|
أدبيات حزب الأمة
لقد
ذكرنا أن أدبيات حزب الأمة تحتوي على مواد صحفية من مقابلات ومقالات،
ومذكرات ورسائل داخلية وخارجية، ومضابط لاجتماعات الحزب، وبيانات
ختامية لتلك الاجتماعات ولمؤتمرات الحزب، ووثائق التجمع الوطني
الديمقراطي التي شارك في صياغتها الحزب، واتفاقيات عقدها الحزب مع
الآخرين، كما تحتوي على خطب منبرية.. إن للحزب سجلا متصلا يصف نشاطه
إبان فترة "الإنقاذ"، وقد اخترنا من ذلك السجل الوثائق التالية:
(1)
مذكرة للبشير فور استلامه السلطة 7 يوليو 1989م
أول الأدبيات التي صدرت عن الحزب والتي حوت على نداء بحل سلمي هو
مذكرة رئيس الحزب الشهيرة المعنونة للعميد (آنذاك) عمر حسن أحمد
البشير، والتي وجدت معه حينما تم اعتقاله في 7 يوليو 1989م. ونصها
هو:
لقد استوليتم علي السلطة بطريقة مخالفة للشرعية الدستورية ونحن
وآخرون من القوي السياسية والفئوية ملتزمون برفض ما فعلتم وإبطاله
بموجب التزامنا للدستور والقانون وبموجب ميثاق الدفاع عن الديمقراطية
الذي وقعت عليه القوات السودانية المسلحة. هكذا نشأت في بلادنا التي
تخوض حرباً وتتعرض لتآمر أجنبي، نشأت فيها مواجهة بيننا وبينكم ومعكم
القوة ومعنا الحق. وحرصاً علي مصير البلاد رأيت أن أقترح مخرجاً
سلمياً :
1.
الديمقراطية هي خيار شعبنا وهي موجة
المستقبل والالتزام بها واجب وطني ولكن مؤسسات الديمقراطية
وممارساتها في السودان أظهرت إخفاقاً والمطلوب هو الإلتزام
بالديمقراطية والالتزام بإصلاح مؤسساتها وممارساتها.
2.
هنالك سياسات كانت قائمة نوقشت بأعلى مستوي فني وقومي كبرنامج
التنمية وبرنامج
إعادة التعمير وبرنامج الإغاثة (شريان الحياة) وبرنامج دعم وتأهيل
القوات المسلحة،
والمصلحة تقتضي البناء علي صحيحها والتقدم إلي ما
وراء ذلك، هذا ينطبق أيضا علي
برنامج السلام الذي تطور نتيجة لمجهودات مختلفة
حتى أصبح إطاراً للسلام مر من مراحل
كوكادام حتى اكتمل باتفاق
نوفمبر الأخير.
كذلك وضع تصور لسياسة البلاد الخارجية باقتراح خبراء وتعليق ساسة مما
أدي لبرامج لسياسة خارجية قومية إلي جانب سياسات قومية للاجئين
والنازحين هذه البرامج والسياسات المناقشة علي صعيد قومي وأحياناً
بمشاركة دولية، المصلحة تقتضي الانتفاع بها في بناء الوطن.
3.
إن في بلادنا علة اقتصادية أساسية لم يمكن التعامل معها في الظروف
الماضية هي أننا نستهلك أكثر بل أضعاف ما ننتج ونصدر ثلث ما نستورد،
هذه الحالة تفتقر لعلاج جذري يخفض الاستهلاك بكل أوجهه لا سيما في
الكهرباء والمياه والوقود ونزيد الإنتاج لا سيما إنتاج المؤسسات
العامة. إن الظروف الحالية تنتج فرصة أكبر للتعامل مع هذه المعادلة
الصعبة .
4.
إن دعم القوات المسلحة وقوات الأمن المختلفة في هذه الظروف الدفاعية
والأمنية واجب أساسي وستجدون أننا فعلنا في هذا الصدد كل المستطاع
ولا أبالغ إن قلت أنكم لن تستطيعوا صرف قرش زيادة علي ما فعلنا. ولكن
تبقي إلي جانب المعدات نقائص أخري في القيادة وفي الروح المعنوية وفي
كل وجوه الأداء العسكري كانت هي السبب في نكسات ليريا وكبويتا وتوريت
وأداء لواء الردع الكتيبة 118 وهي جوانب ينبغي التصدي لها لعلاجها
ورفع أداء قواتنا العسكري.
5.
لقد رماني بيانكم الأول بكثرة الحديث حتى فقدت مصداقيتي. نعم تحدثت
كثيراً ولو تأملتم ما قلت لوجدتم أنه محاولة مدونة لاستنهاض شعب
يواجه ظروفاً صعبة لبعث الأمل وشده لمستقبله الواعد ولا أدري أين
فقدت مصداقيتي فالجمعية لم تسجل ضدي صوت ثقة واحد لمجرد نقاشه وكانت
القنوات مفتوحة بيننا وبين القوي السياسية والنقابية في البلاد
والثقة متوافرة ولم أجد من الشارع السياسي العفوي إلا كل تقدير. علي
أية حال هذه أمور سيحكم عليها التاريخ ذكرتها متطلباً للانصراف عن
المساجلات الشخصية والتركيز علي ما ينفع السودان.
وتحدثتم عن المفاسد وذكرتم تعويضات أم دوم وكل الذي أرجوه هو أن تدرس
ملف التعويضات هذا وسوف تجد فيه الدليل علي عفة تعاملي مع المال
العام. إنني كمسئول كنت أول من يصل إلي مواقع العمل وآخر من يغادر
ولم أكلف الدولة راتباً ولا سكناً ولا إجازات وكنت بعد كل رحلة أورد
ما لم أصرف من اعتمادها، كما كنت صاحب المبادرة لكل الخطط الإصلاحية
والمتابعة وستجد من الخدمة المدنية شاهداً علي ذلك. والذي أتطلع إليه
في هذا الصدد هو تحقيق محاكمة عادلة وستكون النتيجة الإشادة
بالحقائق.
6- إن كنتم تحرصون علي إنقاذ البلاد وتجنب فتح جبهات عديدة
فالنقاط الآتية يمكن أن تكون خطا تتجهون نحوه بالقول والعمل وعندئذ
فإن ظروف البلاد الحرجة ستجعل القوي السياسية في البلاد تتخذ منها
موقفاً إيجابياً :
أ)
الإلتزام بالديمقراطية وبإصلاح مؤسساتها
وممارستها في كل مجال وفق برنامج محدد تفاصيل وزماناً متشاوراً عليه.
ب)
تبيين البرامج القومية الصالحة لبناء الوطن.
ج)
إجراء الإصلاح الاقتصادي الجذري الذي يسترد للسودان جدواه الاقتصادية
ويضبط الاستغلال ويرشده ويزيد الإنتاج والاستثمار والتنمية.
د)
إجراء الإصلاحات المطلوبة لرفع الأداء العسكري وتأهيل القوات
المسلحة.
ه)
إجراء محاسبة عادلة للتجاوزات والمفاسد وإنصاف البريء ومعاقبة
الجاني.
7- عندما قامت حركة مايو خاطبناها بمثل هذا الموقف ورأت أن تختار
طريق المواجهة وكان ما كان والآن الظروف مختلفة فلا الموقف التمويني
ولا الاقتصادي ولا السياسي ولا العسكري يترك هامشاً للمناورة والمناخ
الداخلي في البلاد ليس وارد فيه ما كان متاحاً لمايو ولا المناخ
الدولي فإن أنتم اخترتم غير طريق المواجهة والاستقطاب فستجدون ذلك
ممكناً بتلمس مواقف القوى السياسية والفئوية. وفي هذا الصدد فإن ما
رأيته من نقاط -بالإضافة أو التعديل- يشكل مدخلاً لعلاقة إيجابية في
سبيل الوطن، وإن أنتم اخترتم الطريق الآخر فأنتم تتحملون مسئوليته
التاريخية وما شاء الله كان.
(2)
مقابلة صحفية مع السيد الصادق المهدي
السؤال الأول :ألا توافقني أن الشعارات التي ترفعها الحكومة القائمة
حالياً تتطابق إلى حد ما مع شعاراتك التي جاءت في برنامج نهج الصحوة؟
مجتمع الكفاية والعدل والمساواة.
الرد : برنامج نهج الصحوة مكون من عدة مبادئ، وأحد أهم مبادئه النهج
القومي. لذلك التزمنا بالنهج القومي مما أدى إلى عقد اجتماعات مع
حلفائنا ومعارضينا للاتفاق حول سياسة قومية في المجالات الهامة مثل :
أ-
التنمية، وقد وضعنا خطة تنموية عبر
المؤتمر الاقتصادي القومي الأول والثاني، وعبر مجلس التخطيط
الاقتصادي فصار لنا خطة اقتصادية شارك الجميع بصورة أو بأخرى في
وضعها.
