|
بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة عيد الأضحى المبارك
10 ذو الحجة 1424هـ الموافق 1 فبراير 2004م
مسجد الهجرة بودنوباوي
الإمام الصادق المهدي
الخطبة الأولى
الله
أكبر..الله أكبر.. الله أكبر.
الحمد
لله جعل الجهاد عافية الأبدان كما جعل الاجتهاد عافية النفوس، وأصلي وأسلم على من
ختم رسالات الوحي وأكد هديه أن الإنسان مخير إما شاكرا وإما كفورا. أما بعد-
أحبابي في
الله وإخواني في الوطن العزيز
(شَرَعَ
لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ
وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهُِ (
[i]
إن ليومنا هذا حكما تخالط الأديان الأخرى وتغرس في النفوس معاني
واضحة.
أولا: الحقيقة
هي أن الله لا يحده زمان ولا مكان.. ) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ
وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله) [ii]
،
ولكن سميت الكعبة بيت الله وفرض الحج إليه رمزا للإيمان والتوحيد وإحياء لقصة
إبراهيم عليه السلام لأن في ذلك تسكينا للمعاني الإيمانية المجردة في نفوس الناس
وحركاتهم. إن الماضي لا يموت والأغبياء هم الذين يحاولون إلغاء الماضي أو عمل
النقيض حبس أنفسهم فيه. المطلوب أن يبقى من الماضي ما يشكل العبرة.. (لَقَدْ كَانَ
فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ) [iii]
.
ثانيا: إن
إبراهيم هو أبو الأنبياء حتى محمد عليه الصلاة والسلام وقصته تؤكد وحدة الدين
الإلهي، على حد تعبير النبي محمد (ص) " الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ
دِينُهُمْ وَاحِدٌ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى".
ثالثا: إن
لرؤيا إبراهيم عليه السلام معاني كبيرة: المعنى الأول أن الرؤية الصادقة وهي
متاحة لكل البشر أسلوب وحي للأنبياء وأسلوب إلهام للآخرين. والمعنى الثاني هو قوة
إيمان الأب امتثالا لأمر الرب وقوة إيمان الابن تصديقا لأمر والده.
رابعا: إن
الأعياد فطرة اجتماعية إنسانية يكسر بها الناس رتابة الحياة الاجتماعية ويمسحون
صدأها ويجددونها. كانوا يفعلون ذلك قبل الإسلام وواصلها الإسلام بعد أن أعطاها
معاني جديدة. روى أبو داؤد عن أنس قال: قدم رسول الله (ص) المدينة ولهم يومان
يلعبون فيهما في الجاهلية فقال النبي (ص) " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ
بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ".
خامسا: العيد
مناسبة لتبادل المباهج والمسرات عبر الأجيال من الشيخ الذي يدب دبيبا إلى الطفل
الذي يحبو حبوا.
سادسا: العيد
مناسبة تضامن اجتماعي عبر الزيارات والمعايدات والصدقات والهدايا.
سابعا: صلاة
العيد وهي سنة مؤكدة مظاهرة إيمانية تظهر عظمة الإيمان وعمارة النفوس به. قالت
أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الْعَوَاتِقَ وَالْحُيَّضَ
وَذَوَاتِ الْخُدُورِ فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الْمُصَلَّى
وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَالدَّعْوَةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ." [iv]
هذه بعض حكم
مناسبات هذااليوم العظيم. أما أحكام الحج وصلاة العيد فمفصلة في أماكنها ولكنني
سأذكر هنا أحكام الأضاحي. قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا
مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا
تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ (
[v]
.
