الأمة الآن محلولا، فلا بد من الإسراع في تكوين أجهزة. وقبل أيام تحدث أخ من المجموعة التانية وقال (ضل مبارك المسار) ونحنا بالشفناه اليوم بنقول (أجاد مبارك المسار)!".. وتلعثم الدكتور نهار بعد ذلك فقد حدث هرج ومرج في القاعة وكثرت عليه المداخلات  وصار يقول "والله في رأي على إنو يستثنى رئيس حزب الأمة، يا جماعة انتو رأيكم شنو؟.." وطال تلعثمه!.. وبعد أن حسمت هذه المداولات بالطريقة التي خرج بها البيان الختامي -المذكور لاحقا- قدم السيد نهار ما سماه ورقة النظام الأساسي.

وهي ورقة خلو من أي جديد كمقترح أولي لدستور الحزب. وقد ختمت تقديمها القصير بالإشارة إلى تقرير لجنة الأمير نقد الله وما أوردته عن تنظيم حزب الأمة (المحلول)!!.

والتعليق الوحيد الذي أود سوقه هو ما انفلت من لسان نهار وقد صرفت عشرات الملايين لإخفائه (الانقلاب).. صدق زهير:

ومهما يكن عند امرئ من خليقة          وإن خالها تخفى على الناس تعلم!!

البيان الختامي

يذكر البيان الختامي –المتحدث باسم حزب الأمة- أن قادة الحزب وكوادره القيادية والوسيطة في العاصمة والولايات والخارج عقدوا "مؤتمرا" استثنائيا للحزب استنادا على شرعية التصدي التي اكتسبوها خلال الثلاثة عشر عاما الماضية بعد أن انتهت في العام 1988م شرعية أجهزة الحزب المنتخبة، وانتهت في يناير 2001م شرعية الحزب المعينة في القاهرة.

أقر "المؤتمر" أن فشل الحركة السياسية في القيام بواجباتها يعتبر عاملا أساسيا في تدويل القضية السودانية. ولاحظ أن حزب الأمة قد قام على بنية تنظيمية فاعلة تسندها قاعدة اقتصادية صلبة.. كما لاحظ بأن ذلك الدور المشهود للحزب قد بدأ في التراجع لانجراف أجهزة الحزب وراء الصراع السياسي المرتبط بقضايا الحكم وإهمالها للمصالح الاقتصادية والقضايا المعيشية للجماهير وعملية البناء الذاتي على مستوى الفرد والتنظيم، كما يعود التراجع إلى غياب التجديد والإصلاح والتحديث وعدم القدرة على قراءة الواقع السياسي والتقدير السليم لقدرات الحركة السياسية على البناء الديمقراطي ومواجهة التحديات.

وأشار البيان أيضا لما سماه "الأجهزة غير الفاعلة التي خرج بها اجتماع القاهرة في أغسطس 2000 الذي ضم أربعة عشر شخصا فقط في الحزب". ولاحظ أنها "همشت القوى الفاعلة الرئيسية في الحزب والمتمثلة في: الشباب والمرأة والدماء الجديدة". وأنها باعدت "بين قيادة الحزب وجماهيره وجعلت الحزب جزيرة معزولة في العاصمة". قال البيان: "أعرب المؤتمر عن اسفه أن كل المساعي والمحاولات الإصلاحية التي بذلت سواء عبر المذكرات أو الحديث داخل المؤسسات والاجتماعات المغلقة لم تجد أذنا صاغية بل كان يتم الرد عليها في كثير من الأحيان بتضخيم الذات والحديث عن الإنجازات الوهمية"، كما استنكر "المؤتمر" استخدام هذه الأجهزة المريضة مؤخرا لعزل وإقصاء ومعاقبة كل من له رأي مخالف خاصة في قضايا التجديد والإصلاح التنظيمي والسياسي للحزب.

القرارات:

القرارات التنظيمية:

·         حل كل الأجهزة، ما يسمى بالمكتب الرئاسي- المكتب القيادي- والمكتب التنفيذي.

·         تشكيل هيكل تنظيمي جديد: المؤتمر العام- الهيئة الفيدرالية العليا- أمانة الهيئة الفيدرالية العليا- المجلس القيادي الفيدرالي- الجهاز التنفيذي (أمين عام ونائب ومساعدين)- الهيئة البرلمانية- مجلس الرأي وتجويد القرار- المجلس التخصصي- منظمة شباب الأمة للسلام والتنمية- هيئات متخصصة (مجلس للبيئة وهيئة لتنمية المرأة).

·         تفويض المجلس القيادي الفيدرالي بوضع المعالجة المناسبة واللائقة بالقيادة التاريخية.

القرارات السياسية:

·         عقد اتفاق مع المؤتمر الوطني وقيادة القوات المسلحة وسائر القوى الوطنية في الشمال والجنوب لبناء الديمقراطية وتحقيق السلام والاستقرار والتنمية.