ب-
التعليم، وقد عينا لجنة قومية وضعت
برنامج إصلاح التعليم العالي وتخطيطه وتأصيله وتمويله. وعرضت
توصياتها لمؤتمرات وعقدت مؤتمرات للتعليم العام والفني أدت لاتخاذ
سياسات إصلاح قومية.
ج-
ومها تفاوتت الآراء حول السلام فقد
خططنا لتوحيد برامج السلام على أساس مشروع قومي التقت الآراء على
أكثره وكادت تتفق على تفاصيله.
د-
وتكونت لجنة قومية للاتفاق على سياسة
البلاد الخارجية وقد كان.
هـ- وعملنا على توحيد الرأي حول المشروع الإسلامي لاتفاق المسلمين
عليه ولاتفاق السودانيين على أسس توفق بين الالتزام الإسلامي والوحدة
الوطنية.
لذلك لم يكن هنالك خلاف كبير بين الأطراف الفكرية
والسياسية السودانية حول القضايا الوطنية الكبرى.
النظام الحالي استمد كثيراً من سياساته من سياسات الجبهة
الإسلامية القومية كذلك إن معظم كوادره هم كوادرها، وهم مشاركون في
السياسات القومية المذكورة. لذلك لا غرابة أن يوجد وجه الشبه الذي
أشرت إليه. ولكن يبقى خلافان أساسيان:
الأول : هو أن نهج الصحوة التزم الأسلوب الديمقراطي والمشاركة بينما
الأمر الآن يقوم على فرض الرأي الواحد وعزل الآخرين.
الثاني : أسلوب التطبيق للسياسات هو أسلوب الأمر والنهي وعقاب
المخالفين، وهذا أمر مخالف تماماً لنهج الصحوة.
السؤال
الثاني : بعد مضي 3 سنوات على تولي الحكومة الحالية مقاليد الأمور في
البلاد، هل تعتقد أنها حققت الشعارات التي رفعتها؟
الرد : في البيان الأول للنظام التزم بأربع نقاط هامة هي : رفع
المعاناة عن الجماهير- فك عزلة السودان الخارجية- تحقيق السلام- دعم
القوات المسلحة.
معاناة الجماهير زادت أضعافاً مضاعفة، وعزلة السودان الخارجية زادت
وتحولت لعداوات حادة. وفجوة السلام اتسعت عما كانت عليه. وأما دعم
القوات المسلحة فإن الأسلحة المتفق عليها مع الصين وصلت. ولكن شرد
آلاف الأفراد من ضباط وضباط صف وجنود. ولا أحد يعلم آثار ذلك على
المؤسسة العسكرية.
السؤال
الثالث : ما رأيك في نظام المؤتمرات الذي أقره مؤتمر الحوار القومي
حول النظام السياسي، ورأيك في المجلس الوطني الانتقالي؟
الرد : في غياب الحريات الأساسية لا يمكن لأي إجراء سياسي أن يكون
صادقاً في التعبير عن تطلعات الشعب. إن نظام المؤتمرات الشعبية أقام
إجراءات تصعيد واختيار في مناخ خال من الحريات الأساسية، مشحون
بالملاحقات الأمنية، وهذا يبطل قيمة تلك الإجراءات.
المجلس الوطني الانتقالي مجلس قليل الصلاحيات، وتكوينه كله بالتعيين،
ولم يعط أبسط الصلاحيات مثل انتخاب رئيسه، فأقل ناد يعمل في أبسط
مجال ينتخب رئيسه، إنه متخلف عن الجمعية التشريعية، وعن المجلس
المركزي، وعن مجلس الشعب وهي مجالس كونت في ظل نظم عسكرية.
السؤال
الرابع : في تصريح للفريق البشير أعلن أن ثورة الإنقاذ الوطني ما هي
إلا امتداد لثورة الإمام المهدي فهل ترى أن هناك اوجه شبه بينهما؟
الرد : كل سوداني بل كل مسلم له حق الانتساب للمهدية لأنها دعوة
موجهة لكل المسلمين، ولا تستطيع جهة (فرد أو أسرة أو جماعة) أن
تحتكرها. ولكن المهدية أعلنت برنامجاً واضحاً أعلنه شخص قال أنه خوطب
بالإمامة الكبرى، وأنه مكلف بإحياء الكتاب والسنة المقبورين، وأنه
يطالب الجميع بتأييد هذا البرنامج الواضح. والدعوة المهدية قامت في
ظل حكم أجنبي متسلط وحررت البلاد من نيره. حركة 30 يونيو أعلنت نفسها
حركة إنقاذ سياسي واقتصادي للبلاد بعد أن أطاحت بحكومة وطنية
ديمقراطية انتخبها الشعب. ولم تشر في الأول لدعوة إسلامية ثم بعد عام
ونصف تبنت البرنامج التشريعي الجنائي الذي أجازته الجمعية التأسيسية
التي كانت الحركة قد حلتها وحكمت ببطلانها وبطلان أفعالها.
ووسيلة المهدية للولاية كانت موقفاً واضحاً بينما كانت حركة 30 يونيو
انقلاباً عسكرياً.. وجه الشبه الوحيد هو أن المهدية لم تسمح بمكان
للرأي الآخر الديني أو الوطني، وأنها واجهت القوى الأخرى الإقليمية
والدولية بخيار الاتباع أو المواجهة. هذان الأمران بالذات طورهما
الإمام عبد الرحمن المهدي مراعاة لظروف الزمان والمكان المتغيرة
واستناداً على مقولة الإمام المهدي لكل وقت ومقام ولكل زمان وأوان
رجال، وهي مقولة تعطي مشروعية للتطوير.
لقد جاوزت دعوة الإمام المهدي العمل بالمذاهب ودعت إلى تعاليم جمعت
ما تفرق من الحق بين المدارس الإسلامية، وجدير لمن يتطلعون لبعث
الإسلام أن يقتدوا بها، وأن أريد ذلك فلا يكفي حديث المجاملات بل
ينبغي الدعوة لمؤتمر من مفكرين وعلماء لوضع نهج إسلامي يغترف من تلك
التعاليم ويراعي المتغيرات.
أنا من جانبي وضعت نهجاً مستمداً من تلك التعاليم يقتضي الإلتزام
بالقطعي وروداً ودلالة من الكتاب والسنة وترك ماعداه لاجتهاد مؤهل
يقترحه العارفون وتقرره مؤسسة نيابية منتخبة انتخاباً حراً.
السؤال
الخامس : هل يمكن أن تقارن بين سياسات الإصلاح الاقتصادي التي
انتهجتها حكومة الأحزاب الأخيرة وبين تلك التي انتهجتها الحكومة
الحالية؟
الرد : الحكومة الديمقراطية كانت تنفذ خطة تنموية وضعت أساسها
المؤتمرات الاقتصادية القومية، وكان هناك برنامج إصلاح اقتصادي مستمد
من تشاور قومي واسع. إن أهداف الإصلاح الاقتصادي باختصار هي : زيادة
الاستثمار –
زيادة الإنتاج، تحقيق التوازن الداخلي، وتحقيق التوازن المالي
الخارجي. هذه الأهداف هي المطلوبة الآن وفي الماضي. ولكن أساليب
النظام الديمقراطي لتحقيقها أوجبت تشاوراً أوسع وإجراءات أبطأ.
النظام الحالي حاول تحقيق تلك الأهداف بسياسات اقتصادية (اوتاركية)
تقوم على تحديد حازم للأسعار وتوجيه حديدي للمصارف وضبط صارم للتعامل
بالدولارات.
هذه السياسات طبقت بطريقة لا تريد ولا تستطيع الديمقراطية أن تتخذها.
وعندما لم تتحقق الأهداف انقلبت سياسة النظام 180 درجة محررة
الأسعار، رافعة الدعم عن السلع التموينية ومبيحة التعامل بالدولارات
... الخ. هذه السياسات الجديدة طبقت بطريقة لا تريد ولا تستطيع
الديمقراطية أن تتخذها. وسنرى هل تتمكن هذه السياسات من زيادة
الاستثمار وزيادة الإنتاج وتحقيق التوازن المالي الداخلي والخارجي؟
رأيي أنها لن تحقق هذه الأهداف.
السؤال
السادس : ماذا تقول للذين يرددون عبر أجهزة الإعلام الخارجية أن
السودان يعاني من مجاعة، وأنه مصدر للإرهاب؟
الرد : السودان عانى من مجاعة في العام الماضي وكان نموه
الاقتصادي سالباً. هذا العام نمو السودان الاقتصادي إيجابي لأن موسم
الأمطار كان أفضل ولأن الأداء الزراعي كان أفضل. لقد زاد إنتاج القمح
عن حاجة البلاد لسببين الأول جودة موسم الشتاء الثاني توسع رقعة
القمح على حساب القطن لذلك نستطيع أن نقول أن إنتاج القمح عن موسم
91/92 يغطي استهلاك البلاد ويزيد. أما الذرة فتقديري أنه يبلغ 2.5
مليون طن بينما استهلاك البلاد يبلغ 3 مليون طناً. وعلى أي حال فإن
موقف الإنتاج الزراعي السوداني في موسم 91/92 أفضل منه في الموسم
الذي سبقه..
