الاختراق والانسلاخ
في حزب الأمة
الفصل الأول:
مسلسل الاختراق: الحلقات الأولى
انعقد في العاشر من يوليو 2002 مؤتمرا سُمى المؤتمر الاستثنائي لحزب الأمة، توج
المؤتمر سلسلة من الحلقات المتصلة لأعمال جماعة ظلت منذ قرار الحزب بالعودة للداخل
وتصفية العمل المعارض، تكدح وتجهد لشق طريقها الخاص داخل الحزب المخالف له. فمنذ
تغير الوضع من المواجهة للحوار ومن الاستئصال والاستئصال المضاد إلى خانة المربع
الثالث وتلك المجموعة تعمل ليكون استبدال المواجهة بالانخراط في النظام. برز أول
خلاف للسطح لتلك الجماعة مع خط الحزب في عقب قرار 18 فبراير 2002م حول التفاوض مع
النظام والمشاركة في السلطة، وفي إطار تحدى القرارات والمؤسسات الحزبية قامت هذه
المجموعة بتقديم ما سُمى بالمذكرة الأربعينية في مايو 2001م، وقد كان القصد منها
دفع رئيس الحزب دفعا إجباريا نحو تنفيذ أفكار تلك الجماعة بغض النظر عن الأجهزة
الحزبية التي لم تكن الجماعة تعترف بها. ولما لم تحقق المذكرة شيئا من مقاصدها لجأ
قائد التيار الانخراطى إلى نهجه المفضل وهو التبشيع بمن يخالفه الرأي في هجمة
صحافية ضد الحزب وقيادته عبر اللقاء الصحفي الذي نشر بجريدة أخبار العرب في ديسمبر
2001، وعبر غيرها من الكتابات بيد تابعيه.. هذه الهجمة الصحافية اعتبرت تجاوزا من
آلية المحاسبة الحزبية مما أدى إلى تجميد عضويته داخل الحزب، وما صاحب التجميد من
ضجة إعلامية قامت بها الجماعة والأقلام الإنقاذية المنافحة عنها، وبعد احتواء تلك
الأزمة واصلت الجماعة أعمالها المخالفة سرا وعلانية في الولايات والعاصمة. كانت
المرة الأولى التي تحاول فيها جماعة سوبا 2002م مناقشة أفكارها داخل أجهزة الحزب
عبر مذكرة القطاع السياسي في مارس 2002م ولكنها انسحبت من نزال الآراء داخل الأجهزة
حالما ظهر لها خسرانها المبين، ثم واصلت تشكيكها في الحزب وفي سياساته ظهر ذلك جليا
في التعامل مع آلية المراجعة التي كونها الحزب عبر لجنة تقويم وضبط الأداء ومناقشة
تقريرها في أبريل- يونيو 2002م.. ثم كانت قاصمة الظهر لمخالفة الجماعة والخروج عن
الحزب وتكوين حزبهم الانسلاخى في مؤتمر سوبا الأخير: قمة اختراق حزب الأمة لصالح
الانخراط في النظام. هذا الفصل سيتناول الحلقات الأولى لمسلسل الاختراق بشيء من
التفصيل، على أن نفرد للحلقة الأخيرة (سوبا 2002م) الفصل القادم، ولنتفرج قليلا على
المسرحية "التي لا تستحق جائزة". فيما يلي حديثنا عن الحلقات الأولى:
ردود الفعل على
قرار المشاركة بتاريخ 18 فبراير 2001م:
بعد عودة قيادات
الحزب بالخارج -إثر التوقيع على نداء الوطن- وعلى رأسهم الدكتور عمر نور الدائم،
والسيد مبارك المهدي للسودان في 6 أبريل 2000م، بدا لبعض قيادات الحزب بالداخل أن
علاقتنا بالنظام خالية من الشفافية وحول هذا الأمر وحول العودة نفسها تباينت آراء
قيادات الحزب. فرأى رئيس الحزب أن يدعو كافة الأطراف المعنية للقاهرة للاجتماع
وتصفية الأمر. عندما أبلغ السيد مبارك بالاجتماع أنكره وقال أنه لن يحضره لأنه
يعتبر أن العناصر المخالفة لا تستحق هذا الاهتمام وعلينا أن نمضي في طريقنا ولا
نعبأ بها. وتحت التهديد أن يقوم الاجتماع ويتخذ القرارات بدونه حضر للاجتماعات التي
انعقدت في أواخر يوليو واستمرت حتى أوائل أغسطس 2000م، ونجحت الاجتماعات في تحديد
سياسات الحزب وفي تكوين تنظيم مرحلي على أساس التراضي، والتصعيد، والانتخاب ما أمكن
على أن يستمر هذا التنظيم المرحلي حتى انعقاد المؤتمر العام. اتفقت القيادات على
ذلك وأخذوا عليه موثقا. ولكنه في نهاية الاجتماع فاجأ القيادات بأنه متخل عن أية
مسئولية محددة في الفترة الانتقالية. راجعه الآخرون فتراجع، ولكن يبدو كما ظهر فيما
بعد أنه في قرارة نفسه لم يكن راضيا عن ميثاق التراضي الذي تم إبرامه.
اندفع عمل
حزب الأمة التنظيمي ولكن قعد به أن النظام الذي صادر من الحزب ما قيمته 4.5 مليون
دولار لم يسدد إلا ربعها، وعاقب الحزب النظام الإريتري على موقفه السياسي بحجز ما
قيمته 2.5 مليون دولار من سياراته. هذه الإمكانيات كانت رصيد الحزب المهيأ للتمكين
من الحملة التنظيمية والتحضير لمؤتمر الحزب العام في 26 يناير 2001م كما قدر.
واندفع عمل حزب
الأمة التعبوي الشعبي والسياسي من أجل الأجندة الوطنية. هذه الحملة كان متوقعا أن
تكون أكثر عطاءا لولا إحجام القوى السياسية الأخرى فلا هي واصلت نشاطا عبر التجمع
في الخارج ولا نشاطا تعبويا في الداخل وعلى كثرة مناشدة حزب الأمة لها كانت
الاستجابة محدودة. أما التفاوض مع النظام فقد قطع شوطا معتبرا في مجال الاتفاق على
أسس اتفاقية السلام، وعلى مسألة الدين والدولة، ولكنه تعثر حول قضايا الإصلاح
الدستوري الديمقراطي المطلوب والإصلاح القانوني المطلوب للالتزام بالحريات العامة
وكفالتها.
واصل الحزب
بعد العودة حواره مع النظام بقيادة السيد مبارك الفاضل المهدي، ووصل لمرحلة معينة
ناقشتها الأجهزة القيادية للحزب نقاشا واسعا. حرص رئيس الحزب أن يتم النقاش في
المكتب القيادي ثم في المكتب السياسي. وحرص أن يدلي كل عضو برأيه بحرية تامة فرفعت
اللوائح لكيلا يكون على النقاش قيد زمني. وحرص السيد الصادق ألا يتأثر أي شخص برأيه
فلم يدل برأي أبدا. وتوصل المجلس القيادي بعد نقاش مستفيض لقرار صاغه الرئيس وعرضه
على أعضاء المجلس فقبلوه بالإجماع. ثم بحث المكتب السياسي الأمر دون أن يبلغ بقرار
المكتب القيادي. وبعد نقاش شامل توصل المكتب السياسي لقراره بالإجماع وكان القراران
في جوهرهما متطابقين وصدر قرار الحزب الشهير في 18 فبراير 2001م. (أنظر الفصل
الثالث: اتفاق سوبا ومرجعيات الحزب).
ومع أن القرار كان
بالإجماع فإن السيد مبارك لم يكن راضيا عنه. وكان يقول لمفاوضي الحزب في النظام إن
قرار الحزب سوف يكون إيجابيا للمشاركة لأن المعترضين عليها قلة لا وزن لها. وبعد
القرار الذي أكد مبدأ المشاركة ووضع ضوابط لم تكن في حسبانه ، حاول في البداية
ادعاء انتصاره في القرار والتقليل من شأن المؤسسة وفي لقاء تلفزيوني معه في برنامج
"في الواجهة" استخف بما أشيع أن بالحزب مؤسسة ناجزة وذكر أن القطاع السياسي صاغ
القرار وأعطاه للرئيس الذي مرره على الآخرين فقبلوه بالإجماع!. ثم صار يفسر
المفارقة لمفاوضينا في النظام بأن الرئيس هو الذي أثر على الأعضاء!!.
