كتاب الحل السياسى الشامل: مقدمة
كشاف الوثائق
 
 
 
 
 
 



بسم الله الرحمن الرحيم

الحل السياسي الشامل

أدبيات حزب الأمة في الفترة

ما بين يونيو 1989-أغسطس 2002م

 إعداد: لجنة كتاب الحل السياسي الشامل

حزب الأمة

2002م


 

 

مقدمة

ظلت مسيرة السياسة السودانية تفتقر للتوثيق والنشر بصورة لا تتناسب مع ثراء تلك المسيرة وغنى مفرداتها من حيث تعاقب الأنظمة الديكتاتورية والديمقراطية وما استتبعه ذلك من ابتداع آليات للمقاومة الشعبية والحزبية، والحراك الاجتماعي السياسي المصاحب. إن السودان كبلد ناقص التكوين القومي يعاني من عرقلة  مسيرة الوحدة الوطنية، وما صاحب حركته السياسية من تحديات مواجهة الأوتقراطية من جهة وأقلمة الديمقراطية من جهة أخرى، قد واجه ويواجه تحديات جمة صاحبتها مجهودات فكرية عميقة لتجاوز العراقيل، وللتكوين القومي المكتمل. كل ذلك لم يوثق له كما يجب.

ساهم حزب الأمة منذ تأسيسه في عام 1945م مساهمات أساسية في الحركة السياسية السودانية، ولا زال يمثل الرقم الشعبي الأكبر. وقد رفد الحزب المكتبة السياسية بجزء كبير من أدبياتها التي تحوي الأفكار المحورية والرائدة في الساحة السياسية، ولكن تلك الأدبيات لم تطبع أو تنشر جميعها على النحو المطلوب.

          في الفترة ما بين 1989-2000م استفاد الحزب من وجوده المعارض بالخارج، حيث قام بطبع كتب عديدة منها: "الديمقراطية في السودان راجحة وعائدة" 1989م، "تحديات التسعينيات" 1990، "السودان وحقوق الإنسان" 1999م، وكتاب "رؤى في الديمقراطية والعروبة والإسلام" وهذه كاتبها السيد الصادق المهدي. أيضا كتاب : "وثائق المؤتمر الرابع للحزب" 1998م- إعلام حزب الأمة، و"السودان: ملامح من التجربة السياسية" وكتاب "اغتيال الديمقراطية في السودان" لكاتبهما السيد حسن أحمد الحسن، ثم كتاب "الخطابات المتبادلة بين المهدي وقرنق" إعداد وتقديم السيدة إخلاص مهدي 2000م. هذا علاوة على طبع العديد من المحاضرات والأوراق في شكل كتيبات.

          هذه المطبوعات وغيرها من الكتب التي طبعت بالسودان أو في القاهرة أو دول الخليج لم تجد فرصا جيدة للنشر والتوزيع بل غالبا ما وزعت بصور خاصة، أو بقي جزء منها بدور الحزب يسامر الأرفف! وربما أكثر مطبوعات الحزب حظا كان "كتاب العودة: من تهتدون إلى تفلحون" الذي كتبه السيد الصادق المهدي متزامنا مع رجوعه للبلاد في نوفمبر 2000م، فارتباطه بحدث العودة المثير –مع عوامل أخرى في اختلاف آليات التوزيع- جعله يحظى بانتشار أكبر وسط الشارع السوداني بعمومه، وليس فقط الكوادر الحزبية. هذا علاوة على أنه نشر كحلقات في جريدة الحياة اللندنية، وفي جريدة "الرأي العام" السودانية.

          هذا الوضع أسوأ حالا بالنسبة للمحاضرات والأوراق والكتيبات التي لم تطبع للتوزيع والنشر على نطاق واسع. أو الخطابات والمذكرات التي كتبها الحزب ليقود بها موقفا سياسيا معينا ولم يوزعها إلا في نطاق محدود. وهكذا تبقى هذه الاسهامات –على أهميتها لقراءة تطور الحزب والسياسة السودانية عموما- محفوظة في خزائن أولئك الذين وصلتهم الأوراق أو المذكرات أو البيانات المعنية، أو موزعة بين صفحات الصحف اليومية التي غالبا ما يطالها الدمار.