أما موضوع الإرهاب فلا أعرف عنه شيئاً يذكر.
السؤال السابع : كيف ترى
القرار السوداني السياسي اليوم، هل هو مستقل أم تابع؟
الرد : اعتقد أن النظام الحالي لم يأت بتدبير من جهة أجنبية، وهذا
سر بقائي في البلاد لأنني مستعد للتعامل مع أي إرادة سودانية مهما
كانت درجة اختلافها معي. ولكن عدداً من قرارات واتجاهات هذا النظام
غريبة ولا تفهم إلا في إطار تدخل من جهة ما. مثلاً : قرار تأييد
الانقلاب الستاليني في موسكو في أغسطس 1991م لقد أدت سياسة الانفتاح
إلى سقوط القبضة الستالينية مما حرر 50 مليون مسلماً، وأتت بأمل جديد
لشعوب كبيرة كانت مقهورة. وكان الانقلاب في اتجاه مضاد يريد العودة
للقبضة والقمع.. بأي منطق سوداني يمكن الترحيب به؟.
السؤال
الثامن : من وجهة نظرك، ما هو الخلاف الذي أدى إلى توتر العلاقة بين
السودان وبعض الدول العربية .. هل الخلاف حقاً بسبب حرب الخليج؟ أم
بسبب التوجه الإسلامي للسودان؟ علماً بأن العداء للسودان من قبل هذه
الدول بدأ قبل أزمة الخليج؟
الرد :
هنالك سببان أساسيان وراء توتر العلاقات هما :
·
الاتهامات المتبادلة بالتدخل في الشئون
الداخلية.
·
الموقف المتباين من حرب الخليج لأن هذا
التباين أدى لاستقطاب عربي ودولي ومراشقات حادة.
السؤال
التاسع : ما هو موقفكم من تحالف ممثلكم في الخارج (أقصد مبارك
الفاضل) مع قرنق فيما يسمى بالتحالف الاستراتيجي. وما هو رأيك في
انضمام وزير دفاعك الفريق فتحي احمد علي إلى مجموعة قرنق. ألا تعتقد
أن هذه خيانة عظمى؟
الرد : ليس لي ممثلين في الخارج. وبعد أن أسقط النظام الديمقراطي
انفرط عقد التنظيمات السياسية وصارت القيادات والكوادر تمارس عملها
باجتهادها الذاتي، وقد تحددت تلك المواقف بينما كنت محبوساً ومعزولاً
من أي اتصالات. فتحي لم يكن وزير دفاع بل كان القائد العام والفرق أن
المنصب الأول سياسي والثاني مهني. لقد اخترت طريق المعارضة السياسية
من الداخل واعتقد أنها الأجدى والأصلح للسودان. مفهوم الخيانة العظمى
يمكن أن يستخدم كوسيلة لتبادل الإدانات السياسة، ولكن لكي يستخدم
المفهوم بمعناه الصحيح ينبغي أن يكون أهل السودان متفقين على أساس
الشرعية في البلاد. حينئذ يكون الخروج على تلك الشرعية خيانة عظمى.
السؤال
العاشر : لماذا جاء تعليقك على مباحثات السلام بين الميرغني وقرنق
متأخراً، وما رأيك في هذه الاتفاقية؟
الرد : لم يأت على اتفاق الميرغني/قرنق متأخراً. الاتفاق كان
تطويراً لإعلان كوكادام الذي شارك فيه حزب الأمة في مارس 1986م. ولكن
ظروف الاتفاق خلقت نفوراً في حزب الأمة بأنه مستغل لأغرض حزبية كما
راهنت الجبهة الإسلامية ضده. لذلك استمهلت قيادة الاتحادي الديمقراطي
لكيلا تستعجل اتخاذ قرار بشأنه في الجمعية لنتمكن من إزالة تحفظات
الرافضين والتوصل لموقف قومي شامل بشأنه. وقد استطعت التوصل لما أزال
تحفظات بعض رجالات حزب الأمة، وصدر بيان مشترك مني ومن السيد محمد
عثمان في 27 ديسمبر 1988م. كما استطعت تقريب وجهات النظر بين
الاتحاديين والجبهة الإسلامية واتفق على موقف موحد بين الأمة
والاتحادي والجبهة في اجتماع ضمني والسيد محمد عثمان ود. حسن الترابي
في 4 يناير 1989م.
السؤال
الحادي عشر : البعض يرى أن الحكومة الحزبية الأخيرة التي كنت ترأسها
مسئولة عن سقوط مدن الجنوب في أيدي المتمردين وذلك بسبب تدني
الإمكانيات القتالية بنسبة كبيرة وإهمالكم للجيش، وقصور حركة الإمداد
بالأسلحة والمؤن القتالية كيف ترد على هذا الاتهام؟
الرد : الحقيقة أن ما سقط من مناطق الجنوب في أيدي الحركة الشعبية
في الفترة من 30 يونيو 1989م إلى آخر عام 1991 يساوي ضعف ما سقط في
يدها في الفترة من أكتوبر 83 إلى يونيو 1989م. والحقيقة هي أن ما حدث
من اهتمام بالقوات المسلحة في فترة الديمقراطية من حيث رواتب ومعاشات
وامتيازات الأفراد والأراضي السكن والسيارات وغيرها كان كبيراً
بمقياس ما سبق وما لحق من تصرفات. كذلك كنا قد وجدنا التسليح معتمداً
فقط على المعونة الأمريكية العسكرية. ولكننا نوعنا مصادر التسليح من
الأشقاء: من العراق، وإيران، وليبيا، والسعودية ومن الأصدقاء على
أساس تجاري وهم: يوغسلافيا، تركيا، والصين. وقد بلغ التسليح درجة
هائلة بالمقارنة لما سبق وما لحق، ومع انحسار العون الأمريكي حصلنا
على سلاح أمريكي مثل سيارات الهامر المدرعة. كما كنا نحترم للقوات
المسلحة نظامها الداخلي ولم نسمح لأي مؤثرات حزبية أن تؤثر في وضعها.
لم تكن إدارة العمل العسكري وقيادته في عهد الديمقراطية من شأن
القيادة السياسية. بل إن قانون القوات المسلحة الذي وضع في أثناء
الفترة الانتقالية اقتضى أن يكون للقوات المسلحة كيان ذاتي همش دور
القيادة المدنية السياسية. وعندما سقطت لانيا دون قتال بل انسحبت
القوات السودانية المسلحة منها على متن 63 شاحنة جديدة إلى جوبا عمل
لي تنوير في القيادة العامة، وحضر التنوير وزير الدفاع والقائد العام
ورئيس هيئة الأركان ونوابه وقادة القيادات. قلت للمجتمعين أن سقوط
لانيا لم يكن بسبب عدم وجود المعدات والإمكانات. وأن الأداء العسكري
لقواتنا دون ما تتيح الإمكانات الموجودة فالعلة ليست الإمكانات، وأرى
أن ثمة ستة أسباب لهذا التدني اذكرها لكم فإن كانت خاطئة فأرجو
تصحيحي بالحقائق وإن كانت صحيحة فأرجو بحثها وبيان كيف ستعالجونها هي
:
أ)
أسلوب القتال دفاعي ويعطي المبادرة
للعدو.
ب)
القيادات الميدانية ليست من الأكفأ بل تنقل هناك لظروف وأسباب ليست
في مصلحة الأداء الأفضل.
ج)
تدني الروح المعنوية.
د)
ضعف التوجيه المعنوي.
ه)
ضعف الاستخبارات وانشغالها بالأمن الداخلي عن معرفة حركات العدو.
و)
الاكتفاء بالقتال النظامي ضد عدو يستخدم أساليب أخرى مما يوجب توسيع
وتنويع قاعدة القتال.
هذه هي الأسباب الحقيقية لسوء الأداء فهل أنا محق أم غير محق؟ قالوا
لي أنت محق!! قلت إذن تفاكروا في الأمر وقرروا كيف يكون علاجه؟ هذا
التساؤل هو الذي دفع إلى اجتماع القيادات العسكرية في فبراير 1989
ولكن بدل أن يتجه الاجتماع نحو هذه المساءلات العسكرية اتجه نحو
مساءلات سياسية من باب البحث عن كبش فداء وضاع السؤال الحقيقي.. لقد
بذلنا أقصى الجهد الممكن عناية بالقوات المسلحة والإمكانات التي
توافرت هي أقصى ما كان مستطاعاً، لم يسبقها ولم يلحقها ما هو في
مستواها.