الحقيقة أن الرئيس لم يبد رأيا وأن أقرب الناس له كانت آراؤهم متباينة مما يشير
بصفة غير مباشرة إلى أنه لم يتبن رأيا معينا. وكان هذا في حد ذاته بابا لغضب عرمرم
من السيد مبارك على الرئيس لأنه لا يثق أن للناس أسبابا موضوعية وآراء مستقلة،
ويعتبر أن وقوف الرئيس مع خطه كان كفيلا بتغيير القرار لصالحه!.
مثلما قبل السيد
مبارك التنظيم المرحلي ظاهرا وتحرك ضده باطنا، قبل قرار المشاركة في 18/2/2001م
ظاهرا وتحرك ضده باطنا، وانتهى به الأمر لهندسة المذكرة المقدمة للرئيس في مايو
2001م.
المذكرة الأربعينية
بتاريخ مايو 2001م
كانت اجتماعات
الأجهزة القيادية للحزب مستمرة، وكان الحزب يعيش انتعاشا بين جماهيره إبان توضيح
الموقف إزاء مسألة المشاركة في السلطة. كما كانت صورة الحزب في الصحف الوطنية
زاهية للغاية، وصار الكتاب والصحافيون يبشرون بنهج الحزب الديمقراطي. ولكن هذه
الصورة لم ترض الفئة المذكورة التي كانت تريد للقرار الحزبي أن يؤيد خط المشاركة
بدون أية ضوابط. ففكرت الجماعة في وسيلة للضغط من خارج المؤسسات والأجهزة –تقليدا
لخط مذكرة العشرة من داخل المؤتمر الوطني- فتمت هندسة المذكرة الأربعينية، وكان من
أهم نقاطها اثنان:
·
الحديث عن أزمة تنظيمية حقيقية في الحزب.
وضجر بوجود ما أسموه "الشيوخ" في الحزب. والدعوة لمراجعة هياكل الحزب مع التبرم من
كثرة المراجعات من قبل "لا بد من الثبات في العمل المؤسسي فليس كل مشكلة تطرأ تغير
لها هياكل الحزب".
والدعوة لاختيار "كلية ذات شرعية ثورية تضم إلى جانب الرئيس المنتخب والأمين العام
المكلف الذين حافظا على هذه الشرعية مع كل الذين حملوا راية النضال منذ عام 1989م
إلى عام 1999م في المركز والأقاليم وخارج السودان"
يناط بها إعادة هيكلة الحزب وانتخاب أجهزته إلى حين انعقاد المؤتمر العام.
·
الحديث عن أزمة سياسية لأن قرارات الحزب جاءت
منسقة مع رؤية القطاع السياسي في المشاركة، ولكن نتائج التفاوض الأخيرة التي وصل
لها القطاع السياسي لم تعرض على الأجهزة القيادية (باعتبار أن تلك النتائج فتوحات
كانت الأجهزة ستقبلها)، و"تقاعست" القيادة فقررت إرجاء المشاركة. وتحدثت المذكرة
عمن أسمتهم قيادات مخذلة وضغط على القيادة أدى لعدم قبول المشاركة. كما تحدثت عن
ضعف الحركة السياسية، واستحالة تخطي القوات المسلحة و"الحركة الإسلامية"- إشارة
للمؤتمر الوطني.
ومراعاة أثر البترول والظروف المعيشية الضاغطة لجماهير الحزب، وتوحيد الحزب وتجاوز
الشروخ.
رئاسة الحزب رفضت هذا الأسلوب لأن مقدمي المذكرة أعضاء في
أجهزة الحزب المتفق عليها وأجهزة الحزب قابلة لبحث أية مسألة بحرية داخلها فإن لجأ
الحزب لأسلوب المذكرات فإنه يكون قد فتح باب تجاوز أجهزته، وسوف يلجأ كل صاحب رأي
للتعبير عن موقفه بمذكرة. هذه المسألة مهمة، فالمذكرات التي ترفع لمجرد إبداء الرأي
لأشخاص لا يصل صوتهم للمؤسسة إما لأنهم غير ممثلين فيها، أو لأنهم لا ينتمون للحزب
ولكن قرروا مخاطبته -كما فعلت جماعة الخطاب الوطني المستقل مثلا-
فهذه ممكن التعامل معها، أما أن يقوم أعضاء متنفذون في المؤسسة وممثلون فيها برفع
مذكرة -تقدم أو تناقش خارج تلك الأجهزة- فهذا بمثابة سحب لاعترافهم بها. علاوة على
ذلك، فقد كان الدافع الحقيقي للمذكرة أنها كانت مشروع انقلاب على الأجهزة الحزبية،
فهي رؤية تثمن قيادات الحزب بمزاج خاص إقصائي تمدح بعضهم وتقدح في الآخرين، وقد دعت
لما سمته "الشرعية الثورية" التي لا تعترف من بين قيادات الحزب إلا بالرئيس
والدكتور عمر نور الدائم، وتدعو للتخلص من الجميع لصالح مقدميها. وهذا هو السبب
الرئيسي لرفعها من خارج الأجهزة تفاديا لمواجهة الأطراف المراد إقصاؤها.. لذلك كان
موقف قيادة الحزب أن هذه المذكرة أسلوب هدام وأمام مقدمي المذكرة خياران: سحبها
وبحث ما يشاءون داخل الأجهزة أو الإصرار عليها والتخلي تلقائيا عن عضوية تلك
الأجهزة.
وبعد تفكير
في الأمر أبدت الجماعة الموقعة على المذكرة تفهما لموقف الرئيس، وبعد اجتماع
بالقيادة في مايو 2001م أقروا اعتبار المذكرة لاغية. ولكنهم الآن ينكرون ذلك فقد
صدر مؤخرا بيان وقعته "سكرتارية المذكرة الأربعينية" تؤكد أنها لم تسحبها، بينما
أكد بعض الموقعين –ممن لم يتبعوا خط الانسلاخ- أنهم سحبوها بكامل رضاهم. من أولئك
السيد طه أحمد سعد والذي أرسل خطابا للصحف بهذا المعنى. الشاهد، أن تلك الجماعة بعد
أن سحبت المذكرة الخاطئة إجرائيا الخاطلة تنظيميا ومؤسسيا لم توقف زحفها نحو
المشاركة بدون قيد أو شرط، أو نحو إقصاء من تكره داخل الحزب، وواصلت حملة من الهمز
واللمز تشكك في شرعية أجهزة الحزب القيادية. وسنتطرق في فصل "المسألة التنظيمية"
لهذه القضية بالتفصيل.
وقع على هذه
المذكرة أربعون شخصا يحتلون مناصب سياسية وتنفيذية بأجهزة الحزب. أحدهم "حسن أحمد
الحسن" أنكر أن يكون قد وقع عليها واعتبر إيراد اسمه فيها تدليسا عليه. منهم من عبر
عن أنه وقع عليها بعد إطلاعه على أنها بالتنسيق مع الرئيس ليقدم على ما فيها بصورة
مبررة،
وقليل منهم انسحب عن الخط الانخراطي في النظام بعد أن اتضحت تفاصيله في خطوته
الأخيرة "مؤتمر سوبا" –مثلا: طه أحمد سعد- تبيرة إدريس هباني- ومكي يوسف النصيبة.
ولكن غالبية الموقعين فيها استمروا في خط المشاركة الانخراطية حتى آخره.
وعلى حد تعبير
الدكتور صالح عبد القادر، فلقد "غلب على المذكرة الأربعينية طابع لغوي استعلائي
واستئصالي في آن واحد".
المذكرة ملآى
بالمغالطات التي تسهل محاصرتها والرد عليها:
فالمذكرة تنتقد
كثرة التعديلات في الهياكل- وهي تدعو لهيكل جديد.
والمذكرة تتحدث عن
وقوف الأجهزة مع المشاركة وأن القيادة هي التي تقاعست، مما يوحي أن المشكلة في رئيس
الحزب وليس في المؤسسة، ولكنها للغرابة تدعو لحل المؤسسة مع الإبقاء على ذلك الرئيس
"المتقاعس".
والمذكرة لا تعترف
بأجهزة الحزب بينما شرعية مقدميها مستمدة من تلك الأجهزة نفسها.