لجنة جمع أدب الحزب للحل السياسي الشامل

          لقد التفت الحزب لضرورة التعبئة الشعبية فيما يتعلق بالحل السياسي الشامل والتبشير به، وكون المكتب السياسي للحزب وفقا لقراره رقم (96أ) بتاريخ 16 يوليو 2000م لجنة لجمع كل الأدبيات التي صدرت عن الحزب فيما يخص الحل السياسي الشامل، وطباعة كتاب يحوي تلك الأدبيات وتمليكه للقارئ السوداني، مما يفيد عملية البحث في العلوم السياسية، كما يفيد التعبئة والتنوير بالحل السياسي الشامل. تكونت اللجنة برئاسة السيد صلاح عبد السلام الخليفة، ومقررية السيد إبراهيم الأمين، وعضوية كل من السادة والسيدات: عبد اللطيف الجميعابي، محمد المهدي حسن- منى محمد طاهر- تاج الدين البشير- عبد المجيد إبراهيم- أحمد الشيخ هجو- مريم الصادق- محمد عبد الله الدومة.

 عقدت اللجنة عدة اجتماعات ناقشت فيها المطلوب، وقد استعانت اللجنة بالأرشيف الموجود في وحدة المعلومات والإعلام الإلكتروني فللوحدة أعمال توثيق وأرشفة إلكترونية غطت مناشط الحزب في واشنطن، سويسرا، لندن، القاهرة، أسمرا، أديس أبابا، والخرطوم. لقد وجدت اللجنة أدبا غزيرا يستحيل نشره كله كما كان المخطط لها.

أرشيف الحزب: يحتوي أرشيف الحزب في فترة الإنقاذ على:

      ·         المخاطبات بين قيادات الحزب حول الشئون الوطنية.

      ·         الأوراق التي تصدر عن قيادات الحزب أو لجانه المتخصصة في الأمور المختلفة.

      ·         المذكرات والأوراق التي تقدم للاجتماعات والمؤتمرات وورش العمل، والبيانات الختامية.

      ·         مخاطبات الحزب عبر قيادته للجهات المختلفة: الحكومة السودانية- الدول الخارجية- التنظيمات الأخرى داخل وخارج التجمع.

      ·         اللقاءات الصحفية التي تجري مع قياديي الحزب في مختلف المنابر الصحفية الداخلية والخارجية.

      ·         البيانات الصادرة عن الحزب تعليقا على الأحداث المختلفة. وبعض الأعداد التي صدرت من جريدة الحزب "صوت الأمة" سرا.

      ·         الكتب الصادرة عن الحزب أو عن بعض قياداته حول الأمور السياسية المختلفة.

      ·         المادة الفكرية الصادرة عن رئيس الحزب والكتابات التي تتطرق للشئون العالمية والإسلامية والإفريقية والعربية والسودانية.

      ·         التعليقات والمذكرات التي ينشرها الحزب حول مختلف الأمور، وهذه غالبا ما تكون نتاج عمل جماعي عبر اللجان.

   ·    الخطب المنبرية في الأعياد والجمع الصادرة عن هيئة شئون الأنصار. بالطبع فإن هذه المادة لا تتبع لحزب الأمة. ولكنها كانت كثيرا ما تعبر عن الخط السياسي الذي يتبعه الحزب خاصة في أوقات القهر العسكري الغاشم، وقبل الانفتاح الأخير في السودان.

   ·    الأدبيات التي صيغت جماعيا عبر التجمع الوطني الديمقراطي، وساهم الحزب في صياغتها وضمنها لمبادئه الأساسية، مثلا مقررات أسمرا المصيرية، إعلان طرابلس، والبيانات الختامية لاجتماعات هيئة قيادة التجمع الوطني الديمقراطي منذ تكوينه وحتى مارس 2000م.

      ·         الاتفاقات التي عقدها الحزب ثنائيا أو جماعيا مع الحكومة أو الفصائل السياسية الأخرى المعارضة.

أهم خواص استراتيجية حزب الأمة: نتطرق في هذه المقدمة لأهم خواص الحزب في خطه السياسي: آليات التفكير واتخاذ القرار، وأهم سمات حركته: المبادأة والتطور.

آليات الكتابة والتفكير:

·                                            دور ورش العمل : قام الحزب في الآونة الأخيرة بعقد العديد من ورش العمل. تقدم في الورش أوراق متخصصة تحتوي على خطط عمل، وتقوم بتهوية الآراء وتسمح بتبادل وجهات النظر، وتؤدي إلى صياغة الخط الفكري للحزب.. إن أول ورقة عمل للحل السياسي الشامل كانت نتاج المداولات والأوراق التي قدمت في ورشة الحل السياسي الشامل في سبتمبر 1999م. تلك الورقة كانت نواة كل ما استتبع من أوراق عمل وخرط للحل السياسي الشامل قدمها حزب الأمة. مثال آخر هو الورشة التي دعا لها الحزب المختصين القانونيين من مختلف التيارات السياسية لبحث اتفاق ماشاكوس وعقدت جلستها الأولى بالمركز العام للحزب في أغسطس 2002م.