·         إجازة البرنامج الوطني المتفاوض عليه مع المؤتمر الوطني.

·         إقرار اتفاق الشراكة في الحكم وفق البرنامج الوطني.

·         تكليف الأجهزة المختصة باتخاذ كافة التدابير اللازمة لتنفيذ قرارات وتوصيات المؤتمر.

أهم المفاهيم التي وردت في البيان الختامي هي:

1-      أن شرعية المؤتمر تستند على شرعية التصدي للعمل في أعوام الإنقاذ الأولى: والسؤال الذي يتبادر إلى ذهن أي مطلع على هذا الادعاء السافر بطلانه هو: من هو الذي يحدد شرعية التصدي؟ هل هو مبارك الفاضل المهدي؟ أم هو حزب الأمة بكل قياداته؟ وأين نصيب عشرات الرجال والنساء –بل مئات من الذين سئمت من مرأى وجوههم حيطان الزنازن، والذين عملوا سرا وعلانية من عضوية الحزب في الداخل من شرعية التصدي؟ أين كل هؤلاء؟ وهل كان مرتادي المؤتمر أوائلهم؟ اللهم لا وإن كان لبعضهم في الدرجات نصيب، ولكن المؤتمر في غالبه تجمع للوجوه التي نفضت عنها غبار السنين وبدت مع الانفراج السياسي الأخير. ثم أين عشرات القيادات في الخارج الذين عملوا كخلية نحل متكاملين مع التصدي الداخلي للبطش.. أين هم؟ إننا حين نتساءل عن أسمائهم نجدهم من بين من وقعوا يدينون تجمع سوبا. بل إن السيد مبارك حينما سئل في صحيفة "الخليج" عن تفسيره لأن كل الطاقم التنفيذي الذي كان يقوم بالعمل معه بالخارج وقع ضد تجمع سوبا علق قائلا بأن هؤلاء لا يعرفون مصلحتهم.. صحيح هذه أعظم تزكية لأولئك الأشاوس من الرجال والنساء الذين أثبتوا بلا أدنى شك أنهم ليسوا صيادي سلطة ولا منصب ولا تحركهم الوعود بالوزارات.. وهكذا هم كل أهل شرعية التصدي في الداخل والخارج: إنهم من دفعوا المهج والأرواح مسترخصة لأجل الديمقراطية للوطن والمنعة للحزب، فلا يرجون لتلك الأماني إجهاضا عبر سوبا. ولذلك فإن غالبيتهم الساحقة يقفون في الصف الأكثر إدانة لتجمع سوبا.

2-      تكرار ما ورد في ورقة مبارك عن فشل الحركة السياسية ومآلاته. وقد تم الرد على ذلك آنفا.