والمذكرة تدعو
الرئيس لقيادة انقلاب داخل الحزب يبقي فيه على نفسه ونائبه الأول، وتقدح في الأجهزة
المرحلية، ولكن تصورها البديل لم يتحدث عن آليات انتخابية ولا أخرى بتراض جديد،
تصورها الجديد جراحي، ويقوم على تقديرات ذاتية لأصحابها. فهي إقصائية حين حديثها عن
مخالفيها في الحزب، تريد التخلص منهم بمشرط "الشرعية الثورية".
كما أنها استئصالية
حين التحدث عن الآخرين في الساحة السياسية السودانية "فالمذكرة في هذا الجانب قد
تعاملت مع القوى الوطنية ومع مشاكل ومستقبل السودان بسطحية متناهية. لأنهم اتجهوا
للفكر الإقصائي والاستئصالي، وهي في هذا الجانب ترسل إشارات مبكرة للسلطة بالعودة
للمربع الأول".
والمذكرة تلتف حول
قضية الديمقراطية في السودان لتبرر المشاركة بطريقة تصبح معها المشاركة نفسها
"متأرجحة ومعلقة على مجهول بمعنى أن جني فوائدها يحتمل التحقق أو عدم التحقق
واقعيا". والمذكرة تدل على أن واضعيها "يسيرون في اتجاه التلاشي في الإنقاذ
وثوابتها الحزبية التي ربما أصبحت ثوابت وطنية بالنسبة لأهل المذكرة القطاعية"..
والمذكرة تدعو
لتجاوز الشروخ وتوحيد الحزب، بينما هي مشروع لتفجير الحزب وتمزيقه شذر مذر "فالشرخ
الذي أحدثته المذكرة وما صاحبها من جرأة بعقد مؤتمر استثنائي دون موافقة القيادة
الشرعية للحزب والسير في اتجاه تأسيس حزب قائم بذاته هي التي تغري المغامرين
وتشجعهم لضرب مكاسب الشعب".
والمذكرة تتحدث عن
الظروف الضاغطة كأن المشاركة ستحل هذه القضية، مع أن هذا التقدير ميكافيللي في
فلسفته، وواهم في تقديره، كما سنبين لاحقا.
..ببساطة، تلك
المذكرة تجمع تناقضات وأفكار سطحية منبتة عن جذرها ومقاصدها.. ولقد كان في متناول
الرئيس الرد على تلك المذكرة وتبيان خطلها بل خلطها المريع وركاكة صياغتها
التنظيمية والتي تنبي عن تصورات سياسية فطيرة لا تقدر العواقب، ولكنه اعتبرها –كما
ذكرنا- مخالفة لنظام الحزب .. ومرة أخرى: السيد مبارك الذي شارك في اجتماع سحبها،
أظهر موقفا وأبطن موقفا آخر ومضى يدير القطاع الذي يرأسه بأسلوب شبيه بتكوين حزب
داخل الحزب.
الحملة الصحفية
المبتدئة بديسمبر 2001م.
الفئة التي ربطت مصيرها بالمشاركة دون شروطها واصلت التشكيك في
شرعية التنظيم المرحلي، والطعن في قرارات الحزب السياسية، وإيهام قيادات النظام أن
أغلبية حزب الأمة تؤيد المشاركة كما يرونها، وأن هناك فئة قليلة معارضة لمبدأ
الحوار مع النظام من أساسه، وأن بينهما فئة ثالثة مترددة.. أوهموا قيادات في النظام
بهذه الصورة الزائفة وأكدوا لهم أن الحزب لا خيار له سوى الانخراط لأن ظروفه
المالية والتنظيمية سوف تجبره على ذلك. هذه الصورة المشوهة لحزب الأمة لعبت دورا في
استخفاف النظام بالحزب واستمر أصحابها يرددونها همسا ومن وراء الكواليس إلى أن أقدم
قائدهم- السيد مبارك المهدي- على التصريح بها علنا في صحيفة أخبار العرب بتاريخ 26
ديسمبر 2001م، ثم نشر ذات اللقاء بعناوين مختلفة في جريدة الرأي العام السودانية
بتاريخ 30 ديسمبر 2001م. هذا الإعلان اعتبرته هيئة الرقابة الحزبية وهي هيئة تراضت
على قيامها قيادات الحزب بالإجماع حماية للحزب من التجاوزات والتفلت-
اعتبرتها خروجا على ضوابط الحزب...
عندما صدرت
تلك التصريحات العلنية درستها هيئة الرقابة بمبادرة منها وقررت إنزال عقوبة التجميد
لعام على صاحبها بتاريخ 5 يناير 2002م. لائحة الهيئة تجعل عقوبتها نافذة ما لم
يعدلها الرئيس نتيجة لاستئناف الشخص المعاقب. ههنا جرت وساطات من نفر كريم ونتيجة
لها وقع السيد مبارك على التزام بمؤسسات الحزب وبقراراته فاعتبر الرئيس ذلك الإجراء
بمثابة استئناف وقرر إلغاء العقوبة.
خلاصة تصريحات
السيد مبارك كانت:
-
إن حزب الأمة
عاجز ونشاطه أكاديمي غير فاعل واصفا حركة الحزب بأنها "مجرد ضوضاء إعلامية تكتفي
بالتعليق على الأحداث وانتظار الأفعال لترد عليها". ومؤسسته "ضعيفة للغاية..
لأنها ما زالت بالتعيين وغير منتخبة وتعاني كثيرا من القصور في الإمكانيات
والقدرات".
-
أن ركود الحزب
دفعه –أي مبارك- نحو مواصلة عمله وعلاقاته بصورة قومية "وحزب الأمة يمكن أن
يستفيد منها" وذلك لأنه بدأ يشعر "بصغر حجم الحزبية".
-
طالب بتجديد
الحزب قياسا على ما حدث في الحزب الحاكم حزب المؤتمر الوطني. قال: "حزب الأمة
والاتحادي الديمقراطي والشيوعي في حاجة إلى تجديد الدماء وتجديد القيادات.
فالمؤتمر الوطني الحزب الحاكم هو الوحيد الذي ينفرد بقيادات شابة".
دعى لتأييد إمامة
السيد أحمد المهدي للأنصار، قال: "أحمد المهدي له دور تاريخي في هذا الكيان وسنه
متقاربة مع الصادق المهدي، والإمام عبد الرحمن دفع بهما في العمل الأنصاري والسياسي
ونالا تقريبا تدريبا مماثلا على يد الإمام وتخصص كل منهما في مجال".. "أحمد مسئولية
الأنصار والصادق العمل السياسي".
الطعن في حزب الأمة:
في هذا
اللقاء الصحافي رمى السيد مبارك حزب الأمة بثلاثة اتهامات هي: أنه عاجز وراكد. أن
موقفه ضبابي. وأن مؤسساته معينة. وسنتطرق بالتفصيل لهذه المسائل لاحقا (فاعلية
الحزب- والمسألة التنظيمية) ولكننا نناقش هذا الأمر لتبيان فداحة ذلك الهجوم حينها:
أما أن
مؤسسات الحزب معينة فهذا غير صحيح كما سنرى. فالمكتب السياسي تم التصعيد له من
كليات انتخابية والأجهزة القيادية والتنفيذية تم الاتفاق عليها بتراضي القيادات
ومبارك من ضمنهم في اجتماعهم المشترك المذكور آنفا.
التهمة
الثانية: أن موقف حزب الأمة هو في خانة التعايش بعد أن ترك المعارضة ولم يدخل
الحكومة وهي خانة للسكون: هذا الاتهام غير صحيح الصحيح أن موقف حزب الأمة هو الطريق
الثالث: طريق الدعوة للأجندة الوطنية بشقيها: السلام العادل والتحول الديمقراطي
والضغط على الأجندة الشريرة: الشمولية- الحربية- التدويل. الفكرة هي أن يضغط حزب
الأمة على جميع الجبهات لتحقيق تلك الأهداف بما فيها الضغط على الحكومة بمعارضة
بناءة ومسئولية وقد أثمر ضغط الحزب كما سنرى لاحقا حينما نتناول مسألة فاعلية
الحزب.
هذا الشرح
أعلاه يثير قضية هامة وهي كيف يجهل قيادي بارز مثل هذه البديهية في خط الحزب
السياسي؟.