·                                            دور اللجان المتخصصة: كثيرا ما يكون الحزب لجان متخصصة في موضوع معين لتقديم دراسة أو تقييم الأحداث السياسية. مثال لذلك اللجنة التي درست تقرير مجموعة العمل الأمريكية.

·                                            دور القيادة: والأدبيات التي تصدر باسم رئيس الحزب ليست نتاجا فرديا، فالآليات التي يتبعها الرئيس في كتابة الأدبيات التي تتعلق بالفكر السياسي تتم صياغتها عبر وسائل مختلفة منها:

q                      استكتاب الآخرين ومناقشة الآراء: يوزع الرئيس بصورة غير دورية خطابا داخليا للمكاتب القيادية ولقيادات الحزب بالداخل والخارج. هذه الخطابات عبارة عن نشرات تنويرية بمناشط القيادة، وتناقش في بعض الأحيان أمورا تخص الحزب مثل التنظيم- الهياكل القيادية- المستجدات السياسية والرأي بشأنها..الخ. وفي مثل هذه الحالات فإنها كثيرا ما تطلب الرأي بشأن قضية معينة وتحدد تاريخا لاستلام الردود.

q                      تتم مناقشة مقترحات الرئيس والردود الواردة عبر اجتماعات لمكاتب (أو مجالس) قيادية حسب الاختصاص. ثم يتم الوصول لتوصيات معينة. وفي بعض الأحيان يستنير الرئيس بتلك العملية والأدبيات الناتجة عنها ليقوم بكتابة مذكرة أو صياغة مفهوم. خير مثال لذلك "منشور البيان السياسي" والذي كتبه الرئيس عقب اجتماعات يوليو/أغسطس 2000م في القاهرة، يظهر جليا أنه وإن كان بقلمه، إلا أنه انبنى على آراء ومناقشات وتوصيات شارك فيها العشرات من قياديي الحزب، ليس فقط في اجتماعات أغسطس، بل وفي اجتماعات فبراير 2000م التي سبقتها، وفي أعمال لجنة التنظيم (يناير 2000م)، ثم في الردود التي تلقاها من المكاتب المختلفة للحزب في الخارج والداخل.

q                      لجنة المراجعة: يشارك الرئيس في العديد من المنتديات الفكرية، وينشر كتبا ومقالات بصفته مفكرا وليس سياسيا. لكنه، خاصة في الأدبيات التي تدخل في مجال الفكر السياسي، يختار لجنة لمراجعة النص المراد نشره أو المشاركة به، من جميع المهتمين بالعملية الفكرية وسط قيادات الحزب. تقوم تلك اللجنة ليس فقط بتنقيح العمل من ناحية الأخطاء المطبعية، بل تناقش الأفكار الواردة وترفع توصياتها للرئيس الذي يتبع توصيات اللجنة ما أمكن. هذه العملية جرت في كتابات مثل ورقة كمبالا في فبراير 1999م بعنوان Second Birth of Sudan و"كتاب العودة" 2000م، وغيرهما.

q                      المساعدة البحثية: يساعد الرئيس في بحوثه فيما يخص الكتابة السياسية وحدة معلومات الحزب المكونة من أفراد ومكاتب موزعين عبر العالم. فعبر التنسيق مع مكتب الرئيس يتم الحصول على الوثائق التي يطلبها الرئيس فورا. وفي بعض الأحيان، يكون الرئيس لجنة تعمل كمساعد باحث، يعطيها موجهات البحث، ويستفيد من تقريرها النهائي في صياغة خطاب أو مذكرة. مثال لذلك ردود السيد رئيس الحزب على دكتور جون قرنق. فقد اشترك العديدون من الحزب –داخل القاهرة وخارجها- في مناقشة الردود، وتوثيق المعلومات المطلوبة والتي استفاد منها الرئيس في كتابة ردوده.