الحزب في بدايته كان سليم التنظيم وله قدرة اقتصادية سند بها جماهيره، ثم تدنى ذلك الوضع لانجرافه وراء الصراع السياسي المتعلق بالحكم: وتختلط هذه النقطة بمسألة الحركة السياسية بالبلاد. ليس حزب الأمة وحسب، كل الأحزاب السودانية التي نشأت في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين  نشأت في جو عالي الانضباط التنظيمي، فمعظم تلك الأحزاب ولد في رحم "مؤتمر الخريجين: وذلك كان مؤتمرا مؤسسا بصورة ديمقراطية على رأسه قادة الخدمة المدنية المنضبطين "كالساعة" في ذلك الوقت، وكذلك كانت الخدمة المدنية حيث خرج الإنجليز مخلفين السودان "بروسيا أفريقيا". ثم كانت حكومة نوفمبر وحل الأحزاب السياسية وبدء التدهور في الخدمة المدنية وكافة أوجه الدولة الحديثة، ولكن الانهيار الأعظم كان في فترة مايو الممتدة لليل طويل. تلك النظم "آخرها نظام الإنقاذ الآن" تستهدف الأحزاب السياسية بشكل رئيسي: تحلها، تجردها من ممتلكاتها- وتسلط عليها دعاية إشانة سمعة لتغتال رموزها تجريدا لها من رصيدها المادي والمعنوي، كما أن الأداء في الخدمة المدنية والشارع السياسي يتدهور بسبب شيوع المحسوبية وسيادة منطق الترهيب والترغيب وإبعاد المخالفين في الرأي: هذا التدني عام في البلاد، واستهداف الأحزاب من قبل النظم الشمولية لم يقتلعها –هذا صحيح- لكننا لا يمكن أن نتوقع ألا يكون بلا أثر وأن تكون نتيجته الحفاظ على البناءات كما هي: الخدمة المدنية الآن في أسوأ أحوالها من تسيب ومحسوبية ورشوة وفساد مالي وأخلاقي. والبنية المجتمعية تؤذن بانهيار المجتمع وقيمه، فهل تستطيع الأحزاب- وهي الجزء الأكثر استهدافا في المجتمع- هل تستطيع الحفاظ على نفسها لا يمسها سوء؟. إن للدكتور عبد الوهاب الأفندي كتابات مفيدة في هذا الصدد إذ قال عن الانقلاب الباكستاني وأسبابه: "الإشكال الحقيقي يكمن في الحلقة المفرغة التي يخلقها غياب الديمقراطية" إلى أن يقول: "ولكن التداوي من هذا المرض لا يكون بمزيد من الأسباب التي جاءت به أساسا، فالترحيب بالانقلاب والذي جاء من عناصر المعارضة الباكستانية هو في حقيقته عرض للمرض الذي تحدثنا عنه، إذ أنه تعبير عن الانقسامات التي سادت النخبة الباكستانية من جهة، وعن الإفلاس الأخلاقي الذي دفع بعض الفئات للتشفي بمصائب خصمها من جهة أخرى. ولا شك أن استمرار الحكم العسكري سيعمق هذه الانقسامات، ويؤدي إلى إغلاق قنوات الحوار الصحي والتواصل الاجتماعي مما يصيب البلاد بالجمود والتصدع نتيجة لانسداد شرايينها وقنواتها التنفسية"[13]. الدكتاتورية إذن تساهم في انحطاط الممارسة السياسية عامة حتى عند الأحزاب الديمقراطية التي تتصدى لها ، ويمكننا أن نشير إلى أن الديكتاتورية وسيادة منطقها قد جذب جماعة سوبا فساهم في انحطاط مستوى الفكر السياسي لدى تلك الجماعة، فتمثلت منذ مبدأ أمرها أسلوب المؤتمر الوطني وحاولت تقليده. إن المشاكل داخل حزب الأمة ناجمة عن تخلف في المجتمع وفي الأداء السياسي والحزبي بسبب الدكتاتوريات وطول فترات القهر وذهنيته. وتجاوز ذلك يكون بالديمقراطية ومزيد من الصبر، لا بالضيق ذرعا بالرأي الآخر والانقلاب على الشرعية. التداوي لا يكون بالداء!.. ولو كان للأحزاب أن تحتفظ لنفسها بغرفة مكيفة لا تتأثر بهجير الدكتاتورية وقيظها القاتل المقيد للتطور الفكري والتنظيمي، بل والذي يجعل الأجيال في حالة "كل عام ترذلون"، لو كان ذلك ممكنا لما أتى على قمة حزب ديمقراطي كحزب الأمة قيادي تفتنه الأوتقراطية وتسرب إليه سمها، فيتجاوز كل أطروحاته، ويكتب ورقة على غرار ورقة "مفهوم الإصلاح والتجديد في حزب الأمة" يخلط فيها بين التدافع والتطوير، وبين النظام الديمقراطي والجسم الحزبي، ثم يقول أنه يخلق ثورة باتباع النهج العلمي..قال محمد المكي إبراهيم: "   أحياناً يبدو على السودانيين أنهم يطلبون المستحيلات وليس المستحيل وحده من أحزابهم السياسية فمنذ أواخر عام 1958م والى اليوم ظلت الأحزاب السياسية مصنفة في خانة الممنوعات مع الحشيش والأفيون بل أن الحرب على الحزبية كانت أضرى وأشد من الحرب على المخدرات . فقد صودرت أملاكهم وحظر نشاطها وتشرد قادتها في المنافي وبلدان اللجوء ورغم ذلك لا يفتأ السودانيون وخاصة المتعلمين من أولاد المدارس يطالبونها بالديمقراطية والشفافية وكلما التقطوا في الدنيا من مفردات . ومن عجب أن الانقسام الحالي في حزب المهدى رفع نفس القمصان العثمانية متحدثاً عن غياب الديمقراطية والميل إلى التنظير كأن المهدى هو الحاكم الفعلي للبلاد أو كأنهم أرادوا الوثوب على السلطة وانتزاعها من خلفاء الترابي فمنعهم المهدي من ذلك استبدادا منه بالرأي وانفرادا بالقرار.[14]" إن نهج جماعة سوبا دليل على سوء التربية التنظيمية داخل الأحزاب والتي تنتظم أحزابنا كبيرها وصغيرها، شعبيها وصفويها، ولا يجدي ألا نعترف بها. إنها معلومة بالضرورة. ولكن أن يعزى ذلك للقيادة التي تصدت لهذه الألاعيب الأوتقراطية في نوفمبر ومايو والإنقاذ، وحاولت تبييض وجه النظام الديمقراطي، والتنظير لتجاوز البندول الحزين، باعتبار ذلك انجراف وراء السلطة أمر غريب من جماعة ظلت تلهث وراء تلك القيادة لربع قرن، هل صعب عليها اللحاق فقررت الخوض مع الخائضين في الوحل؟. أم أنها إنما كانت تردد أفكار قيادتها بدون فهم ولا تدبر.. صدق شاعر الحزب "حاج  العمدة" والذي حركته أحداث سوبا فقال مخاطبا رئيس الحزب الذي دلل جماعة سوبا على عدم إدراكهم للأفكار النيرة التي يبشر بها:

الســــــودان بـــــلاك منـــــــو البقابـــــل خصمو

منــــو القـــــال لالا وكتيـــــــــن لالا ناسا انعدموا

هاك دي نصيحــــة لــــي البتسابقــــــو الينضمو

ما بضارعو البتصفالو الدول تقبل كلامو تهضمو

كـــــم درج عطــــــالة ودرسهـــــم من فهـــــمو

ولقن للوطن دة تـــــــراث- بجــــــــم ما فهموا!

التمويل كثغرة

أما مسألة البناء الاقتصادي، فصحيح أن الإمام عبد الرحمن المهدي الذي كان له قدر معلى في بلورة رؤية الحزب ومساندة قياداته المؤسسة في قضيتهم الوطنية رأى –برؤية فردية- أن يكون مؤسسة اقتصادية قادرة تمول العمل السياسي الذي كان يقوده قبل تكوين الحزب، ثم استمر بالتنسيق مع حزب الأمة لمواجهة الدعاية المصرية المسنودة بحكومتها في السودان، ثم لمناهضة الاتجاه البريطاني لجعل السودان تحت جناحهم ومعارضة مطلب الحكم الذاتي لاحقا، إلا أن ذلك البناء لم يكن حزبيا مؤسسيا بالمعنى المفهوم. وقد تكررت النداءات من القيادة الحزبية الحالية للفكاك من عقلية (الدائرة) والتكية والنهوض نحو الحزب المؤسس في ماليته القائمة على الاشتراكات والمشاريع الاستثمارية، لا على الفيض الفردي. هذه النداءات واجهتها أيضا عقبة الأوتقراطية التي قطعت الطريق أمام أية محاولة للحزب للاستثمار الحقيقي والتمكين اقتصاديا. نعم استطاعت بعض القوى أن تبني ماليتها إبان الدكتاتوريات –وتستطيع جماعة سوبا أن تفعل ذلك الآن- هذا ممكن، ولكن مهره غال تاريخيا ومبدئيا: "الانخراط في النظام الأوتقراطي والدفع لصالح الديكتاتورية وضد الديمقراطية".. مهور يسترخصها البعض لأجل التمكين الاقتصادي وهم وربهم وهم وشعبهم.. والصحائف لا تسقط عنها السقطات.

3-      غياب التجديد والإصلاح والتحديث: وهذه سيتم الرد عليها في فصل "حجج سوبا والرد عليها".

4-      عدم القدرة على قراءة الواقع السياسي. وهذه تناقض ما ساقه الانسلاخيون وكرروا قوله: في مذكرتهم الأربعينية، وفي مذكرة قائدهم في مارس 2002م والتي تطرقنا لها في الفصل الأول. ثم في ورقة "الواقع السياسي الراهن" التي قدمها نجيب الخير وتطرقنا لها أعلاه. أكدت هذه الأدبيات أن قراءة الحزب الاستراتيجية سليمة، وله قدرة على قراءة المستجدات، وقد رأى الانسلاخيون أن المشكلة في التكتيكات التي يتخذها فقط، ثم ها هم يجردونه من أية ميزة. ذلك أن "الباطل لجلج" لذا تراهم يقولون شيئا وينقضونه، وهذه هي سنتهم يبدلون قولهم ولا يبدلونها.

5-      عدم استيعاب القوى الرئيسية الفاعلة: الشباب والمرأة والدماء الجديدة:  أما الشباب فقد تم تصعيده في الأجهزة القيادية بصورة غير موجودة في أي حزب سوداني آخر (نسبة 30% في المكتب القيادي والأغلبية في المكتب السياسي). والمرأة ممثلة في كل الأجهزة القيادية كما أصدر قطاع تنمية المرأة رؤيته الفكرية وعقد ورشته التي اعتمد الحزب توصياتها للمؤتمر العام. إن جماعة سوبا ما فتئت تردد أن هناك قيادات ديناصورية على قمة الهرم الحزبي والشباب يقفون عشرات السنين في الصفوف الخلفية. وهذا يدل على ضحالة خيال هؤلاء. فاستيعاب الشباب لا يكون بالضرورة في المقاعد القيادية بل بخلق مناشط تستوعب طاقاتهم وأفكارهم وإبداعهم، وهذا ما خطط له الحزب بجعل نشاطه أشبه بتنمية مجتمعية (في مقابل الانحصار في المناشط السياسية). وإذا كنا نرى أن تصعيد الشباب يكون لتلك المقاعد القيادية فحسب إذن لدخلنا في دوامة لا تنتهي حتى نرضي طموح كل المستحقين.. المناصب القيادية لا تصل الثلاثين، والشباب ألوف متزايدة كل عام. الرد على هذه الفرية سيكون بمراقبة الانسلاخيين والهرم الذي سيصنعوه لإرضاء طموحات الشباب وتطلعاتهم القيادية!.