حديث السيد
مبارك عن الخيارات الثلاثة المتاحة أمام الحزب وهي: أما الانخراط في النظام أو
الرجوع إلى المعارضة والمواجهة السابقة أو البقاء في حالة تعايش وسكون افتراض خاطئ:
أولا: لأنه
يفترض صمدية وسرمدية الإنقاذ واستحالة زحزحتها عن مواقفها.
وثانيا: لأن
الوقائع كذبته فقد استطاع الحزب من موقفه الثالث أن ينقل النظام من المربع الأول
خطوات نحو المربع الثالث وكذلك ينقل المعارضة نحو نفس المربع بعد أن تبنت خيار الحل
السياسي الشامل. هل كان هناك من يصدق أن تقبل وتوقع الإنقاذ على حكومة انتقالية
تلتزم بتنفيذ التحول الديمقراطي على نحو ما جاء في مذكرة النقاط التسع التي قدمتها
المبادرة المشتركة.
استمرار الحملة
لم تقف حملة السيد
مبارك وأتباعه على تلك التصريحات. فقد تلى ذلك العديد من المادة الإعلامية التي غطت
بعض الصحف بأسماء وهمية أو بأحرف، مقالات عديدة تصب كلها في الهجوم على مؤسسة
الحزب، وهيئة شئون الأنصار، ورئيس الحزب، وتمتدح السيد مبارك باعتباره قيادة مؤهلة
يجب أن تحل محل قيادة الحزب الحالية، وتتبنى ذات رؤيته المذكورة أعلاه لقيادة
الأنصار. وصاحبت ذلك حملة منظمة تشيع الشائعات وتصب في ذات الهدف. ومن أشهر
المكاتبات الصحفية كان الخطاب المفتوح الموجه للسيد الصادق المهدي الممهور بالأحرف
ح. م. أ. والذي ادعى كاتبه أنه عضو بالمكتب السياسي لحزب الأمة ومجلس الحل والعقد
لهيئة شئون الأنصار، والذي أرسل لكافة الصحف ولم تنشره إلا جريدة الصحافي الدولي.
ذلك الخطاب كان مليئا بالإساءات والمغالطات والأكاذيب، كما كان مصحوبا بصورة من
بيان للسيد عبد الله الفاضل المهدي- وقد أرسله مكتب السيد مبارك –والذي استطعنا
تتبعه رغم تخفيه وراء عنوان مجهول- أيضا للبريد الإلكتروني للسيد الصادق المهدي،
وقد حاول اختراق شبكة أخبار الأمة الإلكترونية بذلك العنوان المجهول، رغم أن مكتب
السيد مبارك وعددا من منسوبيه كانوا ولا زالوا أعضاء بالشبكة. كل ذلك يرجح أن كاتب
الخطاب هو السيد مبارك نفسه أو أحد جماعته المقربين. والأحرف نفسها كاذبة (فلا يوجد
شخص تنطبق عليه الصفة المذكورة في الحزب والهيئة بهذه الأحرف). هذه الحملة استمرت
حتى آخر الشوط بصحافي واحد أو اثنان يعلنان عن أسمائهم، والبقية تأتي في شكل مقالات
بأسماء وهمية، وتتخذ التجريح الشخصي، والكذب، وخلط المفاهيم، كوسيلة للنيل من الحزب
ومن قيادته.
لم تقف أعمال
الجماعة عند ذلك الحد بل لقد كونت غرفة عمليات مقرها منزل السيد مبارك المهدي في
شارع البلدية بالخرطوم. العاملين في تلك الغرفة كانوا كوادر حزبية انخرطوا في سوبا
لاحقا. فيهم قادة القطاع السياسي وأمانة الإعلام التي تتبع له. لقد كانت تلك
الأمانة شبه مجمدة صحفيا، فلم تخط سطرا للرد على مهاجم أو متابعة نشاط صحفي يذكر
(والصحافة أهم المناشط المتاح بها هامش للتحرك بين وسائل الإعلام الآن)، ولكن أفراد
الأمانة الذين تقاعسوا عن عملهم الحزبي –كما كان يفعل معظم الانسلاخيين فلا يعملون
إلا من داخل خطهم الحزبي داخل الحزب- أولئك المتقاعسين انتفضوا في تلك المرحلة
–مرحلة الهجمة الصحافية- وأغلقوا مكتب أمانة الإعلام بالمركز العام للحزب، وتحولوا
للبلدية لقيادة هجمة شرسة على الحزب وقادته من هناك بأسماء مستعارة على صفحات
الوفاق التي فتحت لهم ذراعيها، أو مستغلين مساحة حرية الرأي عند الصحف الوطنية
الرصينة. هذه الأمانة –أمانة الإعلام- كانت مثال الفشل في العمل الإعلامي الذي كان
يمارس من خارج جبتها. وبالرغم من ذلك فلم يصمت المنسلخون عن الإشارة إلى فشل
الآخرين وركودهم. مع أن الركود كان يتبعهم كظلهم، فكل الجهات التي تقلدوا فيها
المسئوليات كانت تجمد عنية حتى لا يجد الحزب بدا من أحضان المؤتمر الوطني.. هكذا
فعلوا بالمؤتمر العام، والذي كانت اللجنة المشرفة على التنظيم له برئاستهم
ومقرريتهم. لقد ظلوا يرددون: هذا المؤتمر لن يعقد. وقد كان ذلك بفعل فاعل!.
ذكرنا تفاصيل
الهجمة الصحافية وسنقوم في فصل "حجج الانسلاخيين" بالرد على تلك الحجج مجملا. لكننا
هنا نناقش معنى ومشروعية هذه الهجمة من قيادي في حزب كبير على حزبه..
يا من كل يوم هو في حال!..
لقد جاء وقت على السيد مبارك كان يضجر جدا من أي حديث يسوقه
قيادي في الحزب يخالف رؤيته، وكان يرى في ذلك الزمان أن رؤيته تتطابق مع رؤية
الحزب، وأن أولئك القياديين يضعفون الحزب. ولهذا كان من أكثر الناس تحمسا لإيجاد
آلية للمحاسبة للخروج عن الخط العام للحزب باعتبار أن حرية التعبير والنشر لا تعني
تخريب الخط السياسي الحزبي. وبيدي الآن خطاب وجهه للأخوة والأخوات الأحباء في قيادة
الأمة بالداخل" في 5 فبراير 2000م وكان حينها في لندن، وقد أرسله لي حيث كنا
بالقاهرة ووجهني لإرساله لزملائه بالداخل.. يقول في الخطاب "لقد
هالنى ما قرأته في صحيفة الصحافى الدولي بعدد 31 يناير 2000 من بيان باسم الحزب
صادر من الأخ الدكتور آدم مادبو بعد أن نقله لي أحد الاخوة الأصدقاء في صحيفة عربية
دولية، أرادت إعادة نشره فطلبت منهم العدول عن ذلك توخيا للمصلحة العامة، ففعلوا
مشكورين. حزنت كثيرا للمستوى الذي انحدرت إليه العلاقة بين قيادات الحزب إلى درجة
تنعكس على العمل الوطني وفى ظروف بالغة الخطورة تحتاج إلى أقصى درجات الوحدة
والتكاتف لننتشل الوطن من وهدته الحالية التي تتهدد كيانه بالضياع، خاصة وان غالبية
أهل السودان وجيرانه -قبل عضويتنا الملتزمة- يتوخون في حزب الأمة العقل والقيادة في
هذه الظروف الدقيقة البالغة التعقيد التي تمر بها بلادنا.
أولا: إن روح
البيان وأسلوبه غريبة علينا في حزب الأمة، ولا أجد مبررا لها مهما بلغت درجة
الحساسيات الشخصية أو درجة الخلاف والمنافسة بين الكوادر والقيادات، فقد تربينا في
هذا الكيان على أن نكظم الغيظ ونقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وان نحترم
ونقدر بعضا البعض لأننا أهل عقيدة واحدة قبل أن يجمعنا العمل السياسي.