المبادرة: وهذه من أهم خواص التفكير السياسي لحزب الأمة. فهو لا ينتظر بروز الأفكار من غيره ثم يكون ردة الفعل المناسبة تجاهها، بل يقوم هو بالمبادرة وشق طريق جديد والترويج له. هذه الخاصية ناتجة من اتصال لصيق بنبض قواعده والشارع السوداني عامة، وممارسته للسياسة باعتبارها أكثر الحقول ديناميكية كونها أكثرها التصاقا بحياة الناس وظروفهم المتغيرة. وقد جرت هذه الخاصية للحزب الكثير من المشاكل فالبعض لا يفكر في الفعل السياسي وإنما ينتظره ليعارض موقفه. ولكنها في المقابل جعلته يقود الرأي السياسي السوداني في حالات كثيرة نحو أفكار تكونت لديه، غير آبه إلا بما رآه الطريق الأسلم: "أصم عن غضب في حوله ورضا". وكثير من ذلك الغضب يظل أصيلا لا ينمحي حتى ولو غير أصحابه الرأي تجاه القضية مثيرة الغضب، وكثيرا ما حدث ذلك: فيما يخص دعوة الاتفاق على برنامج مستقبلي بين جميع فصائل المعارضة التي رفضت بادئ الأمر ثم اتبعت فتم الاتفاق على مقررات أسمرا 1995م، ودعوة توسيع الإيقاد التي رفضت ثم استجيب لها، وغيرهما.

التطور: السياسة كغيرها من المعاملات متبدلة، فهي إن استندت على مبادئ مثل الشورى والحرية والعدل والمساواة وغيرها، وراعت مقاصد مثل المصلحة ورفع الضرر، تتغير بحسب المستجدات. وفي بلد متنوع الأديان والإثنيات والثقافات كالسودان، تطورت الرؤى السياسية مع تطور الوعي بواقعنا، وتغيرت مفاهيمها عبر النقاشات المستمرة بين مختلف أطراف الطيف السياسي، وتأطرت مفرداتها عبر التجارب العملية بحيث تم الوصول لبعض القناعات وتحديد بعض الرؤى عبر عملية ديناميكية استطاعت بها القوى الحية في المجتمع أن تسعى نحو الأفضل. التطور عن فكرة لأخرى بالتالي لا يعني بالضرورة أن الموقف المتطور عنه كان خاطئا أو مبنيا على قراءات خاطئة، بل كان الأكثر استجابة لوضعه الآني الذي تحول لاحقا مما استتبع تطورات في الرؤى. أمثلة التطور في رؤية حزب الأمة الفكرية كثيرة، منها رؤيته للتنوع الثقافي ومستقبله، ومنها رؤيته لحق تقرير المصير، وغيرهما.

 سنفرز مساحة أكبر لمناقشة التطور في هذه الرؤى فيما يخص وثائق السلام.

التطور فيما يخص الرؤية تجاه السلام: رؤية حزب الأمة موثقة في العديد من الأدبيات. وقد حدثت تطورات في هذه الرؤية خاصة فيما يخص: الموقف تجاه تقرير المصير- قضية الدين والدولة- والرؤية للتنوع الثقافي. نتطرق هنا لتفصيل ذلك:

·                                            الرؤية تجاه تقرير المصير: إبان العهد الديمقراطي الأخير كان الحديث عن حل قضية الحرب الأهلية في الجنوب لا يتطرق لتقرير المصير. ولكن بعد يونيو 1989م تفاقمت القضية بتركيز "الإنقاذ" على الهوية العربية الإسلامية للسودان وإعلان "الجهاد" في الجنوب.

          كانت قيادة الحزب على اتصال مستمر وحوار مع القوى السياسية الجنوبية، وفي 1992 وضع الحزب مشروع "السلام العادل في السودان".

أول بروز لمطلب تقرير المصير كان نتاج مناورة قامت بها حكومة الجبهة الإسلامية في اتفاق فرانكفورت في 25 يناير 1992م مغرية فصيلا منشقا عن الحركة الشعبية بتقرير المصير. هذا أدخل الفصائل الجنوبية مجتمعة في مزايدة حول تقرير المصير.

وفي أوائل 1993م تم اجتماع بين قيادة الحزب وقادة الحركة السياسية الجنوبية بالداخل في منزل السيد هلري لوقالي طرح فيه مشروع السلام العادل. ولكن الحاضرين الخمسة عشر من القيادات الجنوبية عبروا عن الرغبة في الانفصال عبر تقرير المصير. وفي أكتوبر 1993م دعا رئيس لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي السناتور هاري جونستون كل الطيف السياسي الجنوبي السوداني إلى ندوة في واشنطن حضرها الساسة وحملة السلاح من الجنوبيين وشخصيات مستقلة وجرت مناظرة حول القضية السودانية. كان مناخ الندوة مفعما بالمرارة الشديدة وصار واضحا أن الجنوبيين من ساسة وقادة عسكريين وأكاديميين فقدوا الثقة تماما في الشمال وعبروا عن ذلك بوضوح في خطبهم[1]. نتج عن تلك الندوة إعلان واشنطن الذي جاء فيه: حل القضية أن يقرر الجنوب مصيره. وقع على ذلك الإعلان جميع الحاضرين.