6-      الإساءة للتنظيم المرحلي. وسنبين ماهية التنظيم المرحلي ومشروعيته في فصل: "مسألة التنظيم".

7-      القرارات التنظيمية: ويتضح فيها ثنائيتهم تجاه رئيس الحزب، فمرة هو الحكم الفرد والمتسلط أبويا، وكل أسباب التقاعس، ومرة هو صاحب الدور التاريخي الذي يرون الإبقاء على رئاسته (ورقة الزهاوي) ثم أخيرا يحل منصبه ولكن يتم البحث حول صيغة تحفظ مكانته!. وهذه القرارات أيضا مكلفتة الصياغة، فقد أسقطت المكتب السياسي (الجهاز التشريعي للحزب) من قائمة الحل وطبقا لذلك فالمكتب السياسي لا زال شرعيا عند هؤلاء. ومكلفتة لأنه حينما أعلنها في الجلسة الأخيرة في سوبا الدكتور أحمد بابكر نهار وقال أننا حللنا وحللنا... ثم تلعثم وتساءل كما ذكرنا آنفا: يا جماعة إحنا رئيس الحزب حليناه ولا ما حليناه؟.. وظل مترددا حتى أتاه الخبر اليقين!. والقرارات لم تشر للتنظيمات الولائية وتنظيمات المحليات التي تنتظم القطر ولا لموقعها في تنظيمهم الجديد. لكن تلك التنظيمات هي التي بادرت بعدم الاعتراف بسوبا كما سنورد لاحقا. ولم يذكر بيان سوبا مؤتمر محلية "الحوش" القاعدي في يونيو 2002م ولا مؤتمر المناقل القاعدي في يوليو2002م، ولا كيفية التعامل معهما.

والعجيب في أمر هذه القرارات التنظيمية أنها جبت كل ما قبلها- سواء أكان ذلك في مؤتمر الحزب 1986م، وتنظيم المواجهة حتى 1996م، والتنظيم الاستثنائي حتى 2000، والتنظيم المرحلي منذ 2000 وحتى الآن، والشيء الوحيد الذي استصحبته من (الماضي) هو "الهيئة البرلمانية". والمعلوم أنه وطبقا لدستور الحزب لعام 1986م أن المؤتمر العام للحزب يتكون من: أعضاء اللجنة المركزية، المكتب السياسي، المجلس الاستشاري، الهيئة البرلمانية، والوزراء، وممثلو لجان وأمانات الأقاليم والمديريات والمناطق والمدن والأرياف والأمانة العامة[15]. الغريب في هذا القرار أن "الهيئة البرلمانية- والوزراء" هم فئات تدخل في تكوين الحزب إبان الديمقراطيات حيث يوجد برلمان ويكون للحزب وزراء في الحكومات، ولكنها ليست فئات "حزبية" في المقام الأول، بمعنى أنها مصعدة من القواعد. إن عدم الاعتراف بأية شرعية لانتخابات 1986م الديمقراطية –عبر المشاركة في الإنقاذ بدستورها الحالي- وعدم الاعتراف بأية شرعية للمؤتمر العام للحزب وانتخاباته عام 1986م –وهي شرعية انتخابية حقيقية مهما قيل عن تأخر الزمان- ثم الاعتراف فقط بالهيئة البرلمانية لا يمكن النظر له بمعزل عن حقيقة أن تلك الهيئة هي المكان الوحيد الذي نال السيد مبارك المهدي عضويته عبر الانتخاب بدائرة تندلتي. ذلك أن عضوية مجلس الوزراء، وبالتالي المكتب السياسي، دخلهما مبارك بتزكية واختيار رئيس الحزب. وهذا هو السبب الأساسي في الغضب من "الأمانة العامة" فيما يبدو، أن الانتخابات لفظته منها!.

8-      القرارات السياسية. جاءت كما هو متوقع، هذه القرارات هي مربط الفرس الذي من أجله تنادى ذلك الكرنفال.. السلطة.. السلطة. والعجيبة أن جماعة سوبا لم تكن تخفي استخفافها بذهنية الحزب في عدم المشاركة إلا في حكومة قومية، أو انتخابات. وقد سمع قائدهم يستنكر مستهزئا ويقول: نفر يقال لهم اقسموا على اثنين، يقولون: نقسم على عشرة؟!..  وملخص حديثنا عن أدبيات المؤتمر.. رغم أن من شعارات المؤتمر الاستناد  على النهج العلمي إلا أن الأوراق لا ترقى إلى مستوى الأوراق التي درج حزب الأمة على تقديمها بأي حال. لقد كانت ركيكة في صياغتها وفي طباعتها وفي فكرها وفي لغتها بشكل عام. وما ينطبق عليها هو كلمة "مكلفتة" بشكل عجيب.