ثانيا: إن
الموضوعات محل الخلاف التي أثيرت لا ترتقى لهذا الموقف، فكان يمكن استيضاح ما فاتنا
من بعضنا البعض في الداخل أو الخارج.". إلى أن يقول: " إنني في الختام أناشدكم بحق
الزمالة والنضال المشترك وملايين البؤساء الذين ينتظرون ثمرة جهودنا هذه أن تعالجوا
خلافاتكم داخل الاجتماعات وتتمسكوا بوحدتكم. وأناشد الاخوة مادبو وبكرى عديل بان
يعالجوا آثار تصريحاتهم التي ألقت بظلال سلبية على سمعة الحزب ومصداقيته. وان
يغالبوا النفس ويتجاوزوا الخصومات والحساسيات الشخصية من اجل مصلحة الكيان والحزب
والوطن فنحن من جانبنا تجاوزنا هذه الخصومات والحساسيات في حينها لأنها أصلا لا
مبرر ولا أساس ولا معنى لها، فان ذواتنا فانية والكيان والوطن باقيان. فيجب علينا
أن نصفي نفوسنا ونتكاتف من أجل إعداد الحزب للألفية الثالثة وبناء الوطن، فلا خير
فينا إن لم نفعل ذلك. والتاريخ لا يرحم من يدعو للفتنة والشقاق في هذه الظروف
العصيبة التي تمر بها بلادنا."..!!
لماذا نسي السيد
مبارك كل هذه المعاني الرصينة حينما صار هو الذي لا يرضى عن قرار الحزب في
المشاركة؟، وطفق يرفع كل يوم شعارا يذر عبره الشطة في أعين الحزب وزملائه فيه، خارج
الاجتماعات، وعلى صفحات الجرائد!؟.. هل تبدل حال الحزب في عامين أو أقل، وباخ
الكيان الجامع، والوطن.. ولم يعد للحزب ولمصداقيته رنين؟، أم كما قال أبو العلاء
المعري في لزومياته:
يحرم فيهم الصهباء
صبحا
ويشربها على عمد مساء
إذا فعل الفتى ما
عنه ينهى فمن جهتين لا جهة أساء
لقد كان السيد
مبارك يعلم أن الحزب متجه نحو مؤتمرات قاعدية ومتخصصة للبناء التنظيمي القاعدي.
ونحو ورشات عمل لدراسة وتقديم البرنامج السياسي لكي تفضي المؤتمرات الفرعية وورشات
العمل لعقد المؤتمر العام وهو مكان مشروعات الإصلاح والتجديد. أما الخوض في هذه
المسائل قبل ذلك وفي أجهزة الإعلام من شخص شارك في إبرام الترتيبات التنظيمية
المرحلية وأقسم على اعتمادها مرحليا حتى قيام المؤتمر العام فمعناه الزج بالحزب في
معارك جانبية لغير مصلحته ولغير مصلحة الوطن..
هذا ما كان من أمر
(معنى) التصريحات لشخص يعلم أن سمعة الحزب تنال منها هذه الأعمال، ويدرك أن
الخلافات تكون داخل الاجتماعات، ويعلم أن الحزب ساع للتجديد وللبناء فهو مشترك في
كل ما تم، وهو أن ذلك القيادي لم يعد يأبه للحزب ولا لسمعته ولا للزمالة وصار معلقا
بهوى آخر.. والسؤال –بغض النظر عن معنى التصريحات- هل من المشروع لقيادي في حزب أن
يتصرف على هواه ويتجاوز المعلوم بالضرورة من أوليات العمل السياسي داخل حزب واحد؟
هناك ملاحظات عامة أوردها د. عبد الرحمن الغالي في مقاله "قراءة هادئة في مسألة
السيد مبارك" تناولت هذا السؤال:
(1)
أخطأ السيد مبارك خطأ تنظيميا ومؤسسيا
بمناقشته لتلك القضايا الهامة والتي تشمل خط الحزب وشرعية مؤسساته وفاعليته خارج
مؤسسات الحزب بغض النظر عن صحة أو عدم صحة محتوى تلك التصريحات.
(2)
السيد مبارك قيادي بحزب الأمة لمدة تتعدى ربع
القرن فهو بالتالي يتحمل أية إخفاقات آلت إليها المؤسسة كما يشارك في النجاحات التي
حققتها.
(3)
الهياكل والأجهزة الانتقالية بالحزب تم
التراضي عليها في الاجتماع المشترك لقيادات الداخل والخارج بالقاهرة أغسطس 2000م
وبوجود السيد مبارك ومشاركته وموافقته عليها بما فيها هيئة الرقابة وضبط الأداء.
(4)
هذا التراضي تم على أسس موضوعية إذ شمل
القياديين الذين انتخبهم المؤتمر العام للحزب( ليس من بينهم السيد مبارك). كما شملت
الأسس الأخرى معايير البلاء والعطاء. هذا بالنسبة للجهازين القيادي والتنفيذي أما
الجهاز التشريعي ( المكتب السياسي ) فقد تم التصعيد له من كليات انتخابية شملت:
الشباب- المرأة- الأقاليم- الهيئة البرلمانية- هيئة شئون الأنصار وغيرها. إن مكان
الانتخاب الكامل لتحمل المسئولية هو المؤتمر العام للحزب.
(5)
يشكل موقف السيد مبارك اعتداءاً سافراً على
الحزب ومؤسساته وعلى الكيان الديني ومؤسسته هيئة شؤون الأنصار وبهذا فإن محاولة حصر
الموضوع في قضايا شخصية اختزال مخل
.
مذكرة رئيس القطاع
السياسي في منتصف مارس 2002م:
قلنا أن الهجمة
الصحفية أدت إى تجمييد عضوية السيد مبارك المهدي لمدة عام، وأن ذلك أدى لحملة
محمومة مقرها شارع البلدية تدبج المقالات وأحاديث الزور وترتع على صفحات الوفاق
حالة أهلا ونازلة سهلا، أو تجد طريقها لصفحات غيرها من الصحف الوطنية مستغلة مساحة
الحرية المتاحة فيها. ثم تدخلت وساطات لإيقاف حالة الهستريا التي أصابت البلدية
والتي تضرر منها الحزب ومنظره أمام الرأي العام، كان من نتائج تلك الوساطات توقيع
السيد مبارك على وثيقة تفيد اعترافه بقرارات الحزب وأجهزته واعتماد المؤتمر العام
الوسيلة الشرعية للتغيير. ولكن ذلك لم يؤد إلى توقف التحركات "التعويقية" المشككة
في خط الحزب وفي هياكله من جماعة سوبا، وفي منتصف شهر مارس قدم رئيس القطاع السياسي
رؤية للموقف السياسي للجهاز التنفيذي تشمل قراءة معينة للموقف السياسي والمستجدات.
ووزع مذكرة بدون تاريخ على المكتب التنفيذي في يوم الاثنين 13 مارس 2002م. كانت
المذكرة تحتوي على قراءة جماعة سوبا السياسية المشككة في صحة "الطريق الثالث"
فمبارك منذ تصريحات صوت العرب أكد أن الحزب أخطأ في أنه لم يشارك في الحكومة أو
يصطف مع المعارضة، وأنه صار أكاديمي الطبيعة عديم الفاعلية.. التسلسل الصحيح
لتناول هذا الموضوع هو أن يقدم التقييم المقترح للمجلس القيادي وقد اتفق على عقد
جلسة لذلك. ثم يناقش الموضوع في المكتب السياسي وما يقرر يحال للجهاز التنفيذي
لتنفيذه لا لرسم السياسات، وكما علق رئيس الحزب فـ"هذه المسائل معلومة ما فيها من
غموض وإن وجد فإجلاؤه لائحيا".
ولكن بصرف النظر عن الخطأ الإجرائي فقد رأى رئيس الحزب أن ما ورد في تلك المذكرة
رؤية يجب أن تناقش بجدية وموضوعية. وقد كان اعتبار تلك المذكرة رغم هذا الخطأ
الإجرائي الفادح بمثابة تشجيع لتلك الجماعة أن تنناقش أقاويلها وقراءاتها السياسية
من داخل الأجهزة.. فقد درجت الجماعة على القراءات "المغلقة" ثم الضغط الذي
مارسته عبر المذكرة الربعينية من خارج المؤسسة، ولذلك فقد تم الترحيب بمناقشة
آرائها خاصة وأنها سبق وملأت بها الصحف، وجابت بها البلاد، ولم تجلس يوما لتستمع
لنصف رأيها لدى زملائها داخل الأجهزة..
خلاصة ما جاء في
مذكرة مارس:
1.
أن موقفنا الاستراتيجي صحيح. وقراءته المبكرة
للأحداث صائبة.
2.
لكن الحزب لم يستطع تثمير ذلك في اتخاذ
الأهداف المرجوة. أي أن الحزب من الناحية العملية أخفق وإن كان من الناحية
الاستراتيجية مصيب. والآن فإن علينا أن نراجع الأمر بما يمكننا من تفعيل حزبنا.