كنا في حزب الأمة نكره الحديث عن تقرير المصير حرصا على الوحدة، ولكن كان لا بد لنا من أن نخاطب هذه المستجدات بجدية، ونعمل جهدنا أن يتم حل القضية سلميا وبإعطاء الوحدة أكبر فرصة ممكنة، لذلك قمنا في نوفمبر 1993م بكتابة دراسة حول "تقرير المصير في السودان".

قاد الحزب بعد ذلك الرأي السياسي الشمالي نحو القبول بتقرير المصير. كما عقد اتفاقات مع القوى الجنوبية تضمنت الاعتراف بحق تقرير المصير.. أدبيات الحزب الموجودة في الفترة 1994- 1995 تظهر ذلك المجهود الكبير الذي توج بمقررات اسمرا للقضايا المصيرية.

لاحقا، وحينما ظهر تحفظ المبادرة المشتركة حول هذا المطلب قاد الحزب حملة دبلوماسية وخاطب دولتي المبادرة للمصادقة على كل ما يتفق عليه السودانيون. ثم أوقف أي ردة محتملة للحكومة عن هذا المطلب عبر توقيعه "نداء الوطن" مع النظام، وأهم بنود السلام فيه الاتفاق حول تقرير المصير للجنوب.

إن الحزب لم ينقلب على نفسه اعتباطا. ولكن القراءة الصحيحة للواقع الجنوبي تؤكد أن أي حديث عن حل لا يستتبع حق تقرير المصير لن يؤدي إلى السلام، بل لمزيد من فجوة الثقة، ومزيد من الاقتتال. وأن كل ما نستطيع عمله لدعم الوحدة هو اشتراط أن يتم تقرير المصير في ظل احترام حقوق الإنسان والحريات العامة والتعددية، وبعد فترة انتقالية يتم فيها تصحيح أخطاء الماضي وبناء الثقة. وهذه أول أوجه التطور في رؤية الحزب للسلام.

·                                            الرؤية تجاه قضية الدين والدولة: من أهم ملامح نهج حزب الأمة هو الحرص على التحديث في إطار الأصل. واقع الحزب كمؤسسة غالبيتها من المسلمين، مع تميز الإسلام بفرض مبادئ معينة يستهدي بها المسلمون في الحكم وتقرير تشريعات لهم يجعل الحزب يتحدث عن التأصيل الإسلامي. وفي ظل التنوع الثقافي والديني الماثل في السودان فإن التطلع للتأصيل لا يقتصر على دين أو ثقافة بعينها، بل لقد أثبت تقرير مفوضية الثقافة والتنمية التي كونتها الأمم المتحدة واليونسكو، أثبت ذلك التقرير في 1995 أن التنمية خارج الإطار الثقافي والإنساني نمو بلا روح[2]، وأعطى ذلك التقرير الثقافة أهمية قصوى في إنجاح عمليات التنمية والتطور.

في فترة الديمقراطية الثالثة ركز الحزب على مسألة التأصيل الديني استجابة لقراءته المستنيرة للدين، ولمطالب القاعدة الشعبية الإسلامية –وهي الأكبر من بين بقية القواعد- والتي تتوق للتأصيل عبر التشريع الإسلامي. فذهب في نهج الصحوة 1986م إلى أن : "الإسلام لم يضع نظاما ميعنا للحكم والاقتصاد بل وضع مبادئ عامة وأحكام وكل نظام سياسي أو اقتصادي يلتزم بتلك المبادئ ويطبق تلك الأحكام هو نظام إسلامي".[3].