السؤال
الثاني عشر : ما رأيك في الانتصارات التي حققتها القوات المسلحة
وقوات الدفاع الشعبي على قوات قرنق واستعادتها لمعظم المدن السودانية
من أياديها؟ وما هو الحل المثالي لمشكلة الجنوب من وجهة نظرك؟
الرد : من المآخذ على الأداء العسكري أثناء عهد الديمقراطية
الثالثة أن أسلوب القتال كان دفاعياً، إن القوات المسلحة السودانية
منذ مارس 1992م اتخذت خطاً هجومياً جعل زمام المبادرة العسكرية في
يدها. ومن المآخذ الستة المشار إليها الاعتماد على القوات النظامية
وحدها، وهذا النقص عالجه قيام الدفاع الشعبي. الدفاع الشعبي تقرر
قيامه في عهد الديمقراطية وأجيز قانونه وعين قائده وخصصت له ميزانية
نصف بليون جنيه، ولكنه نفذ بطريقة مختلفة في عهد هذا النظام. هذان
العاملان حسنا أداء القوات المسلحة السودانية. وصادف أن تغيرت سياسية
الاتحاد السوفيتي فامتنع عن دعم منقستو وضعف منقستو جداً وكف عن دعم
حركة قرنق حتى قبل أن يسقط نظام منقستو نهائياً. هذا أدى إلى ضعف
الحركة وإلى انقسامها... هذه العوامل ساهمت في تفوق القوات السودانية
المسلحة واستردادها لروحها المعنوية.
إن القتال لن يحسم المشكلة والحل في النهاية سياسي، وأري أن مباحثات
أبوجا خطت خطى محدودة، الأمر مفتقر لرأي يمكن أن يقبله الجميع. لقد
أهتديت لرأي سأكتب به للأطراف المعينة
لأن هذا الأمر قومي ويهم كل مواطن حتى إن لم توجد آلية الآن ليشارك
برأيه.
السؤال الثالث عشر: بصراحة تامة .. ما الذي قدمته للسودان حكومة
الأخيرة التي كنت ترأسها؟
الرد: عندما انتخبت رئيساً للوزراء وكونت الحكومة في أبريل 1986م
كانت البلاد تعاني من الآتي:-
أ)
مجاعة عامة في البلاد.
ب)
نسبة نمو اقتصادي متدن جداً ونسبة نمو في العام الذي سبق سالبة.
ج)
حرب أهلية متسعة ومستمرة.
د)
استقطاب فكري وسياسي حاد حول التشريع الإسلامي خلقته قوانين سبتمبر
الجائرة وتطبيقاتها الأكثر جوراً.
ه)
خريطة سياسية أظهرتها الانتخابات العامة في عام 1986م لم تعط أي حزب
أغلبية ليحكم.
و)
اختلافات حادة حول القضايا الوطنية المختلفة كالتنمية والتعليم
والعلاقة السودانية المصرية والعلاقة السودانية الليبية بل جميع
قضايا السياسة الخارجية.
وفي عام 1989م عندما أطيح بالنظام الديمقراطي كان الآتي قد تحقق:
أ-
زوال المجاعة، بل كان السودان في أعوام
الديمقراطية الثلاثة يصدر الذرة –
وتركنا 15 مليون جوالاً من الذرة مخزونا إستراتيجيا في الصوامع
والمطامير.
ب-
كانت نسبة النمو الاقتصادي إيجابية
وبلغت في العام الأخير 5% في السنة.
ج-
اتفق علي برنامج سلام مكون من:
·
اتفاقية سارية المفعول وقابلة للتجديد
لوقف إطلاق النار.
·
موعد متفق عليه لاجتماع للتمهيد للمؤتمر
الدستوري في 4 يوليو 89.
·
اتفاق علي عقد المؤتمر الدستوري القومي
في 18 سبتمبر 1989م.
·
وبحلول عام 1989م وعبر لجنة الوفاق
الوطني وغيرها من الاجتماعات تم التوصل لمشروع للتوفيق بين الوحدة
الوطنية وحقوق كافة المجموعات الوطنية وبين التطلعات الإسلامية.
·
ورغم أن نتائج الانتخابات لم تكن حاسمة
بل كان من شأنها أن تجعل الساحة البرلمانية عرضة لسحب الثقة من
الحكومة المتكرر استطعنا تجنب ذلك بحيث لم تواجه الحكومة أي برلماني،
ولم تواجه أي اقتراح بسحب الثقة فيها. بل أن موقف الحكومة البرلماني
قد زاد قوة حتى بلغ 80% في عام 1989م. هذا خلاف لما كان عليه الحال
عشية انقلابي نوفمبر 1958م مايو 1969م. فقبل الانقلاب الأول اضطربت
الأحوال الحزبية والبرلمانية بحيث حدث تسليماً وتسلماً للانقلابيين.
وعشية الانقلاب الثاني كان رئيس الوزراء مستقيلاً والأحوال الحزبية
والبرلمانية، تواجه ما يشبه فراغاً دستورياً.
واستطاعت الديمقراطية الثالثة أن تواجه التحديات غير البرلمانية
الخطيرة مثل: إنهيار الخدمات التام وتوقف الكهرباء والمياه وصنع
الخبز وتوقف المواصلات وغيرها من مظاهر الشلل التي اعقبت الأمطار
والسيول والفيضانات في أغسطس 1988م. ومواجهة المظاهرات والإضراب
العام الذي أعقب زيادة السكر إلي 3 جينهات في ديسمبر 1988م. ومواجهة
مذكرة القوات المسلحة في فبراير 1989م. وهي قضايا ما حدث مثلها في
بلاد أخرى إلا تراجعت الحكومة عن موقفها تماماً أو تغير النظام
الدستوري نفسه. ولكن أمكن مواجهتها دون تراجع من المواقف المبدئية
وفي إطار الشرعية الدستورية القائمة.
أما العلاقات السودانية المصرية فقد حسمت في إطار ميثاق الإخاء،
وكذلك اتفق علي ميثاق إخاء سوادني ليبي بل استطاعت لجنة رباعية قومية
كان مقررها وزير الخارجية الحالي بصفته وكيلاً للوزارة آنذاك أن تضع
برنامجاً مفصلاً لسياسة السودان الخارجية، برنامجاً نوقش علي أوسع
نطاق وأجيز ليكون دليلاً لسياسة البلاد الخارجية الدولية والإقليمية
والإسلامية والعربية والأفريقية.
كذلك أمكن التوصل لسياسات قومية حول كل القضايا الوطنية نحو إصلاح
التعليم العام والعالي والخطة الاقتصادية وهلم جرا.
السؤال الرابع عشر: في تصريح سابق بعد المصالحة الوطنية في يوليو
1977م قلت أن أسلوب المعارضة من الخارج أسلوب فاشل لأنها ترهن قرارها
وتربطها بإرادة الدولة المضيفة .. فهل ينطبق رأيك هذا علي المعارضة
القائمة اليوم والذي تتخذ من القاهرة مقراً لها؟
الرد: لقد اعتقلني النظام المايوي في 5 يونيو 1969م وأطلق سراحي في
مايو 1973م. وعند إطلاق سراحي فضلت البقاء في السودان وبقيت حتى وقعت
انتفاضة شعبان في سبتمبر 1974م. بعد الانتفاضة قفل النظام المايوي كل
فرصة أمام الرأي الأخر وأعاد اعتقالي مرة أخرى في ديسمبر 1974م وحولت
إلي سجن بورتسودان ثم أطلق سراحي في مارس 1975م. قفل كل طريق للرأي
الآخر أقنعني ألا مقام لي في السودان فخرجت من البلاد مضطراً في
أبريل وبعد انتفاضة يوليو 1976م قرر النظام المايوي أن دعواه أن
القوى السياسية دجنت دعوى فارغة ففتح حواراً ومجالاً للرأي الآخر.
فقررت أنه إذا وجد مجال للرأي الآخر فعلي العودة إلي السودان وتم
لقاء بورتسودان واتفاق المصالحة الوطنية وعودتي إلي السودان. وبقيت
في السودان حتى نهاية النظام المايوي.
ورأيي الآن أنه إذا وجد أي مجال للرأي الآخر فالواجب أن يبقي
الوطنيون في بلادهم ويناضلون من أجل أهدافهم. ولا يبرر الخروج من
البلاد إلا قفل كل الدروب أمام الرأي الآخر فالضرورات تبيح
المحظورات.
السؤال الخامس عشر: بعض الآراء أن كل المحن والمآسي التي ألمت في
السابق بالشعب السوداني خرجت من تحت عباءة الطائفية.. كيف ترد علي
هذا الآراء؟
الرد: أهم المنجزات التي تحققت في السودان الحديث هي:
أ-
القرار في مؤتمر جوبا 1948م بأن يكون
السودان موحدا، خلافاً لما كانت عليه السياسة البريطانية في السودان
منذ عام 1918م.