لذلك يجب أن
تخلو الأضحية من العيوب فلا تصح العمياء، ولا العوراء، ولا العرجاء، ولا العجفاء،
ولا الهتماء. وإن كانت من الضأن والغنم فينبغي أن يبلغ عمرها عاما والثور والبعير
يكفيان لسبعة اشخاص، على أن يتجاوز الثور عامين والبعير خمسة أعوام مع السلامة من
العيوب. والضحية لا تجوز إلا على القادر على ثمنها وهو من استطاع الاستغناء عن
ثمنها لعامه. وأفضل وقت لذبحها بعد صلاة العيد وأفضل قسمة للحومها أن يأكل صاحبها
الثلث ويهدي لجيرانه وأصدقائه الثلث ويتصدق للفقراء بالباقي ولا يجوز أن يتاجر بأي
جزء منها وفي هذا العام أطلب منكم التبرع بالجلود لهيئة شئون الأنصار للمساهمة في
تمويل أعمالها الخيرية.
أحبابي في
الله وإخواني في الوطن العزيز
إن أمتنا أمة
الإسلام اليوم مرتهنة لعوامل كثيرة، أهمها:
أولا: إغفال
واجبات الدين.
ثانيا: إلباس
أحكام ماضوية وتقاليد بائدة لباس الدين مما جعل التدين لدى كثيرين انكفاء.
ثالثا: التعصب
المذهبي والملي بحيث يتمسك كثيرون بنفي الآخر والتعصب للاجتهاد الذي يتبعه.
رابعا:
الخضوع لحكومات مستبدة وتبرير ذلك على أساس أنه طاعة "َأُوْلِي الْأَمْرِ
مِنْكُمْ "
خامسا:
الامتثال لظلم اجتماعي تترفه فيه قلة ويفتقر فيه السواد الأعظم من الناس.
سادسا:
الامتثال لتبعية قوى الهيمنة الدولية.
هذه الأحوال
جعلت أمتنا في ذيل الدنيا وتعددت أطروحات الذين ضاقوا بها. أطروحات أذكر منها:
أولا: قائلون
مع المرحوم طه حسين قديما: "لقد التزمنا أمام أوربا بموجب المعاهدات أن نذهب
مذهبها في الحكم ونسير سيرتها في الإدارة ونسلك طرقها في التشريع". ولهذه
المقولة صور حديثة مثل إدانة محمد عابد الجابري للعقل العربي ومطالبته بقطيعة
ابستمولوجية مع التراث.
ولكن هذه
الأطروحات وبعد أن وجدت من يطبقها في الواقع أخفقت في كل مكان طبقت فيه بدليل آسيا
الوسطى السوفيتية وتركيا الكمالية وإيران الشاهنشاهية.
ثانيا: قائلون
إن الكتاب والسنة قد أوضحا حقائق الكون، وأن علماء السلف قد أعملوا أساليب استنباط
صحيحة فاستنبطوا كافة الأحكام المطلوبة لاخضاع الحياة العامة لحكم الله، وما على
الخلف إلا اتباع السلف. هذه المقولة مع وفائها لهذه الأصول عادت العصر الذي تعيش
فيه، كما اتخذت موقفا من الولاء للمسلم والبراء من الآخرين واتخذتهم أعداء. هذه
المقولة بشقيها المعادي للعصر والمعادي للآخر الدولي والملي قال بها كثيرون وحاول
بعضهم تطبيقها في الحياة. إن محاولات التطبيق الإسلامي المعاصرة في الغالب اتبعت
هذه المقولة بدرجات متفاوتة.
تطرقت في دراسة
شاملة لمحاولات التطبيق الإسلامي المعاصرة في خمس دول وكشفت عن عيوبها وانكسارها.
وكان أوضح مثل للاخفاق تجربة أفغانستان على يدي حركة طالبان. تحالفت طالبان مع
تنظيم القاعدة الذي نما في حضن الجهاد ضد الحكم السوفياتي لأفغانستان، وبعد جلائه
استهدفوا الولايات المتحدة بعد أن كانت تحالفهم لأنها في نظرهم هي التي تدعم النظم
الاستبدادية في المنطقة وتدعم إسرائيل وكافة أعداء الإسلام والعرب.