شعارات المؤتمر:

عقد المؤتمر تحت شعار:  "حزب الأمة من أجل الإصلاح والتجديد والتحديث في حزب الأمة"، كان ذلك هو الشعار خلف المنصة في قاعة سوبا، أما الشعار خلف المنصة في قاعة الصداقة فكان "من أجل النماء والوحدة والبناء".. وهذه أول مرة نرى فيها محفلا يغير شعاره هكذا من مكان إلى مكان، ولعله اتباع أعمى لمقولة "لكل وقت ومقام حال"!.. تعليق إضافي أن الشعار الأخير يشبه كثيرا شعار مؤتمر الحزب الرابع بأسمرا الذي كان "معا من أجل التحرير والوحدة والبناء"[16] مع تغيير التحرير إلى النماء وأحسب أن ذلك باعتبار أن التحرير قد تم إنجازه أو باخ طعمه!.

 الشعارات المكتوبة على جدران قاعة المؤتمر منها: لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال-  الرأي قبل شجاعة الشجعان.. هو الأول وهي المحك الثاني[17]- الهجرة إلى المستقبل بالإصلاح والتجديد من أجل الديمقراطية والتنمية السلام-. أما الهتافات داخل المؤتمر فقد كان منها: شارك ..شارك يا مبارك-  للتجديد مبارك- للإصلاح مبارك- للحرية مبارك- ديمقراطية مبارك- مية المية مبارك- نحن أنصارك يا مبارك- قيادة جديدة يجب تأييدها- مناضل مناضل يا ابن الفاضل- قائد قائد يا مبارك- ولا قداسة مع السياسة – سير سير يا مسار- حزب الصادق غير صادق- التطوير ولا التنظير- لا تبعية ولا تقليد حزب الأمة للتجديد-  التكبير والحمد..الخ

الشعر في "مؤتمر" سوبا 2002م:

خلفية عن دور الشعر عند حزب  الأمة والأنصار

التراث المهدوي ركز على الشعر والمديح كوسيلة للتعبئة الشعبية. يقول المرحوم قرشي محمد حسن: "ومما يؤكد إيمان المهدي بالشعر ورسالة الشاعر في الحياة والدور الذي يلعبه في قيادة المجتمع الثوري تلك المنشورات التي كتبها إلى شعرائه محمد ود التويم (وهو أمير بالمهدية) وأحمد ود تميم وأحمد ود سعد والأخير كتب عريضة يلتمس فيها إذنا مكتوبا بمدحه فكتب إليه الإمام هذا المنشور.."، ويورد حسن صورة من المنشور الذي جاء فيه: "إن المدح فيه إرعاب الكافرين وموعظة وتذكرة للمجاهدين ولهو فيهم –أي الكفار- أسرع من  النبل وهو كان ينشد بين يدي رسول الله e فأقره وزجر من تعرض لناشده"[18]. وقد كان من شعراء المهدية في طورها الأول المشهورين علاوة على الثلاثة المذكورين أعلاه أيضا أحمد أبو شريعة، أحمد  القلع، أحمد ود سليمان الزين أبو كساوي، المنبور محمد، ومحمد ود سوركتي[19]. أما المهدية في طورها الثاني على يد  الإمام  عبد  الرحمن المهدي وخليفتيه، فقد نبغ فيها شعراء مثل ود محمد ود  التويم، ومحمد أحمد حاج العاقب، وعكير الدامر (في فن المسدار)، محجوب سليمان وإبراهيم السيد.  كما قال شعرا مادحا للإمام  عبد  الرحمن الكثير من شعراء الحقيبة أمثال صالح  عبد  السيد أبو صلاح، وعبد الرحمن الريح، والحاج محمد أحمد سرور، وسيد  عبد  العزيز، وإبراهيم العبادي، وعمر محمد  عمر البنا، وعبيد  عبد  الرحمن[20]، وخالد ابو الروس.  كما مدح  الإمام  عبد  الرحمن شعراء السودان في غالبهم، من أولئك التجاني يوسف بشير- عبد  الله عمر البنا- محمد سعيد  العباسي-محمد  المهدي  المجذوب- محمد  الأمين القرشي- ابن الخياط- صالح عبد القادر[21]و محمد  عبد القادر كرف.