ب-
استقلال السودان بإجماع أهله في
البرلمان المنتخب في 19 ديسمبر 1955م وبإعلان الاستقلال في يناير
1956م.
ج-
نمو القطاع الحديث السودان في التعليم
والاقتصاد.
د-
إجماع الرأي أن يكون السودان جمهورياً.
ه-
التقاء الرأي حول هوية السودان إسلامية
عربية أفريقية.
في كل هذه المنجزات لعب الإمام عبد الرحمن المهدي دوراً هاما. لعب
دورا في التمهيد لمؤتمر جوبا بتطمين العناصر الجنوبية أن حقوقها في
السودان الموحد مكفولة، وكان نجم المؤتمر صديقه الحميم ومستشاره
السياسي السيد محمد صالح الشنقيطي. قام الإمام بدور أساسي في
استقلال السودان ابتداءً من رفع شعار السودان للسودانيين إلي هزيمة
برتوكول صدقي/ بيغن في عام 1945م إلي تثبيت حق السودان في الأمم
المتحدة ضد وفد النقراشي باشا في 1948م إلي تكوين الجبهة الاستقلالية
إلي تعبئة الشعب السوداني في وجه التيار الاتحادي الذي عم البلاد بعد
نتائج انتخابات 1953م.. تعبئة أقنعت القيادة الاتحادية بحتمية
الاستقلال. ثم تطمين القيادة الاتحادية أنها إذا اتجهت نحو الاستقلال
فسوف تدعمها القوى الاستقلالية ثم اقناع الاخوة الجنوبيين جمعياً
بالوقوف مع استقلال السودان، وأن السودان المستقل سيأخذ مطلب
الفدريشن الذي يطالبون به في الحسبان عندما يوضع الدستور وقدم لهم
ضماناً.. هذه المجهودات الشاقة المكلفة في الصحة والأعصاب والعرق
والمال تجاوب معها في الوقت المناسب السيد إسماعيل الأزهري والسيد
علي الميرغني مما أدي في النهاية لاجماع الكلمة علي استقلال السودان،
ويمكن لمن يريد الاطلاع علي تفاصيل ما حدث أن يجد ذلك في كتاب
السيادة علي السودان الذي ألفه السيد ذو الفقار علي صبري المصري وهو
جهة لا يمكن أن تتهم بالانحياز للإمام عبد الرحمن.
لم يقف الانصار ولا الختمية عقبة في سبيل التعليم الحديث ولا
الاقتصاد الحديث كما فعلت القوى التقليدية المماثلة في البلاد
العربية والافريقية كاليمن مثلاً. بل قاموا بأدوار مؤيدة للتطوير
التعليمي الرسمي، والأهلي ورعوا صحوة الخريجين، وكان الإمام عبد
الرحمن رائد الزراعة والصناعة في القطاع الخاص السوداني وحقق بذلك
تحولاً حضارياً في منطقتي النيل الأبيض والأزرق اذ صار إنتاج القطن
في القطاع الحديث مقارب لانتاج القطاع العام الذي حقق ما حقق عبر
خمسين سنة من العمل، وهذه المواقف المشرقة بتفاصيلها موثقة في دار
الوثائق القومية ولا تترك مجالاً للمغالطات.
وتبارت قيادة الأنصار والختمية في الدعوة للجمهورية في السودان
وكان يمكنهما أن يفعلا ما فعلت القوى التقليدية الأخرى في ظروف
مماثلة. وساهم الأنصار والختمية مع غيرهم في أن تكون هوية السودان،
عربية، إفريقية، إسلامية، وساهموا في تطمين الاقليات السودانية بأن
الكيان السوداني سيحافظ علي حقوق ومصالح الأديان والأعراف الأخرى
بتسامح خال من التعصب.
إن
المحن والمآسي الكبرى التي ألمت بالشعب السوداني هي: الاستبداد
السياسي والقهر وإطلاق أيدي أجهزة القمع والتراشق بالسلاح وحمامات
الدم والإعدامات والسجون، والحروب الأهلية التي أنتهكت السودان، ورفع
شعارات غير مدروسة ومحاولة فرضها بالقوة المستعلية تارة باسم
الاشتراكية وتارة باسم الإسلام، وتكبيل السودان بدين خارجي بلغ 10
مليون دولاراً في 1985م، وتزايد سنوياً بفعل الفائدة بمعدل بليون
دولار في السنة حتي يومنا هذا، وانهيار قيمة الجنيه السوداني حتى لم
يعد يساوي شيئاً، والتخلي عن التوازن الخارجي، وربط السودان بمعسكرات
دولية (الربط بالشرق في أوائل عهد مايو أدي لتعرض السودان لعدد كبير
من المؤامرات الحزبية ضد أمنه وسلامته .. ثم ربط السودان بالغرب مما
أدي لتعرضه لمؤامرات شرقية أهمها قيام حلف عدن ضد السودان عام 1982م،
واحتضان هذا الحلف لتمرد داخل السودان هو الأكبر حجماً خطراً حتى
الآن).. هذه المحن والمآسي لم يكن لما تسميه الطائفة يد فيها .. بل
إنها من صنع الحكومات الاستبدادية التي حكمت السودان 26 عاماً من
عمره الحديث الذي بلغ 36 عاماً.
السؤال السادس عشر : ما هو أخطر قرار اتخذه الصادق المهدي إبان
فترة حكمه الأخيرة؟ وما هو القرار الذي اصدره ثم ندم عليه؟
الرد :
أخطر قرار اتخذته واتخذه حزب الأمة في بداية العهد الديمقراطي هو أنه
مهما كان انتماؤنا الحزبي ينبغي أن يكون نهجنا الحكومي قومياً. ومهما
كانت ارتباطات السودان الخارجية فسيكون قرارنا السوداني بشأن قضايا
السياسة الخارجية مستقلاً ونتخلي عن أي ارتباطات عسكرية أو تسهيلات
للدول الأخرى. ونواجه في سبيل ذلك ما نواجه وقد كان.
أما
القرار الذي اتخذته وندمت عليه فهو التعجيل برفع يد الدولة عن جريدتي
الأيام والصحافة بأمل أن يصدرها أصحابها فوراً، ولكن هذا لم يحدث مما
خلق فراغاً صحفياً ملأته صحافة تصرفت في كثير من الأحيان بصورة خلطت
بين الحرية والفوضى وخلقت مناخاً معادياً للديمقراطة نفسها. وكان
الأفضل أن يستمر إصدار الصحفيتين القوميتين حتى إقرار قانون الصحافة
وحتى وضع دستور البلاد.
السؤال
الرابع عشر : كيف كان سيكون مستقبل السودان إذا كان الصادق المهدي
يجلس علي كرسي الحكم حتى اليوم؟.
الرد : أرجو أن تعفيني من الرد علي هذا السؤال. لأنني لم أكن احكم
بصورة فردية بل ضمن مشاركات حزبية وائتلافية وقومية لا يمكن تقدير
تصرفات الأطراف المشاركة فيها لأي درجة من الموضوعية. لذلك فإن أجبت
علي هذا السؤال لن يكون جوابي إلا طائفة من التمنيات .
السؤال الثامن عشر : ألا تعتقد أن القوالب الحزبية بدأت في الذوبان
والانصهار في بوتقة جديدة واحدة؟
الرد : في كل مجالات الحياة الجديد يطرد ما يسبقه إن كان افضل منه
عطاء وأداء. ولكنه إن كان أسوأ منه عطاء وأداء فإنه بذلك يكرس ما
سبقه بل ويدعمه علي أساس وبضدها تتبين الأشياء . هنالك من يرون أن
النظام الحالي بأدائه وعطائه حسن صورة النظام الذي سبقه في كل
المجالات . ولكن هذا الأمر سيظل محل مغالطات مثلما كان الحال في
بورما وفي بولندا وفي الجزائر وفي زامبيا ثم أجريت انتخابات عامة حرة
فاكتسحت الأحزاب الحاكمة اكتساحاً وهزمت دعاويها الأحادية الشمولية.
وسوف تتضح الحقيقة في السودان عندما تكفل الحريات الأساسية.