منذ نهاية
الحرب الباردة نما اتجاه إمبريالي في الولايات المتحدة يرى أن انتصار أمريكا في
تلك الحرب يبرر فرضها للأجندة الدولية وفق مصالحها ورؤاها على سنة المتغلب في كل
تاريخ الإنسانية:
لنا الدنيا ومن أضحى عليها ونبطش حين نبطش قادرينا
هؤلاء الصقور
وجدوا حوادث 11 سبتمبر 2001م في نيويورك وواشنطن فرصة ذهبية لتطبيق برنامجهم.
قالوا إن في العالم
الإسلامي قوى تستهدفهم منابعها:
·
عقدية بمعنى أن ثمة فهما دينيا رافضا للعصر الحديث ومعاديا
للولايات المتحدة.
·
ثقافية بمعنى أن التعليم والثقافة في هذه البلدان تفرخ هذه
العقائد المنكفئة العدائية.
·
سياسية بمعنى أن نظم الحكم في هذه البلدان تستمد شرعيتها من
تلك العقائد وتقهر شعوبها فتنشأ في أوساطهم حركات احتجاج راديكالية عنيفة.
لقد استولت
على جزء هام من المسرح السياسي في العالم الإسلامي هذه المواجهة بين البزاة في
أمريكا والغلاة في عالمنا.
أحبابي في
الله وإخواني في الوطن العزيز
إن الأغلبية
الناضجة في عالمنا الإسلامي ترفض أطروحة الاستلاب التي ينادي بها الذين يريدون
استنساخ الحضارة الغربية فينا. وترفض نهج الغلاة الذين يريدون استنساخ الماضي
فينا، وترفض أطروحة البزاة الذين يسعون لإمبريالية جديدة تفرض التبعية علينا.
ثلاثة بلدان
أرى فيها اليوم فورانا صحيا وقلقا بناءً يمكن أن يخرج بمعادلة صحية تحسم جدلية
الأصل والعصر بصورة تعطي مثلا للخروج من البركة الآسنة.. هذه البلدان هي:
·
إيران إذ تعالج أطروحة التوفيق بين الدين والديمقراطية. إننا
نراقب ما يجري هنالك بإشفاق كبير لأن الشعب الإيراني ممتلئ بالحماسة الإسلامية
ومشدود للشرعية الديمقراطية وأية محاولات لمنع هذا التفاعل الحميد يجهض الأمل
المعقود. لذلك أناشد القيادة الإسلامية في إيران أن تسمح لشجرة الديمقراطية أن
تورق وتزهر وتثمر.. هذا الرجاء نقلناه لهم بأوضح صورة ونأمل في الاستجابة.
·
العراق إذ خلصها الغزو من الطاغية، وانطلقت قواها السياسية
تفرض شروطها على قوات الاحتلال، والمنتظر الوشيك أن يؤول أمر العراق لأهلها
ديمقراطيا وأن يؤول الإشراف الدولي للأمم المتحدة، وأن يتلمس العراق طريق التحديث المؤصل.
·
السودان إذ أن في فورانه المشاهد ما قد يرسم مخرجا على نحو ما
سوف أفصل لاحقا.
ولكن بصرف النظر عن هذه الاحتمالات فإن المنطقة كلها تشهد تحركات
أممية إصلاحية تحديثية. عقدت في العام الماضي ومطلع هذا العام مؤتمرات كثيرة وهامة
أهمها ثمانية شاركت في خمسة منها ولم أشارك في ثلاثة منها. المؤتمرات التي شاركت
فيها هي:
· مؤتمر القاهرة تحت عنوان: مستقبل الأمة الإسلامية- في 9-12 مايو 2003م.
· حلقة النقاش التي نظمتها جماعة "لا سلام بلا عدالة" بالتعاون مع الحكومة الإيطالية في
روما- 18 يوليو 2003م .
·
قمة
الأرض بسيول تحت عنوان: العالم في منعطف تحول، في الفترة من 11 –16 أغسطس 2003م.