أما المهدية في طورها الحالي فقد صاحبها شعراء فحول بدءا بحسن طه (شاعر المؤتمر) الذي نشر ديوان "صادقيات في الشعر السياسي" في الستينيات- ثم أبو القاسم  عثمان صاحب قصيدة الاستقلال الشهيرة والأبيات:

            ستظل شمسا حية                تهب الضياء ولا تغيب

ستظل شابا  دائما                إن المكارم لا تشيـــب

لقد جعلت إحدى المنظمات الشبابية مؤخرا هذه الأبيات شعارا لها، وهي إنما قيلت بحق السيد  الصادق المهدي منذ الستينيات، لكأنما صاحبها محدث!.. ومن  الشعراء الذين ارتبطوا بهذه الفترة أيضا السر أحمد قدور- وعبد الله محمد زين (صاحب رائعة أنا أم درمان أنا  السودان)- ومختار محمد مختار- وإدريس البنا (وقد نظم قصائد عديدة في تمجيد المهدية وفي مواجهة الدكتاتوريات وإن غير موقفه عن الحزب الآن)- وفضل النور- وحاج  العمدة  وخضر عرمان، وغيرهم. كما برز شباب في الآونة الأخيرة منهم المكي مصطفى- ومحمد صالح مجذوب. أما حادثة سوبا الأخيرة فقد أخرجت للحزب نوارا من الشعراء أطل برأسه لم يكن مشهورا، من أولئك بشير عثمان بشير وقصيدته "مساك الدروب"، ومحمد صالح سليمان في قرية الحديبة وغيرهم.

 وللأنصار وحزب الأمة شعر مختلف ألوانه بألوان الشعر الشعبي في شتى بقاعهم، ففي الغرب يوجد "هداي"[22] يصوغه ويردده جماهير الحزب والأنصار- وفي الشمال يوجد شعر الرباعيات[23] الذي اشتهر فيه عكير الدامر ومشى على دربه الكثيرون من أبناء الإقليم.  وفي الأوسط يوجد المديح (فقد أقام أحمد ود سعد بالجزيرة وروى له مؤخرا حاج التوم من الله،  وتوجد  في أسرة حاج  التوم من الله مادحات مجيدات يروين شعر ود  سعد وغيره من قديم الشعر المهدوي وحديثه) ثم جاء المادح زين العابدين أحمد عبد القادر والذي أتحف جماهير الحزب والكيان بروائعه التي تتجلى إبان المحن[24]، وذاع أمر رفيقه شهيد الدعوة المادح بشير الحاج النور الذي توفي إثر حادث وهم يؤدون واجبهم لإحياء افتتاح مسجد في قرية المشرع بنهر النيل في أغسطس 1997م.  ومن الجزيرة أيضا اشتهر الشاعر عيشاب.. والحزب غني جدا من هذه الناحية بل في بعض بقاعه (مثلا العكد في ولاية نهر النيل، وتنّوب في الجزيرة المروية) يكون الجميع تقريبا رجالا ونساء وأطفالا من رواة الشعر أو حفاظه أو مؤلفيه. ومؤخرا برز عند الحزب فن  الملاحم التي ساهم فيها الحبيب العم السر قدور أولها ملحمة "أمجاد الأمة" التي أديت أول مرة إبان مؤتمر الحزب الرابع بالخارج في أسمرا عام 1998، والثانية هي "أوبريت العودة" الذي قيل بمناسبة عودة قيادة الحزب في نوفمبر 2000، وهو حول "نداء الوطن":

نداء الوطن.. في سبيل الوطن                        لنحيا كراما ولا نمتهن

وهي ملحمة رائعة.. أذكر أنني سمعتها أول مرة في القاهرة في مطلع نوفمبر 2000م وكنا مزمعين على العودة مع القيادة في يوم 23 نوفمبر.. جلست قبالة عمي السر استمع لأوبريت العودة،  فما لبث أن قال: "يوم  العودة يا أمد رمان .. العيد السبق رمضان".. فاقشعر بدني وسالت عيناي من بلاغة التشبيه، ذلك لأن العودة كانت توافق يوم 26 شعبان 1421هـ (أي ثلاثة أيام فقط قبل رمضان)، وقد كانت عيدا لنا نحن العائدون كما كانت لجماهير الحزب بالداخل، وقد واكبتها قصيدة بالداخل في تلك الأيام جاء فيها "يا أمة عملاقة أرواحنا مشتاقة.. يا الصادق  المهدي باكر بنتلاقى!".. ويتكون أوبريت العودة من عدة مقاطع من غناء الحقيبة ومن الغناء  الوطني، ففيه من "فلق الصباح" ومن "إلى العلا" ومن "أنا أم درمان تأمل في ربوعي" ومن "وطن الجدود"، وفيه دوبيت ينشد بطريقته المعروفة، وفيه لحن "الدلوكة" الفرح يحدث عن "العيد"، كما فيه أيضا جزء مقتبس من تراث المهدية هو الجزء الأخير. وروعته تكمن في أنه استنهض تراثا حزينا –وهو قصيدة ود سعد في رثاء الإمام  المهدي- والتي يقول فيها:

سيد بقعة المسجد                 ببكي عليك سرمد

عيشا بلاك اسود                 يا مهدي  الله.