السؤال التاسع عشر : النظام السياسي في عهدكم لم يكن نظاماً حزبياً
ديمقراطياً بقدر ما كان نظاماً أوتقرطياً طائفياً تتحالف فيه
الطائفية الدينية مع الرأسمالية المحلية .. ما هو دفاعك عن هذا
الاتهام؟
الرد : السودان بلاد قليلة التعليم ومتخلفة
اجتماعياً واقتصادياً. لذلك فإن مؤسساتها العامة ستكون مرآة لهذا
التخلف. والديمقراطية نمط متقدم من الحكم لم ينضج حتى في أعرق البلاد
إلا عبر نضال وتقدم وانتكاس دام عشرات السنين. إن قصور مجتمعنا عن
الديمقراطية أمر موضوعي ويظهر في كل صورة مثلاً الجمعية التعاونية
وما تعاني من مشاكل وفي الأندية الرياضية والثقافية وغيرها. كما أن
التخلف يظهر في أداء كل مؤسساتها العامة كالخدمة الوطنية وأجهزة
الأمن والدفاع والمؤسسات الاقتصادية وغيرها.التحدي الأساسي هو أن
توجد ظروف في السودان تسمح للديمقراطية أن تنمو وتسمح للتحديث أن
يتقدم في كل المجالات. والسؤال هو أي مناخ افضل لهذه التطورات؟ جوابي
هو أن مناخ كفالة الحريات الأساسية هو الافضل لأن مناخ القرار الفوقي
ومنع الحريات يسبب شللاً تاماً ولا يزيل الخلافات بل تتحول الي أعمال
سرية أو أنشطة مهاجرة.
بالنسبة للتهم التي ذكرت خذ حزباً كحزب الأمة مثلاً. لقد واجه الحزب
مشاكل التطور الديمقراطي والتحديث عبر المراحل الأتية : في عام 1950م
عندما وضع دستور الحزب اقترح أن يكون للأمام وهو راعي الحزب حق النقض
(الفيتو ) في قرارت الحزب. نوقش هذا الأمر وانقسم حوله الرأى. وانحسم
الجدل باصدار الإمام بياناً تخلي فيه عن أي تدخل في قرارت الحزب.
كان مرشحي الحزب يرشحون بقرار مركزي وبعد شد وجذب تقرر أن يكون
لأصحاب الدائرة الانتخابية حق انتخاب المرشح. كان تكوين المكتب
السياسي ومجلس الوزراء تهيمن عليه عناصر عاصمية. هذا الأمر كان محل
شد وجذب ثم حسم علي أساس نسب معلومة تحقق المشاركة الإقليمية
العادلة. اختلف حول الهوية الفكرية للحزب وبعد جدل طويل اتخذ قرار في
اجتماع سري في عام 1963م في الجزيرة أبا (سري لأن البلاد كانت تحكم
عسكرياً) وتقرر التزام الحزب بالنهج الإسلامي .. قرار تطور فيما بعد
علي يد المؤتمر العام للحزب في برنامج نحو آفاق جديدة ثم برنامج
إصلاح وتجديد ثم برنامج نهج الصحوة . وفي عام 1966م وقعت مساءلات من
الهيئة البرلمانية لحزب الأمة لرئيس الوزراء آنذاك السيد محمد أحمد
محجوب رحمه الله. وتكونت لجنة برئاسة أمين التوم أمد الله في عمره
لتوجيه المساءلات والتحقيق. وحدث شد وجذب حول قضية من يرشح ويختار
رئيس الوزراء؟ قال البعض يرشحه ويختاره راعي الحزب وقال آخرون
–
وكانوا أغلبية –
ترشحه وتختاره الهيئة البرلمانية. وتطور النزاع إلى أن أدى إلي
انشقاق حزب الأمة المؤسف. ثم جاءت عوامل أدت إلى إنهاء الإنشقاق
وتثبيت مبدأ أن الهيئة البرلمانية هي التي ترشح وتختار وتحاسب رئيس
الوزراء .. هذا كله دليل علي ان الخط الديمقراطي والتحديث كان
باستمرار في تطور .
أما نفوذ أصحاب روؤس الأموال فهو كبير في كل المجتمعات لأن للمال
قدرات. وفي ظل النظم الديمقراطية سيكون لأصحاب الأموال ولأصحاب
الزعامات الدينية والقبلية حتماً نفوذ. لكن هذا النفوذ يقوم علي
عوامل موضوعية ولن يختفي مهما غيرت نظام الحكم. السؤال هو هل يخضع
هذا النفوذ لتطور صحي في ظل النظم التي تكفل الحريات الأساسية أم في
ظل نظم تكتم الحريات؟. إنني أرى أن مناخ الحريات الأساسية والنيابة
والتنافس والمساءلة يطور ذلك النفوذ وتلك الولاءات بطريقة صحية. ولكن
في غيبة الحريات الأساسية فإن تلك الولاءات ونفوذ أصحاب روؤس الاموال
سيبقي ويمارس بطريقة غير صحية ولا يتطور. إن الولاءات التقليدية
ونفوذ أصحاب الأموال جزء لا يتجزاء من الواقع الاجتماعي السوداني،
وهي مظاهر تتطور في ظل النظم التي تقوم علي النيابة والتنافس
والمساءلة وحرية الصحافة واستقلال القضاء. وتتكرس في ظل النظم التي
تكتم الحريات الأساسية، إن أصحاب الأموال وأصحاب الزعامات التقليدية
الدينية والقبلية اليوم اوسع نفوذاً وأكثر قدرة.
السؤال العشرون : البعض يري أن دائرة المهدي ودائرة الميرغني هما
مركزين لتركيز الولاء الصوفي وتحويله لولاء سياسي .. ما تعقيبك علي
هذا الرأى؟
الرد : إن الذين التفوا حول الإمام عبد الرحمن من
الأنصار التفوا حوله لأنه ابن الإمام المهدي فهاجروا إليه للمشاركة
في الجهاد في سبيل الله. والإمام عبد الرحمن صارحهم بأنه غير مكلف
بالجهاد قتالاً ولكنه يعمل بوسائل أخرى لتحقيق أهداف الجهاد. وأوضح
لهم ماهية تلك الوسائل واستطاع أن يحقق معهم الآتي :
·
إعادة تكوين كيان الأنصار علي أساس
تربية روحية اجتماعية حافظت علي سلامة العبادات وعلي روح الجهاد .
·
إصلاحات اجتماعية كبرى في تبسيط وتسهيل
المآتم ومحاربة العادات السودانية الضارة كالشلوخ والخفاض الفرعوني
وهلم جرا.
·
المشاركة في الصحوة الوطنية والدعوة
الاستقلالية.
الإمام عبد الرحمن كان صادقاً مع من التفوا حوله، وعندما يطلع أهل
السودان علي وثائق تاريخه سوف يلقبونه أبا السودان الحديث.
وأنا اعتقد أن السيد علي الميرغني من منطلقات مختلفة ساهم في بناء
السودان الحديث ورعاية فريق هام من الحركة الوطنية السودانية. صحيح
أن البعض يدين دائرتي المهدي والميرغني ولا يخلو أحد من قادحين. ولكن
أهل السودان لو استفتوا الآن بحرية حول دور دائرة المهدي أو دور
صاحبها الإمام عبد الرحمن لقال أكثرهم انه قد أصاب نفعا خاصاً
معنوياً أو مادياً منه، وألسنة الخلق أقلام الحق.
السؤال الحادي والعشرون : بعض الأقلام تتهمك بأنك كنت تعين
المقربين من الأهل في الوزارات والمناصب القيادية الحساسة وهم دون
الخبرة والكفاءة والمؤهل العلمي المطلوب، وبعضها يتهمك بأنك وأدت
الديمقراطية داخل حزب الأمة .. كيف ترد علي هذه الأقلام؟.
الرد : أقوال لك صادقاً : لقد كان علي قمة حزب الأمة مكتب سياسي
منتخب وهيئة برلمانية منتخبة .. ولم أتدخل في ترشيح الذين انتخبوا في
الحالتين. وأقول لك أن هذه الأجهزة كانت تجتمع بانتظام وتناقش وتقرر
ووقائع هذه المداولات ووقائع الأجهزة المتفرغة مثل اللجنة التنفيذية
موجودة في مكان ما. وأقول قولاً واحداً أن أي موضوع سياسي أو تشريعي
أو تنفيذي نوقش واتخذ قرار ديمقراطي بشأنه. والتهمة التي كانت توجه
لي في هذا الصدد أنني كنت ديمقراطياً أكثر من اللزوم في ظروف بلادنا
المتخلفة. وإنني بطبعي أكرم الناس واحترم الرأي الآخر في كل مجال،
واتهامي بالدكتاتورية من باب : ومن يك ذا فم مر مريض، أو (الما بريدك
في الضلمة يحدر ليك) وأنا أفهمها علي أساس أنها زفرات كراهية لا يخلو
أحد من الناس منها، ويعوضني الناس قصادها آيات ثقة وحب خشيت ومازلت
أن تكون لي فتنة. أما بخصوص أقاربي فإنني قد عينت عشرات الناس في
الوظائف الدستورية المختلفة من وزراء مركزيين ووزراء ووزراء دولة،
وحكام أقاليم ووزراء إقليميين ... الخ. ولم يكن من أقاربي في هذا
العدد الضخم إلا اثنان هما مبارك ورشيدة. وأقول من عينت تضاهي
كفاءتهم الأكاديمية وخبرتهم رصفاءهم حتى من كوادر أحزاب الصفوة.