·
مؤتمر
العالم الإسلامي التحديات والفرص في طهران في 22-23 ديسمبر 2003م.
· المؤتمر
الإقليمي للديمقراطية وحقوق الإنسان ودور المحكمة الجنائية الدولية، في صنعاء في 10-12يناير
2004م.
أما
المؤتمرات التي لم أشارك فيها فهي:
- مؤتمر
ماليزيا للقمة الإسلامية 17 أكتوبر 2003م.
- مؤتمر مؤسسة
الفكر العربي تحت عنوان "استشراف المستقبل العربي" في 4-6 ديسمبر 2003م.
- اللقاء
الوطني الثاني للحوار الفكري في السعودية تحت عنوان: الغلو والاعتدال رؤية منهجية
شاملة في 27-31 ديسمبر 2003م.
بالإضافة
لهذه الأنشطة النظرية فإن بعض الدول تحاول تحقيق قفزات إصلاحية ديمقراطية كما حدث
في الكويت ثم البحرين وقطر. وفي قطر قفزة من نوع جديد وهي دعوة مؤسسات تعليمية
غربية لتؤسس كليات لها في قطر.
هذه الأنشطة مسكونة بالرغبة في التحديث والإصلاح ولكن أقول:
· إن التشاور
مع المؤيدين لا يثمر إلا توصيات تبريرية.
· إن فتح فروع
للمعاهد الغربية نافع من حيث هو تعليم حديث ولكنه سوف يعزز صورة التحديث كاستلاب. كما
أنه يعزز فصام المجتمع لأنه قاصر على المناهج العلمية والتكنولوجية مانع للعلوم
السياسية والفلسفة.
المطلوب
بإلحاح هو الدعوة لمؤتمر أهلي يضم علماء ومفكرين مؤهلين في منبر حر غير خاضع لأية
دولة للقيام باجتهاد جماعي حول أجندة الأصل والعصر للتصدي لكافة القضايا العالقة
وإصدار توصيات مرجعية تكشف الطريق لكافة طلاب النهضة التي تقوم على وفاء له مستقبل
أو مستقبل له وفاء.
أحبابي في
الله وإخواني في الوطن العزيز
ثارت مؤخرا
مشكلة حظر غطاء الرأس للمسلمات في المدارس الحكومية الفرنسية كتوصية قبلتها
الحكومة وهي في طريق استصدار قانون بشأنها يجيزه البرلمان. العلمانية الفرنسية ذات
طابع خاص يفرض التجانس الثقافي واللغوي بقوة الدولة. المقولات الفرنسية ترى أن
الناس لا يمكنهم أن يتواصلوا مع بعض إلا ضمن فضاء علماني متجانس بالكامل أي أن
تعبير الناس عن اختلافهم الثقافي يحول دون التفاهم والتواصل، لذلك يدهش الفرنسيون كثيرا
عندما يشاهدون التسامح إزاء التعددية الثقافية واللغوية في أوربا وفي أمريكا. هذه
الظاهرة واجهت اليهودية في الماضي وفي فرنسا شهد هرتزل النمساوي اليهودي أثناء
محاكمة درايفوس الجندي الفرنسي اليهودي ما أقنعه بضرورة اعتزال اليهود في دولة
خاصة بهم. العلمانية الفرنسية تحرص على تجانس ثقافي وإبعاد الدين من الحياة
العامة. وقد ظهرت ممارسات عملية خلقت إشكالات- مثلا – رفض ممتحنة امتحانا شفهيا
لأن فيه خلوة مع رجل- ورفض كشف طبيب رجل- ومنع أن يطبخ الخنزير حتى للآخرين، وهلم
جرا. وفي المقابل يشعر المسلمون بخطر الإذابة في المجتمع الفرنسي. ليس الحجاب
شعيرة إسلامية بل كلمة حجاب في القرآن لا تتعلق بزي بل بحاجز دون نساء النبي (ص).
ما ذكر في القرآن مشيرا للزي هو احتشام ) وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى
جُيُوبِهِنَّ) [vi]
..