رد رئيس الحزب على
تلك المذكرة قائلا:
1.
أبدأ بملاحظتين على هذه القراءة:
الملاحظة الأولى:
أن البرامج والسياسات العملية والإجراءات التكتيكية تمثل تنفيذا مرنا للاستراتيجية
وليس بديلا عنها وإلا كما قال العز بن عبد السلام: "كل إجراء يناقض مقاصده باطل".
إن موقفنا الذي سميناه الطريق الثالث هو موقف ملتزم بالتحول الديمقراطي الحقيقي
والسلام العادل ويعنى ذلك تمييز موقفنا من شمولية النظام وحربية الجيش الشعبي بل
والتدويل الخبيث. نحن استراتيجيتنا ضد هذه الرايات الثلاث.
الملاحظة
الثانية:
إن في هذا التقييم ظلما على أداء حزب الأمة.
لقد فصل رئيس الحزب
الجوانب التي حقق فيها الحزب تحولات في الساحة السياسية والساحة الدبلوماسية، ثم
قال: .. هذه إنجازات ولا يجوز أن نهدر قيمتها في تقييم الأحوال..
وتفاصيل ذلك موجودة في الفصل السادس (الرد على حجج سوبا) ضمن مناقشتنا لفاعلية
الحزب.
وفي الجلسة
المقررة لمناقشة مذكرة رئيس القطاع السياسي –في الاجتماع المشترك بين المكتب
السياسي والمجلس القيادي- وتعليق الرئيس وذلك بتاريخ 1 أبريل 2002م قررت جماعة
المشاركة بدون ضوابطها افتعال مشكلة داخل المجلس والانسحاب من الاجتماع. الرواية
التي ساقها السيد مبارك في برنامج في الواجهة بتاريخ 29 يوليو 2002م هي أن الرئيس
استدعى الزهاوي وطلب منه عدم التصعيد على أن يسحب كلاهما مذكرته. وأنهم لما جاءوا
للاجتماع فوجئوا بأن عبد الرحمن الصادق ضرب أعضاء المكتب السياسي، وأنه لما اعترض
على ذلك كان سيتهجم عليه (لكن جذبته والدته) وبذلك انسحبوا من الاجتماع!. غرابة هذه
الرواية أنها لم تكن بين شخصين أو ثلاثة حتى يجوز فيها هذا التلفيق. ولكن السيد
مبارك في هذا الأمر لم يتحر الدقة، ولم يذكر الحقيقة، والحقيقة هي: أن الصادق لم
يستدع الزهاوي ولا لاقاه في ذلك اليوم- وكان الزهاوي قد زاره قبلها بصحبة السر
الكريل ليقول له أنهم لا يشككون في قيادته ولكن عندهم ملاحظات ورد له الصادق بأن
يكتبوا تلك الملاحظات، فوعد وأخلف.
والحقائق
فيما يتعلق بالأعضاء الذين يمثلون جيش الأمة (سابقا) الآتي:
-
كانت اجتماعات أغسطس الشهيرة والتي خولت للجيش
أن يمثل في المكتب السياسي قد وافقت للجيش ألا يكون تمثيله شخصيا، بل تترك له مقاعد
ثلاثة يملأها بمن يرى في الوقت الذي يرى، وذلك مراعاة لخصوصية الالتحاق والعمل
بالجيش.
-
الأعضاء الذين اختارهم الجيش بدءا لتمثيله
وقعوا على مذكرة مضادة للحزب وللجيش لم تسلم داخل جهازهم المعني (المكتب
الاستراتيجي) بل نشرت على صفحات الوفاق!. وقد قرر الحزب أن كل من وقع على تلك
المذكرة فقد عضويته بالأجهزة الحزبية. فهم حتى بالمقاسات الحزبية العادية فقدوا
عضويتهم للأجهزة، أما بمقاسات تمثيل الجيش (سابقا) المشار لها أعلاه، فقد قام الجيش
بملء مقاعده بممثليه كما هو متفق (لاحقا وبعد المشاكل التي أثارتها جماعة سوبا كونت
لجنة قررت أن يبتعد الجيش عن الأجهزة الحزبية أصلا).
-
مرت جلسات عديدة للمكتب السياسي امتثل فيها
الأعضاء المذكورين للقرارات ولم يعبروا عن رفضهم للجهات المسئولة في المكتب
الاستراتيجي) أو للجهات المسئولة في المكتب السياسي للقرارات الحزبية ضدهم.
-
تسربت أخبار عن اجتماع عقدته جماعة سوبا ظهر
ذلك اليوم سرا قررت فيه الانسحاب عن اجتماع المناقشة حتى لا تهزم مذكرتهم من داخل
الأجهزة. ومهما يكن من وثوقية المصدر الذي سرب الخبر، فقد صدقته الأحداث التالية.
-
في سياق افتعال مشكلة جاءت جماعة سوبا لذلك
الاجتماع مصطحبة الأفراد المذكورين أعلاه – بعد غياب طويل وإذعان لقرار المؤسسة-
ليحضروا اجتماع المكتب السياسي. وقد قامت الجهات المسئولة عن الأمن في الدار
(زملاؤهم في المكتب الاستراتيجي- الجيش سابقا) بمنعهم عن الدخول بالقوة- وهذا يختلف
عن الضرب بالطبع!.
-
قبل بدء الاجتماع دخل السيد مبارك هائجا وهو
ينتقد بصوت عال مجموعة المكتب الاستراتيجي ومليشيات "عبد الرحمن الصادق" على حد
تعبير الوفاق وألسنة سوبا المختلفة. علق السيد رئيس المكتب السياسي (الدكتور مادبو)
للسيد مبارك راجيا إياه الهدوء ومناقشة ذلك داخل الاجتماع. قال الدكتور مادبو أن
المناقشة لا يمكن أن تتم قبل بدء الاجتماع، ومع أن الموضوع ليس في الأجندة ولكن
للضرورة التي يتحدث عنها السيد مبارك اعتبار بإعطاء مسألة الأفراد المذكورين أولوية
(الجند الأول للاجتماع كان مناقشة مذكرة السيد مبارك ورد الرئيس عليها).
بدأ
الاجتماع فأعطي السيد مبارك وبعض جماعته فرصة وكانوا هائجين وينتقدون مسألة
"الجيش"، وقد تحدثوا وهاجوا وماجوا، وقالوا أنهم متابعون لتصرفات عبد الرحمن الصادق
ففي يوم كذا فعل كذا ..الخ. بعد ذلك أعطى رئيس الجلسة (د. مادبو) فرصة لعبد الرحمن
الصادق (المتهم الأول) ليرد على الاتهامات الموجهة إليه. وقف عبد الرحمن ليرد على
الاتهامات (وكان كل من مبارك وعبد الرحمن في مكان بعيد عن الآخر)، وبدأ يوضح موقفه.
هنا تحول السيد مبارك من مكانه ومشى ناحية عبد الرحمن وهو يصمته ويقول له "اسكت-
اقعد..الخ". ولكن لم يصمت أو يجلس بل رد له بكل التهذيب: أنني أعطيت فرصة من المنصة
وهي التي تستطيع إسكاتي. وحينما وصل السيد مبارك لمكان يقف عبد الرحمن رفع يديه
وقال بصوت عال ليسمعه الجميع: (اضربني إذا داير). حينها صمت عبد الرحمن فعلا وقال
له أنت تعرف أنني لا أفعل ذلك!.. والعجيبة أن عبد الرحمن الصادق معروف بهواية
المصارعة، فهو لا يجتمع بفتية حتى يبدأ دورة مصارعة تخرج بالفائز، ولكنه معروف عنه
أيضا انه لم يعتد على شخص بالضرب أو يشاجر بالأيدي أبدا،. وحتى إذا وجد بعض إخوانه
أو أقاربه في شجار بالأيدي يتدخل لوقف ذلك، وينصح ألا يستغل القوي قوته في مهاجمة
الآخرين، حتى أنه في حفل تخريج أخويه الأصغرين "محمد أحمد من الكلية العسكرية
الفنية المصرية وبشرى من الكلية الحربية المصرية" خاطبهم ناصحا إياهم بضرورة
المحافظة على اللياقة البدنية، وعكس صورة مشرفة عن العسكرية
لجميع الأصدقاء والأقارب حتى يحبها الجميع ونخدم بذلك الوطن بتغذية قواته المسلحة
بأفضل أبنائه. على أن يكون البناء البدني في خدمة نفس تعف عن العدوان، ولا تستخدم
القوة في ضيم الآخرين، قال الشاعر:
إذا لم يَزِدْ علمُ الفتى قلبَه هدىً
وسيرتَه عدلا وأخلاقَه حُسْنا
فبشره أن الله أولاه فتنـــةً تغشيه
حرمانا وتوسعه حزنا
فكيف يقوم من هذا شأنه بمحاولة الاعتداء على عمه وداخل اجتماع
حزبي رسمي.. والفصل في ذلك أن تلك الحادثة محضورة للعشرات ولا مجال فيها للتدليس.