السؤال الثاني والعشرون : الديمقراطية الثالثة اهتمت بتصفية الخصومات
السياسية والتعويضات المالية ولي ذراع المعارضين والمناوئين كما
اهتمت بالطموحات الشخصية، وتغيير الحكومات والوزراء، ناسية الاهتمام
بشئون الوطن وقضايا قوات الشعب المسلحة .. كيف تدافع عن هذه
الاتهامات؟
الرد : الديمقراطية لم تشهد مباريات خصومة سياسية علي نحو ما حدث في
الديمقراطية الأولي وأدى إلى انقسام حزب الأمة. وطبعاً لم تشهد
الديمقراطية الثالثة العداوات والحروب الكلامية، والإعدامات بين
الزملاء ورفقاء السلاح التي اتسمت بها النظم الدكتاتورية عموماً، بل
الديمقراطية الثالثة خلت تماماً من المراشقات الكلامية اللاذعة وما
حدث من اختلافات حافظ علي حجم عادي وكانت العلاقات والمداعبات بين كل
الأطراف مستمرة بل كان جميع القادة في كل الأحزاب يجتمعون مرة في
الشهر ويدعون للمناسبات الرسمية والاجتماعية ولم يتخلف أحد أو يقاطع
مهما اختلفت الآراء .
مسألة التعويضات المذكورة لم تنشأ إلا مرة واحدة وفي داخل وزارة
المالية وقررتها لجنة فنية من وزراء المالية ولم يتهم بها أحد إلا
عندما أثارتها المعارضة في الجمعية. وهنالك ألقيت بيانات كافية عن
حقيقة الأمر، واتضحت صحة الإجراءات ومع ذلك قررت أن يحال الأمر برمته
للقضاء، وقد كان. هذه المداولات كلها تمت في جلسة واحدة وانتهي.
تغيير الحكومات والوزراء أثناء الديمقراطية الثالثة كان ضمن طريقة
حافظت علي استمرار بعض ملامح الحكم الأساسية واستيعاب المتغيرات. وقد
أوضحت في كتابي عن الديمقراطية في السودان
المبررات الموضوعية للتغييرات الوزارية. التغييرات الوزارية مفهومة
جداً في ظل نظام ديمقراطي فيه ما فيه من تنافس وتجاذب. ولكن حتى
النظم الاوتقراطية كانت أكثر حركة في إعفاء وتعيين الوزراء بحيث كان
متوسط عمر الوزير في عهد مايو نصف عام. وعن النظام الحالي فلا يوجد
من وزراء 20 يونيو 89 الآن إلا أربعة وأعمار الآخرين الوزارية كانت
قصيرة.
أما الاهتمام بشئون القوات المسلحة وقضاياها فقد أوضحته في الرد علي
أسئلة أخرى.
إن هذه المآخذ علي الديمقراطية الثالثة هي تهم عارية من الصحة يسوقها
الذين يريدون إيجاد مبرر لوأد الديمقراطية.
السؤال الثالث والعشرون : لو كنت في كرسي الحكم اليوم، كيف كنت تعالج
النزاع الحالي القائم بين السودان ومصر حول مثلث حلايب؟
الرد: لقد اقترحت ميثاق الإخاء كأساس للعلاقات الخاصة بين السودان
ومصر وهو ميثاق قبله الاخوة في مصر وكان يعبر عن رأى أهل السودان
القومي : ميثاق الإخاء حدد أسس المصالح الثابتة المشتركة بيننا وبين
وأشقائنا في مصر وقرر أن تعالج المتغيرات عن طريق اجتماعات قمة دورية
ولجان فنية للمسائل ذات الطابع الفني كالحدود ومياه النيل.
الميثاق أوجب أن يفترض قيام حالة حسن الجوار بين البلدين والالتزام
بعدم التدخل في شئون الغير .. الخ. هذه العوامل الآن غير متوافرة ولا
بد من توافرها. لو كنت المسئول لعملت علي توافر تلك العوامل وحل
الإشكال في إطار ميثاق الإخاء.
السؤال الرابع والعشرون : لماذا فشلت الحزبية الطائفية في إقامة نظام
حكم إسلامي في السودان؟.
الرد : النظام الحالي قد اشتركت فيه أو حالفته أو دبرته عناصر أعلنت
اهتمامها البالغ بالإسراع بإقامة حكم إسلامي. ولكن لعوامل موضوعية لم
يشأ النظام أن يذكر شيئاً عن الإسلام إلا بعد مرور عام ونصف من
قيامه. وعندما أراد النظام أن يقوم بتشريع إسلامي محدد لم يجد
تشريعاً يصدره إلا القانون الذي أجازته الجمعية التأسيسية التي هيمنت
عليها القوى التي تسميها حزبية طائفية. فإن كان القانون صحيحاً فإنه
يدل علي سلامة من أجازوه .أليس كذلك؟
إن المشروع الإسلامي ليس قرارات حماسية تصدر وشعارات ترفع فالمطلوب
أن يكون بديلاً حضارياً ونظاماً اجتماعيا يعالج فيما يعالج خلافات
الإسلاميين أنفسهم، ويعالج فيما يعالج التعامل مع العصر الحديث
والمجتمع الدولي المعاصر، ويعالج فيما يعالج مصالح وحقوق المجموعات
الوطنية غير المسلمة من أهل السودان. وهذه القضايا ضخمة لا يمكن
القفز فوقها بعصا الشعار. إن قضية الإسلام في السودان ليست محل خلاف
في حد ذاتها كما هو الحال في كثير من البلاد العربية والإسلامية. وقد
وضعنا أسسا سليمة للاتفاق الوطني علي المشروع الإسلامي وكنا نزحف به
حلقة حلقة ونواجه العقبات واحدة واحدة. ولكن بعض حلفائنا في هذا
المشروع استبطئونا ورأوا أن ثمة طريقاً مختصراً لاستلام السلطة
وتحقيق المشروع الإسلامي من منبر السلطة. أقول : إن أهم من حاول
اختصار الطريق إلى البرنامج المطلوب في السياسة الحديثة هو فلادمير
لينين، قال : لا داعي لإنضاج عوامل التغيير ومن فوقها نفرض البرنامج
المطلوب .
السؤال الخامس والعشرين : كانت آراء نواب الجمعية التاسيسة بالنسبة
للقرار السياسي رهن إشارة القادة والسادة في الحزب ما تعليقك؟
الرد : نصف نواب حزب الأمة في الجمعية التأسيسية عام 1986م كانوا من
خريجي الجامعات والمعاهد العليا، هل تعتقد أن هؤلاء يمكن أن يقبلوا
إشارة من أحد؟ إنه من دواعي الأمية السياسية أن يعتقد أحد الناس
بذلك. إذا كان الإمام عبد الرحمن في أوج قوته قد اصدر بيانا يقول فيه
أنه لا يملك حق النقض لقرارات حزب الأمة هل يمكن لأحد كائن من كان أن
يتصور أن إصدار تعليمات أو إشارات للمكاتب السياسية أو الهيئات
البرلمانية بعد ثلاثين سنة وأكثر من هذا البيان التاريخي أمر ممكن؟
السؤال السادس والعشرون : ما رأيك في الأقلام السودانية التي تهاجم
السودان في بعض الصحف والمجلات؟
الرد : لا أعتقد أن أحدا يهاجم السودان ولكن هناك من يكتب وجهة نظر
تؤيد أو تعارض حكومة السودان، فأنا مثلاً دعيت لإلقاء محاضرة في بنك
فيصل وقبل الموعد المحدد ألغت سلطات الأمن المحاضرة ودعيت لأخرى في
قاعة الشارقة ومرة أخرى ألغيت المحاضرة هل بقي لي خيار في أن أنشر
الرأي في المجال الخارجي ومهما كان الأمر؟ إنني أشجب أي هجوم علي
السودان في الداخل أو الخارج ولكنني أراعي الرأي الحر الموضوعي الذي
يراعي مصالح البلاد الوطنية العليا ويلتزم الموضوعية.
السؤال السابع والعشرين : لماذا فشلت القيادات الطائفية الحزبية في
تقديم النموذج القويم للديمقراطية؟.
الرد : الديمقراطية الثالثة في السودان واجهت مشاكل عديدة تلك
العوائق هي:
1.
قصور بدرجات متفاوتة في الأحزاب منع
بعضها من تطوير نفسها. هذا الضعف كان وارداً علاجه إذا صدر قانون
تسجيل الأحزاب وأوجب درجة محددة من التطور والانضباط. وهناك أحزاب
لعبت دوراً معوقاً لأنها لا تؤمن بالديمقراطية أصلا .
2.
قصور نقابي أدى لانفجار مطلبي واستغلال
سياسي كان يمكن علاجه عن طريق الميثاق الاجتماعي .
3.