لاحقا، فصل الحزب مفهومه للنظام الإسلامي، بالقول بأن الدولة في الإسلام مدنية. ولتحديد أمر التشريع الإسلامي، فإن الأساس -في بلد متنوع الأديان والثقافات كالسودان- الذي يحكم علاقة الدين بالدولة هو: المواطنة كأساس للحقوق والواجبات الدستورية- المواثيق الدولية لحقوق الإنسان تتضمن في الدستور- احترام التعددية الإثنية والثقافية والدينية- ألا يقوم أي حزب على أساس ديني. وأن مسألة التشريع الإسلامي متروكة لتحسم عبر الخيار الديمقراطي الذي يلتزم بتلك المبادئ، وبهذا فإن ما جاء في نهج الصحوة من أن "الإسلام هو أساس وجودنا وهويتنا المستقلة في الصراع الفكري والثقافي"[4]، تطور نحو الحديث عن حزب يسعى للتأصيل المصاحب للتحديث، على أن تحسم العملية الديمقراطية قضية التأصيل مع ما لا يتعارض مع المبادئ المذكورة أعلاه. هذا بالطبع لا يعني التخلي عن الشعار الإسلامي، فاستبعاد الدين عن الدولة كالعنقاء لم يوجد على ظهر البسيطة وإنما يعني إعطاءه بعدا غير إقصائي للآخرين غير المسلمين، وتحديده بمبادئ لا تمس.

          ولقد ظهرت هذه الأطروحة جلية في المحاضرتين التي ألقاهما رئيس الحزب في نيجريا في أواخر يونيو 2001م، حيث حاضر عن :الدين والوحدة الوطنية، وعن: الدروس المستفادة من تطبيقات الشريعة المعاصرة[5]. في المحاضرة الأولى تساءل عن إمكانية ضمان المواطنة كأساس دستوري، والحرية الدينية، ومنع التمييز بين الأديان، وفتح الكيانات السياسية لجميع المواطنين دون تمييز وألا تقوم تلك الكيانات على أسس دينية.. هل يمكن كفالة كل هذا دون أن يتعارض ذلك مع الالتزام الإسلامي الصحيح؟ فأقرها استنادا على أن هامش الالتزام الإسلامي عريض وأن الموقف الصحيح في هذا الهامش هو الذي تتحقق فيه مصلحة الإسلام والمسلمين في الزمان والمكان المحددين، وخلص إلى أنه في العصر الحديث "العلاقات الداخلية بين المواطنين بمختلف ولاءاتهم يجب أن تقوم على اتفاق تعاقدي يضمن في الدستور ولا بديل لذلك[6].

* الرؤية للتنوع الثقافي: يعد كتاب مسألة جنوب السودان فاتحة كتب السيد الصادق المهدي المنشورة، ففقد نشره في أبريل 1964م متخذا إياه وسيلة للتعبئة الشعبية ضد سياسة الحكم العسكري القائم آنذاك في الجنوب، كان حينها شابا لم يتجاوز عمره الثامنة والعشريين بعد. يظهر ذلك مدى الأهمية التي يوليها لقضية الجنوب.. في ذلك الكتاب وعي بالأبعاد السياسية والثقافية والاجتماعية والتنموية للمشكلة. يعد هذا الكتاب مهما في تطور القضية لأن الأوساط السياسية قبل ذلك كانت تتعامل معها ببعدها العسكري والأمني فحسب. كما كان بالكتاب وعي بالتنوع الديني والثقافي في الجنوب "أطلق عليه الكتاب لفظ التباين"، ربما سبق وعي الكثيرين من الساسة بل وحتى من المثقفين.

ولهذا فإن ما ذكره السيد الصادق المهدي لاحقا في فبراير 1999م من أن وعي المثقفين بالبعد الإفريقي في مكونات الذاتية السودانية قد سبق وعي السياسيين، ينطبق فقط على الوعي الرأسي بمكونات إنسان الوسط. ولكن المثقفين الذين أشار إليهم- المنتظمين في مدرسة الغابة والصحراء في الستينيات لم يعنوا بالوعي الأفقي بالثقافات السودانية ولا بإنسان الجنوب ولا تفكروا فيه بل نظروا له كـ "بدائي نبيل" متحول لاحق لإنسان "سنار".