-
الحركة الأخيرة "الهجوم على عبد الرحمن ثم
إسكاته والوصول لمحله" كان لاستفزازه، ولكن عندما لم يستفز كان لا بد من مواصلة
مشوار حجة الانسحاب، بادعاء أنه تعرض فعلا لاعتداء عب رحركة رفع الأيدي والتعليق!..
على رأي المثل السوداني: الما عندها تيلة تسوي الحد حيلة!، لذلك قال السيد مبارك:
إننا ننسحب، فرد عليه رئيس الجلسة: تنسحب أنت أم نحن لأن كل شخص من عضوية المكتب
السياسي يمثل نفسه، ولم يرد السيد مبارك بل أشر بيده فتبعه 16 فردا. فخرجوا وطفقوا
ينشرون رواياتهم المخالفة. والعجيبة هنا أن السيد الصادق بكل كاريزميته وما يشيعه
عنه الانسلاخيون لم ولن يسوق مؤيديه بالإشارة احتراما للأجهزة التي تعمل بالرأي
والرأي الآخر، وللمؤيدين أنفسهم وتعضيدا لاحترامهم لذاتهم، ولاحترام الآخرين لهم..
فقد فتحت مسألة الإشارة للتابعين الستة عشر بابا من السخرية لا حد لها.. وبعض الناس
سموهم بأرقامهم حسب خروجهم من القاعة (فهذا رقم واحد- وذلك رقم عشرة.. وهكذا)!.
لقد كانت
جماعة سوبا قد انزعجت جدا من فكرة مناقشة مذكرتها ورد الرئيس في المكتب السياسي
(الجهاز التشريعي للحزب) وهي تعلم سلفا أن ذلك الجهاز لن يمرر خطها السياسي فقد ذكر
السيد مبارك جملة الرئيس (الحشاش يملا شبكته) مستنكرا في برنامج في الواجهة، ومعلوم
أن السيد الصادق "يحش" أكثر!!. والعجيبة أن هؤلاء يتحدثون عن الديمقراطية ويستنكرون
على الرئيس أن يدلي بدلوه باعتبار ذلك مناقضا للديمقراطية!. فحين مناقشة مذكرة
السيد مبارك ورد الرئيس عليها في المكتب القيادي استنكر أحمد بابكر نهار (المنسلخ)
أن يرد الرئيس أصلا باعتبار هذه ديكتاتورية! وأنه سيلون آراء أعضاء المكتب
القيادي!! إن ديمقراطية سوبا تفترض أن يصمت الرئيس!!.
بعد انسحاب
السبعة عشر عضوا بما فيهم مبارك المهدي، ناقش الاجتماع مسألة الانسحاب المذكور،
وأجل أجندته الأخرى، ثم خرج عن الناطقة الرسمية للحزب في 2 أبريل 2002م البيان
التالي:
"عقد اجتماع مشترك بين المكتب السياسي
والمكتب القيادي لحزب الأمة مساء أمس الإثنين الموافق 1 أبريل 2002م وذلك لمناقشة
المستجدات السياسية المتمثلة في مذكرة قدمها رئيس القطاع السياسي للحزب، والتعليقات
عليها في المكتب القيادي. وقبل البدء في الأجندة المذكورة وقع خلاف حول جزئية تتعلق
بعضوية المكتب السياسي. ونود توضيح الآتي:
-
أعضاء المكتب السياسي يمثلون
كليات.. الخلاف الذي أثير كان حول كلية سيوف النصر وهي كلية تابعة لمجموعة جيش
الأمة للتحرير سابقا، وقد خصوا بتلك الكلية لما لهم من تاريخ نضالي، وذلك حتى
يكون لهم تمثيل في المكتب السياسي.
-
أثار السيد رئيس القطاع السياسي
خلافا حول ممثلي الكلية في المكتب السياسي، فبدأ المكتب في بحث هذا الخلاف ليجد
له حلا عادلا وفق اللوائح، وشرع في مناقشة الأمر بالرغم من أنه لم يكن من الأجندة
الموضوعة للاجتماع. وفي تطور غير مبرر للخلاف رأى السيد رئيس القطاع السياسي
الانسحاب مع 16 من الأعضاء، ومجموع الحاضرين للاجتماع تسعة وثمانين عضوا.
-
بقية الحضور كانت تمثل نصابا
قانونيا كاملا، وكان يمكن للمجلس أن ينعقد بصورة قانونية ويقرر في الأمر المثار،
وفي الأجندة الموضوعة، ولكن الاجتماع رأي رفع الجلسة لمدة 48 ساعة، ومناقشة
الأجندة المقررة في حينها.
-
أما بشأن القضية العارضة المثارة
أمام الاجتماع –المتعلقة بكلية سيوف النصر- فقد كوّن الاجتماع المشترك للمكتبين
السياسي والقيادي للحزب لجنة برئاسة د. عمر نور الدائم النائب الأول لرئيس الحزب
ورئيس الجهاز التنفيذي، وعضوية كل من: الأستاذ/ بكري أحمد عديل النائب الثاني
لرئيس الحزب- السيد / صلاح عبد السلام رئيس لجنة الرقابة وضبط الأداء- السيد/ عبد
الرسول النور رئيس قطاع الجنوب- الأستاذ/ عبد المحمود الحاج صالح مساعد الرئيس
للشئون القانونية- السيد / السر الكريل عضو المكتب السياسي. وذلك للنظر في تلك
الملابسات. وفوض الاجتماع اللجنة ليكون قراراها حولها نهائيا.
-
قرر الاجتماع أن هذا النوع من
السلوك غير ديمقراطي وغير مقبول، ولكن يجب أن يمنح الخارجون فرصة أخرى، بعد أن
تقرر اللجنة بشأن المسألة الخلافية.
ناشد الاجتماع الجميع ضبط
النفس والاحتكام للوائح والقرارات المؤسسية."
وقد كانت
التقارير التي ترد لقيادة الحزب، وما تسرب للصحف اليومية تؤكد على عزم الجماعة على
المشاركة بأي ثمن في السلطة، وبدون موافقة أجهزة الحزب على ذلك، بل لقد أقسموا في
أحد اجتماعاتهم السرية "قسم المشاركة" وأن يصمدوا على الخط حتى آخر المشوار. كان من
ضمن تلك التقارير التي تسربت للرأي العام ما ورد على لسان صحيفة الحرية في ذلك
الوقت من أن جماعة المشاركة الانخراطية عرضت على النظام أن تشترك جزئيا بدون باقي
الحزب وأن النظام طلب منهم أن يتوالوا فلما وافقوا على ذلك وقدموا للتوالي تردد
النظام في الأمر.. لقد نفت جماعة الانسلاخ وقتها أن تكون تلك التقارير صحيحة بل
وقاضت صحيفة الحرية على نشرها ذلك الخبر. ولكن الشكوك بدأت تزداد حول نية جماعة
الاختراق على الانسلاخ من الحزب لصالح الانخراط في النظام. وكان ذلك المناخ بداية
ما تم الاتفاق حوله ورسم السيناريو له في سوبا أخيرا. وسأتعرض في الفصل السادس
للأكاذيب ومقامها في تكتيكات سوبا.