تفريط صحفي خلط بين الحرية والفوضى وكان
يمكن تجنبه عن طريق قانون صحفي محكم ومحكمة صحفية مؤهلة .
4.
خلل في العلاقة المدنية العسكرية كان
وارد علاجه عن طريق قانون جديد للقوات المسلحة.
5.
استنزاف للبلاد بسبب الحرب الأهلية
وتعثر السلام بأسباب خارجية لعب فيه منقستو دوراً هاماً وتعويق داخلي
ويميني ويساري.
6.
مؤامرات خارجية ضد الديمقراطية تقف
وراءها عناصر قلقة من نجاح الديمقراطية ومن أصالة التوجهات في ظل
الشرعية الشعبية.
هذه العوامل كلها واضحة وكان يمكن علاجها لو أعطت الديمقراطية فرصة
وهي لم تفشل ولكنها وئدت.
السؤال الثامن والعشرون : يرى البعض أن القيادة التقليدية لم تساعد
في وحدة السودان بل أنها وظفت الدولة لحماية مصالحها الخاصة ما
تعليقك علي ذلك؟
الرد : الإمام عبد الرحمن جمع الأنصار وبعث كيانهم محافظاً علي سلامة
العبادات وروح الجهاد واستطاع أن يجعل الأنصار طليعة من عملوا لتحقيق
استقلال البلاد.. في سبيل ذلك ضحى بكل شئ صحته وماله وهدوء باله بل
إنه عندما انتقل إلى رحمة مولاه كان دينه مستغرقاً كل ممتلكاته !.
الإمام الصديق من منطلق قيادة الأنصار جمع أهل السودان عبر الشورى
والديمقراطية وقاد الموقف الوطني بصلابة حتى فجعه الهجوم علي الشباب
الأعزل في ساحة المولد بالسلاح في عام 1961م فتوفاه الله بعلة موصولة
بهذا السبب وكانت آخر كلماته : خيركم من مات علي وصية عليكم بالشورى
والديمقراطية. والإمام الهادي واجه التسلط المايوي في عنفوان تحالفه
مع المعسكر الشيوعي وعبر بذلك عن صمود أهل السودان وقتل في موقف
الصمود شهيداً للوطن والدين .. وفي الحالات الثلاث استظلت القوى
الوطنية والإسلامية السودانية التي أرادت الاستقلال والإسلام والحرية
بمواقفهم وفي كل الحالات كان بإمكان قيادة الأنصار أن تساوم وتضمن
مصالحها الخاصة وقد عرضت عليهم خطط المساومة فرفضوها مضحين بكل شئ
وأعتقد أن الذين يثيرون هذه الشبهات يعترفون بهذه الحقائق بل كانوا
من الذين احتموا بمظلة قيادات الأنصار المذكورة ولكن قال تعالى: (
وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً. ) الآية .
السؤال التاسع والعشرين: هل تعتقد أن هناك خطر علي السودان من النظام
العالمي
الجديد ؟.
الرد : النظام العالمي لم يتكون بعد وهناك تيارات عديدة ساعية
لتكوينه. قوة الهيمنة العالمية تريد أن يكون النظام العالمي الجديد
جواز مرور لانفرادها بالسلطان الدولي ولكن هنالك احتمالات أن ينشأ
توازن قوى جديد وتتمكن القوى الإقليمية الإسلامية والأفريقية
والعربية وغيرها من تقوية فعاليتها لتلعب دورا في ترسيخ الشرعية
الدولية وربطها بالعدالة. إذا نجحت قوى الهيمنة الدولية في جعل
النظام الجديد وسيلة لبسط هيمنتها فإن كل الدول الضعيفة خاسرة وإن
استطاعت القوى الأخرى أن تقيم توازناً دولياً فإن النظام العالمي
الجديد سيكون أعدل وأفضل .
السؤال الثلاثون : ما رأيك في الصحوة الإسلامية التي تشهدها العديد
من الدول العربية؟.
الرد : هناك أسباب لبعث ديني في كل العالم عددتها في مجال أخر وهنالك
عوامل لبعث إسلامي هي بالإضافة لأسباب البعث الديني : تطلع المسلمين
لإحياء الماضي المجيد، التعلق بالقيم الروحية، تحقيق العدالة
الاجتماعية وتحقيق الكرامة والذاتية، وتحقيق الإنصاف من المظالم
الاستعمارية المتراكمة والهزائم التي لحقت بالأمة. البعث الإسلامي
المشاهد اليوم في العالم ظاهرة تدل علي الصحوة الدينية واليقظة
الإسلامية.
إن التعبير عن البعث الإسلامي اليوم يتخذ شكلين :
شكل الانكفاء وهو يعامل البعث كأنه عودة للماضي وشكل الصحوة الذي
يعامله علي أنه الحاضر والمستقبل ويستصحب النافع من العصر الحديث
ويعالج مشاكل الاقليات غير المسلمة ويتعامل مع الآخر الديني والدولي
علي أساس التعايش والتسامح، قال تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم
يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ).
الانكفاء يعمق الفتنة داخل صفوف المسلمين ويعطي القوى الخارجية ذرائع
للتدخل الصحوة تصالح المسلم مع عصره من منطلق إسلامي وتساهم في خلق
نظام دولي.
السؤال الواحد والثلاثون: ما هي الجهة التي تعتقد أنها وراء محاولة
الاغتيال التي تعرض لها مؤخراً الدكتور حسن الترابي بكندا؟
الرد : أعتقد انه حادث اعتداء فردي .
السؤال الثاني والثلاثون : هل سبق وأن فكرت في الانضمام للمعارضة
بالخارج .
الرد: لا لم أفكر في ذلك.
السؤال الثالث والثلاثون: هل تتحرك اليوم بكامل حريتك؟
الرد: منزلي ترابط فيه جماعات الأمن وهم يحصون من يدخل ويخرج من
الناس. أحيانا كثيرة يعتقل أقربائي وأصدقائي وأعواني ويتعرضون
لمعاملة قاسية ويقال لهم أن هذا بسبب علاقتهم بي فإن أرادوا السلامة
فليبتعدوا وأحياناً إذا دعيت لإلقاء محاضرة أو هممت بإلقاء خطبة امنع
وأحياناً أخرى استدعى للاستجواب وامكث ساعات طويلة في ذلك الاستجواب
وأنا ممنوع من مغادرة العاصمة للخارج السوداني أو الدولي إن حريتي
مقيدة جداً جداً ولكن رغم ذلك سمح لي بطرق إيجازية بإعطاء أحاديث
صحفية علي مسئوليتي الشخصية وهذا طبعاً فيه بعض الحرية علي وزن
(حنانيك بعض الشر أهون من بعض).
السؤال الرابع والثلاثون : هل تقرأ الصحف والمجلات السودانية
بانتظام؟
الرد : لا أقرأها بانتظام.
السؤال الخامس والثلاثون : كيف يقضي رئيس الوزراء السابق أوقات
فراغه؟
الرد: عباداتي واطلاعاتي الفكرية والثقافية منتظمة وتستغرق بعض
أوقاتي وتحضيري لكتاباتي في السيرة النبوية والتفسير مستمر، استمع
للإذاعات العالمية بانتظام وأشرف علي أعمالي الخاصة في الزراعة
والصناعة وأواصل نشاطاً أنصارياً إرشاديا وأقوم بنشاط اجتماعي من
زيارات وعيادات وتشييع جنائز
…
الخ وأواصل نشاطاً عائلياً مع أسرتي الأصغر والأكبر وأمارس الرياضة
من مشي وركوب خيل وغيرها. الخلاصة أنني من الناحية الشخصية أملأ وقتي
بالنافع الذي يحقق لي بناء ذاتياً ولله الحمد.
التالي
أجرت هذه المقابلة مع رئيس الحزب صحيفة الملتقى وهي صحيفة كانت
تصدر من داخل السودان تاريخ المقابلة هو 9/8/1992م إبان فترة
المواجهة مع النظام.
البيان المذكور بتاريخ 20 سبتمبر 1950، جاء فيه: حيث أن أحداثا خلقتها بين
توجيهاتي لحزب الأمة ومركزي في قيادة الأنصار دعاني أن أوقف أي
تدخل بين علاقة حزب الأمة في قراراته وأعماله كحزب سياسي وعلاقته
بالأنصار إلا فيما يتصل بالتأييد الشعبي للمبدأ. وإن رئاسة
خليفتي (يعني الإمام الصديق) للحزب كافية الآن في اتصالاته
التنفيذية به.- تدفع الدائرة المعونة السنوية للأعمال.- تفصل
ميزانية الحزب من الدائرة وتحدد أعماله السياسية منفردا عن
وكالات الأنصار في المراكز الخارجية.- تلغى المذكرة الأخيرة التي
تخول لي حق الرفض في قرارات الحزب لأنها هي السبب لهذه الحملة
الطائشة. أنظر الانشقاق في حزب الأمة بالوثائق.
|