استخدم تلك "المدحة" في لحنها وفي مفرداتها وحولها لمناسبة بشرى وفأل، فقال بنفس اللحن:

في بقعة المسجد                  الجمع احتشد

للصادق الوعد                    بشرانا بيه

والبلاغة أيضا في أن الاستقبال يوم العودة كان "في بقعة المسجد" المقصودة فعلا.. وقد قال في هذه القصيدة الرائعة:

الضحى للبلد … بالمال وبالولد

الصادق الوعد … بشرانا بيهو

ما غاب عنا .. يوما ولا ابتعد

لاقى الاحداث … بالصبر والجلد

من أجل الوطن صابر واجتهد

وآلاه الشعب.. وعليه استند

لاقى القواسي.. حاشاه ما ارتعد

الشعب جمعيا.. يتلقى منه المد

يسمع كلامه … ويشاوره ساعة الجد

الخالفو انخمد … والتابعو انسعد

السيد السند … الفايح طيبو ند

الصادق الوعد … بشرانا بيهو

شعر سوبا 2002م

نعم لا تخلو مناسبة لحزب الأمة من أمثال هذه الفنون. ولقد حاول التجمع في سوبا أن يخلع عليه هذه الصفة –ومع أن الأشعار تتخلل الجلسات الاحتفالية :الافتتاحية والختامية فقط- فقد تخللت الأشعار تقديم بعض الأوراق في سوبا، والملاحظة الأولى أنه لم يحضر أيا من شعراء ومادحي الحزب والكيان المشهورين،  وكان الشعراء نكرات على الأقل على مستوى المركز، والشعر نفسه كان مصنوعا، ركيكا في غالبه، نذكر من تلك الأشعار.

شاعر أول:

السلام عليكم جملة هذه الأحرار

وعلى رأسكم السيد مبارك والدكتور نهار ومسار

نحن الأنصار جميع وما فينا كبار وصغار

لكن يجب أن ناخد حقنا كامل طالما عندنا الأفكار

ما كان لينا فيه نصيب أبدا

***

دايرين تجديد دايرين اصلاح

دايرين تعويض للزمن الراح

شاعر آخر :

حزب الأمة من ما قام

حزبا يدعو للوحدة ويوقدها تمام

مبارك الفاضل كفؤ لقيادة الحزب وأمين

حفيد المهدي اللكان لي وطنا أمين

نحن وراه لا بنخضع ولا بنلين

شاعر ثالث:

ديل الانتظار معاهم ما بنفع

الجد في مكان الجد

شهر واحد حقوقنا نمسكها في اليد

يا كل زول يشوف ليه جحر وينسد

كل تلك الأشعار كانت في الجلسة الأولى، ويتضح أن القيادة محسومة ومسألة المشاركة أيضا محسومة (وقد اتضحت هذه النتائج المفترض أن تكون نهائية منذ الجلسة الأولى أيضا في كلمات الوفود المشاركة من الولايات).

وفي الجلسة الثانية، حين تقديم ورقة مبارك المهدي (العلمية) هلل الناس فأتى شاعر بمداخلة شعرية:

ود خليفة المهدي.. البي هداك للعالمين تهدي

إلى أن قال:

لي صالح الوطن كل الصغير ما لامنا

أيدناك يا عمر البيه تم مرادنا.

ومع أن الجلسة (علمية) فلم يسأل أحد الشاعر من هو ود خليفة المهدي؟ ثم من هو "عمر" أهو "البشير" أم ابن الخطاب؟.

وغير هذا كثير.. أغلب الشعراء كانوا يتذبذبون في الدرجة ما بين "لا تشتهي أن تسمعه" و "لا تستحي أن تصفعه" ومن يستحق "وضع البردعة"!![25].. القصيدة الوحيدة التي يمكن تصنيف شاعرها مع الخائضين وسط المعمعة، هي قصيدة الشاعر بشير أبو شورة وهي طويل، منها:

اطلعنا على الأوراق في الوضع الراهن قديم وجديد

ننحاز لي الوطن ولي عـــــــــــــزة حزبنا نعيـــــــد

السودان عمـــــــموم شرق وغرب شمال وصعيـــد

بهنيك يا مبارك والتجديـــــد بخيت وسعيــــــــــــــد

***

انقذت الحزب خليتو صــــــف مرصوص

يا ابن العلي كفو الكهانــــــــة تبـــــــــوس!!!

حزب الأمة بي عين الإلـــــــه محـــروس

ما بضيع بي وراك ما دام انتو ليه رؤوس

***

احنا غير السلام والوحدة شن دايريـــــــــــــــــــــن