لجنة تقييم الأداء
الحزبي وقرار المشاركة بتاريخ 8 أبريل 2002م
كثر الحديث
داخل الحزب عن تضارب بين القطاعات وعن تجاوز القطاع السياسي لصلاحياته التنفيذية
ورأت أجهزة الحزب القيادية ضرورة مراجعة الأداء الحزبي على ضوء التجربة منذ الاتفاق
على التكوين المرحلي الجديد في فبراير من عام 2000م، لذلك قرر المكتب السياسي
بتاريخ 14 يناير 2002م القرار رقم (112) تشكيل لجنة تقييم الأداء في مؤسسات الحزب
وتشخيص ظاهرة عدم الانضباط وتقديم توصيات بالمقترحات المطلوبة. كونت اللجنة من 16
شخص برئاسة السيد عبد الرحمن عبد الله نقد الله، كونت اللجنة بطريقة موزونة بحيث
اشترك فيها أصحاب وجهات النظر المختلفة وارتضاها الجميع بالإجماع. وفي أبريل 2002م
أي بعد ثلاثة أشهر من التدارس والبحث قدمت اللجنة بإجماع أعضائها تقريرها.
دعت القيادة
لاجتماع مشترك للمجلس القيادي والمكتب السياسي وعبر ست جلسات درس الاجتماع المشترك
التقرير. وبعد النقاش العام وتهوية الآراء قدم رئيس الحزب للاجتماع المشترك قراءة
تقييمية للتقرير في 8 مايو 2002م قراءة خلاصتها:
·
هنالك توصيات مقبولة لديه ينبغي تحويلها
لقرارات.
·
هنالك توصيات يرى أنها غير مقبولة لأسباب
ذكرها.
·
هنالك جوانب أغفلها التقرير يرى ضرورة إلحاقها
به.
·
ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لعقد مؤتمر
الحزب العام الرابع في 26 يناير 2003م.
هذه
القراءة، وغيرها من القراءات والتعليقات على التقرير تم التداول حولها بحرية تامة،
ونتيجة لتداول الرأي اتخذ الاجتماع قراراته بشأن التقرير في 3 يونيو 2002م ونتيجة
لهذه القرارات أدخلت إصلاحات محددة في بنية الحزب التنظيمية وتقرر أن يستمر التنظيم
المرحلي بشكله المعدل حتى قيام المؤتمر العام في 26 يناير 2003م. هكذا حسم الحزب
أمره التنظيمي. ولكن اتضح أثناء مناقشة التقرير أن بعض أفراد الفئة المذكورة أعلاه
غير راضية عن توصيات اللجنة التي اشتركت فيها!.
وقد انتقدوا أي تعديل في التقرير، واعتبروا مرة أخرى أن تعليق رئيس الحزب على بعض
الجوانب ديكتاتورية.. هذه الجماعة تفهم أن الديكتاتورية هي كل ما يخالفها الرأي،
ولو كان وسييلته الإقناع والحجة واستمطار آراء الآخرين..
هذه الفئة ذاتها اقترحت في أوائل أبريل 2002 أن هنالك مستجدات
توجب على الحزب مراجعة قراره التاريخي بشأن شروط الاتفاق مع النظام في 18 فبراير
2001م. قالوا: إن إجراءات الوساطة لا سيما الأمريكية لا تعترف إلا بجهتين هما:
الحكومة والجيش الشعبي ولكي يدخل حزبنا في دائرة الفاعلية السياسية فإن عليه
الإسراع باتخاذ قرار بالمشاركة في النظام الحاكم. لذلك وبعد تداول الأمر ملياً قرر
الاجتماع تأييد جوهر قراره السابق وفي يوم 8/4/2002م أتخذ القرار الآتي:
قرار رقم (122):
يؤكد الاجتماع جدوى
قراره التاريخي بتاريخ 18 فبراير 2001م وسعة أفق القرار مع تأكيد ضبط المشاركة في
أحد الإطارين المذكورين.
1.
حكومة انتقالية قومية.
2.
انتخابات حرة نزيهة.
تداول الاجتماع
الظروف المحدقة بالبلاد كافة وفرص الحل السياسي الشامل وقرر:
أ.
مواصلة
الحوار مع النظام بهدف الاتفاق على إصلاح دستوري وقانوني وسياسي بما يحقق التحول
الديمقراطي وأسس السلام العادل بما يشكل أساسا للحل السياسي الشامل ويتطلع الحزب
لإبرام هذا الاتفاق على ضوء ما يعرض عليه من تفاصيل نتيجة التفاوض.
ب.
يدعم
الحزب عمله التعبوي الشعبي ويواصل مفاوضاته مع القوى السياسية السودانية للتعاون في
سبيل السلام العادل والتحول الديمقراطي.
ج.
يلتزم
المفاوضون في المجالات كافة مع النظام ومع القوى السياسية بالضوابط الآتية:
·
بأهدافنا العليا وهي مبادئ الحل السياسي
الشامل المعلنة.
·
شفافية تامة تجعل أجهزة الحزب تتابع التطورات
في كل مراحلها.
·
الانضباط التنظيمي بحيث لا يصدر في أجهزة
الإعلام تعبيرا عن موقف الحزب إلا ما يمثل موقف الحزب الحقيقي.
د.
مراجعة
تكوين فرق التفاوض مع النظام والقوى السياسية على ضوء توصيات لجنة تقييم الأداء في
مؤسسات الحزب لتأكيد توازنها وتناسقها.
ه.
يسعى حزب
الأمة لتكوين تحالف عريض حول الأجندة الوطنية، وهو تحالف لا يحده إلا عدم وحدة
الهدف.
و.
بالإشارة
إلى ما ورد في قرار الحزب في 18 / 2 / 2001 حول التعاون في القضايا القومية يؤكد
الحزب استعداده للتعاون على أن يكون النشاط قوميا روحا ونصا.
ز.
مؤسساتنا
وقراراتنا قابلة للمراجعة وفق المستجدات بصورة منهجية ومؤسسية وإلى حين ذلك يجب أن
تراعى احترام المؤسسات وقراراتها في اختصاصاتها.
ح.
ينظر
الاجتماع في الاقتراحات المتعلقة بتفعيل الخطى نحو عقد المؤتمر العام مباشرة بعد
مناقشة توصيات لجنة تقييم الأداء ويعطي هذا الموضوع الأولوية المستحقة.
ط.
تأسيسا
على روح الموضوعية التي عمت الاجتماعات يواصل السيد رئيس الحزب مجهودات علاقات
حميمة واجتماعية لدعم روح المودة والزمالة بين الأعضاء.
هكذا حسم حزب الأمة
أمره بوضوح تام، وقرر مواصلة العمل التنظيمي والتعبوي وعقد المؤتمر العام الرابع
للحزب في 26/1/2003م. ولكن جماعة سوبا لم ترض عن كل ذلك. لقد حزمت تلك الجماعة
أمرها فهي لم تعد تطيق الجلوس مع زملائها (الشيوخ/ المعوقين/ المخذلين/ المتقاعسين/
الحالمين/ التقليديين.. إلى آخر المسميات) والذين تتعالى عليهم، ولم تعد تطيق بعدا
عن أحبابها في النظام (الذين ثبتوا أقدامهم وصاروا مع ثوابتهم من ثوابت البلاد،
وأتاهم البترول وجددوا شبابهم.. إلى آخر ما أوقع جماعة سوبا في الغرام) بل وجعلهم
يتوقون لمربع الإنقاذ الأول!..
صحيح قول الإمام الشافعي:
إذا المرء لا يلقاك إلا تكلفـــــــــــــا فدعه ولا تكثـــــــر
عليه التأسفا
ففي الناس إبدال وفي الترك راحة وفي القلب صبر للحبيب إذا جفا
يتضح مما سقناه
أعلاه، أن الجماعة التي خططت ونفذت مؤتمر سوبا الأخير كانت تبيت النية لما أقدمت
عليه لبرمها الشديد بخط الحزب المتفق عليه في ناحيتين:
الأولى: استمرار
الحزب كحزب جامع لطيف سياسي عريض يحسم خلافاته الداخلية ديمقراطيا، ويحاسب الخروج
عن الجماعة بآليات منضبطة بلوائح. لأن جماعة سوبا كانت تنشد تنظيما أحادي التوجه
يتحرك بالإشارة، ويتم فيه حسم الخلاف بشكل إقصائي جراحي على نحو ما خططت المذكرة
الأربعينية.
والثانية: مناقشة مسألة المشاركة في الحكم بشكل يراعي آراء قيادات الحزب وقاعدته
وأجهزته والرأي العام السوداني، ويصل لمعادلة تجعل الحزب يبادر في القضية الوطنية
ويلتزم بمبادئه المعلنة. بينما تلك الجماعة تناقش مسألة المشاركة من باب مصلحة
ذاتية للحزب ترجى من انخراطه في الحكم، بصورة فيها وهم سياسي سنناقشه بعد حين.
|