الشاهد أن كتاب "مسألة جنوب السودان" وهو يشير للتباين في الجنوب، يقول "إن القبائل في الجنوب لها معتنقاتها الدينية ولكنها معتقدات تفتقر إلى الوحدانية وإلى الاعتقاد بإخاء الإنسان، وإلى غرس نهج من المعاملات والأخلاق له قداسته وبعد أثره وفعاليته في الوصول إلى المستوى الإنساني اللائق بالكرامة الإنسانية"، ويشير إلى انتشار الإسلام في إفريقيا إذا أتيحت حرية الأديان[7]. وهي نظرة فيها التبشير بالتحول نحو الإسلام كبديل للثقافات الموجودة.. ولكن الوعي اللاحق بضرورة دعم "التنوع البشري الخلاق"، وما لمسه من غبن بين الجنوبيين الذين ناقشهم من هذا الاتجاه الذي يتجه نحوه الساسة في الشمال، جعل الحزب يطور موقفه، ويدعم التنوع الثقافي ويعترف للثقافات الأفريقية بخواص تستطيع أن ترفد بها الثقافة العالمية، كما أن الدعوة للتغيير لم تعد أحادية الاتجاه، بل صارت: "الثقافات على تعددها وتنوعها ينبغي أن تتفاعل مع غيرها لتزيد ثراء وإبداعا. الاعتراف بالهوية الثقافية والاهتمام بها لا يعني منع التلاقح ولا رفض الوافد. هنالك قيم إنسانية عظيمة: الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والمعرفة، والنهج العلمي، وكافة القيم المشتركة بين الحضارات. وهناك قيم خلقية عالمية مثل الحكمة، والعفة، والصدق، والإيثار.. القيم المذكورة والقيم الخلقية ينبغي أن تسعى الثقافات السودانية باختيارها لاقتباسها وغرسها تربويا في الأجيال".[8]

وقد قاد رئيس الحزب مؤخرا الحملة في ضرورة الاعتذار عن تجاوزات الماضي بين السودانيين، وصار يتحدث عن قيمة الثقافات في الجنوب ومبلغ الجهل الشمالي بها..

أدى الوعي بالتنوع أيضا إلى مناقشة أشياء كانت تعد من المسلمات مثل انتماء السودان لمنظمة الوحدة العربية، ومنظمة الدول الإسلامية. وإلى الحديث عن الأفريقانية بمفهوم جغرافي ديناميكي وغيرها من المفاهيم.[9]

هذا التحول نحو الموقف من التنوع أدى لصياغة "الميثاق الثقافي".

هذا الكتاب

لقد حرصنا على تغطية كافة الفترة التاريخية الممتدة منذ 30 يونيو 1989م وحتى الآن، بدءا بمذكرة رئيس الحزب للرئيس البشير في 7 يوليو 1989م وانتهاء بورقة الحزب الاستراتيجية تعليقا على اتفاق ماشاكوس الذي أجري في 14 يوليو 2002م بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان.. ومما لا شك فيه أن هذه المادة لا يمكن جمعها بين دفتي كتاب واحد.. لقد قامت اللجنة المكلفة بحصر المادة الموجودة، ثم اختارت من الأدبيات ما يمثل موقف الحزب السياسي، منذ فترة المواجهة وحتى فترة التفاوض والدفع نحو الحل السياسي الشامل. المادة المختارة تحمل عينة من الخطابات الموجهة للجهات الخارجية، وللجهات السودانية، ومن الأدبيات التي صيغت عبر التجمع الوطني الديمقراطي ويلتزم بها الحزب، ومن اللقاءات الصحفية، ومن الاجتماعات والمؤتمرات المختلفة والبيانات الختامية، وغيرها.. وبها تكون الكتاب الذي هو الآن بين يديك أيها القارئ الكريم..   يحمل هذا الكتاب ملامح الكدح الحزبي الذي تكبده حزب الأمة نحو تحقيق الاستقرار في البلاد عبر السلام والديمقراطية. وفيه تجد الشعارات التي رفعت من الجهاد المدني، والحل السلمي القومي، ثم الحل السياسي الشامل، والأجندة الوطنية، والطريق الثالث.. أفكار صاغها الحزب وبلور رؤيته تجاهها مع الأيام.. مواقف بعضها تلقفه الشارع السياسي السوداني فصارت أسسا للاتفاق، وبعضها أثار لغطا وأعطى نورا للحزب فطور في رؤيته، وبعضها احتدم حوله نقاش "ناري" لم يحسم بعد. وفي كل الأحوال فإن الحزب وهو يطرح تلك الأدبيات يهدف للتالي:

-                                 التوثيق لمرحلة المواجهة ثم التفاوض مع النظام.. رحلة من الطحان بين الطرشان نحو الحجة والحجة المتقارعتان.

-              عرض رؤى الحزب للرأي العام السوداني ليدلي بدلوه فيها، فغاية الحزب الحكمة، ولو وجدها عند أي من الوطنيين فهو أحق باتباعها، والنشر يجعل صوت الحزب مسموعا ومعروضا للنقاش.

-              الدفع نحو أسلوب في العمل الحزبي السوداني يعتمد على التوثيق، يدفع به مهام البحث في المجال السياسي ومراكمة المعارف.. وهذا أول طريق التطور، فشعب بلا كتب توثيقية كإنسان بلا ذاكرة كل  يوم يبدأ التعلم من جديد.

-                                 التعبئة نحو الحل السياسي الشامل، وتتبع خطواته، والتبشير به كأساس لحل مشاكل البلاد يقيها المواجهات وما تستتبعها من مخاطر.

هذا الكتاب هو توثيق لأدبيات الحزب في عهد الإنقاذ كدحا نحو الحل السياسي الشامل كما ذكرنا.. إنه يحوي محاولات الحل الأولى، والمواجهة العسكرية ولغتها، والتفاوض والحوار ومنطقه.. يحتوي الكتاب على116 وثيقة مختارة، ومرتبة ترتيبا زمنيا، مع تعليق يصف الوثيقة ومناسبتها والموقعين  عليها –إذا وجد عليها توقيع.. في تلك الوثائق يكشف الحزب اتصالاته الدبلوماسية، ونشاط التجمع الوطني الديمقراطي في الفترة التي شارك فيها الحزب في ذلك النشاط وحتى المفاصلة في مارس 2000، ويلقي بالضوء على علاقة الحزب بالقوى السياسية الأخرى بما فيها النظام، كما يكشف الحركة الداخلية لأجهزته وتكويناته التنظيمية المواجهة (حتى 1996)، والاستثنائية (1996-2000م)، والمرحلية (2000م وحتى الآن).. هذا هو سفر حزب الأمة. إنه سفر به ما به من ألمعية الرؤية:

الألمعي الذي يريك الرأي    كأن قد رأى وقد سمعا

وفيه من صلابة التماسك، كما فيه من لحظات التعثر وتجارب الانسلاخ، كان آخرها انسلاخ مؤتمر سوبا الاستثنائي الذي عقدته بعض قيادات وعضوية الحزب خروجا على الأجهزة وعن الجماعة.. إن الحزب يملك وثائقه المفتاحية للرأي العام السوداني ويقول "هاؤم اقرؤوا كتابيه".. إن الحسنات يذهبن السيئات.. ويحسب الحزب أن هرولته الحثيثة نحو المصلحة الوطنية، وتجاوزه عن المكاسب الحزبية لأجل المصلحة القومية والعامة، هي الحسنات التي يرجو أن تمسح كل ما عداها من أخطاء التقدير أو التدبير التي لات منها من محيص. تعبر عن موقف الحزب في تلبيته السريعة للنداء الوطني الكلمات الآتية:

وكت قالوا البلد نادت

جريت.. مرحب بعتراتك

اخيانك.. عذر واحد هو ما سمعان

وللتاني الجمل وحلان

وات براك بس خبيت

جريت حفيان

قبل تطلع خيوط الضو

وفي نص الضهر شديت

ولا حسيت سخونة الجو

وفي ليلا بهيم مديت

ونبحت فيك كلاب بي غادي.. سوت هو

ما اترددت ما سمعناك شرطت بلو

عقب توصل لميسك أو.

أكيد واصل!

إن لجنة كتاب الحل السياسي الشامل إذ تقدم هذا الكتاب لك أيها القارئ الكريم، توجه العرفان للعاملين بمطبعة نيوستار ولصاحب المطبعة السيد محمد سيدون على الجهود المقدرة التي بذلوها ليخرج الكتاب بشكله الحالي، وتقديرنا لطاقم المكتب الخصوصي للسيد الصادق المهدي لما بذلوه من جهد كبير ما كان للكتاب أن يرى النور دونه.

لجنة جمع أدب الحزب للحل السياسي الشامل

6 أغسطس 2002م            

التالي

الوثائق في الكتاب
 


[1] انظر: الصادق المهدي : التجربة السودانية والحريات الأساسية – القاهرة 1997م

[2] تحرير وتقديم د. جابر عصفور: التنوع البشري الخلاق.

[3] نهج الصحوة ص 17

[4] نفسه ص 14

[5]  هذان المحاضرتان غير موجودتان في الكتاب، إن لرئيس الحزب إسهامات فكرية إسلامية وسودانية عديدة ولا يتاح نشرها هنا ولكنا نشير لها لتبيان الخط الفكري الذي اتخذه الحزب في تطويره  للرؤية السياسية.

[6] الصادق المهدي الدين والوحدة الوطنية

[7] الصادق المهدي- مسألة جنوب السودان- أبريل 1964م.

[8] الميثاق الثقافي: النقطة الرابعة

[9] أنظر: الصادق المهدي: السودان وحقوق الإنسان- القاهرة 1999م



© كل حقوق الطبع محفوظة لـ حزب الامة (السودان)