و(يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنّ) [vii]
.. وهكذا. أما في السنة فهنالك قول رسول الله (ص) للسيدة أسماء أن يظهر منها فقط
وجهها وكفيها، وهذا الوصف لا يعني حجابا.
لكن ما يعاني
منه المسلمون كبير، وما يخافونه هو الإذابة الدينية والثقافية. ومثلما على
المسلمين تفهم حساسية فرنسا فإن على فرنسا كذلك تفهم حساسية المسلمين من الإذابة.
إن الاندفاع
في تشريع القانون من شأنه أن يدفع في الطريق إلى استنساخ "المشكلة
اليهودية" في إطار إسلامي. والنهج الصحيح هو وقف تشريع هذا القانون وإجراء حوار
تقبل بموجبه فرنسا التعددية الثقافية ويقبل الذين يعيشون فيها أساسا مرنا للوحدة
الوطنية ثم تشرع القوانين.
أحبابي في
الله وإخواني في الوطن العزيز
إن المهدية
كما نادى بها الإمام محمد المهدي بن عبد الله دعوة وظيفية ووظيفتها في هذه المرحلة
هي صنع المفاتيح التي تمكن الأمة من فك ارتهانها الحالي. لذلك سوف ندعو لمؤتمر
مرجعي وهو أولى برسم خريطة الطريق للنجاة من المطابخ الفكرية الحالية مثل برنامج
الأمم المتحدة الإنمائي.. هذه اجتهادات مفيدة ولكنها حفظت شيئا وغابت عنها أشياء.
المهدية هي
بعث منهج النبوة في الخلف، وإبطال التعصب لمذهبيات السلف، وغرس الجهاد والاجتهاد
نهجا دائما لأمة الإسلام.. غرست الدعوة المهدية في نفوس الأنصار روحا، وأقامت فيهم
تربية، وشحذت فيهم همة، ومثلت لهم قدوة. لذلك استطاعت الدعوة ان تصمد في وجه كل
الابتلاءات والتغلب على الصعوبات. وهيئة شئون الأنصار بعد أن رتبت البيت الأنصاري
سوف تندفع في نشاطها الدعوي الإرشادي وفي تنظيم الخدمات الاجتماعية التعليمية
والصحية والأنشطة الاستثمارية لمحاربة الفقر الذي عم السواد الأعظم وسوف تخاطب
القوى الإسلامية الشعبية والعلماء والمفكرين لعقد المؤتمر المرجعي يحدوها لذلك
نداء رسالتها المتجددة مثلما وصفها المرحوم عبد القادر كرف:
لم تخب شعلتك التي تتألق يفنى الزمان ونور هديك يشرق
كما وصف الأنصار
حماة هذه الدعوة:
للدين للوطن الكريم صدورهم تحمي وفيهم غضبة وترفق
ويتطلع
الأنصار الآن للتآزر مع كل الشعوب في المنطقة العربية والإسلامية والإفريقية لجعل عالمنا
أفضل.. وبهذه المناسبة نرسل تحيتنا للشعب الفلسطيني الصابر والمرابط من أجل قضيته
المشروعة، القضية التي لعب المجتمع الدولي الدور الأكبر في تعقيدها وواجبه أن
يحلها بفرض الحل العادل وحمايته. لقد جرى في الأيام القليلة الماضية تبادل للأسرى
بين الجانب الإسرائيلي والمقاومة اللبنانية التي أفلحت من قبل في إجلاء قوات
الاحتلال عن جنوب لبنان، لقد أثبت ذلك التبادل جدوى المقاومة، وحيوية الشعوب
العربية في المقاومة، كما تبرز حيويتها في المطالبة بالحريات والديمقراطية، مما
يجعلنا نأمل أن يتحقق التحول الديمقراطي على طول العالم العربي عبر حركة الشعوب.
أحبابي
وإخواني، قال المولى جل وعلا: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (
[viii]
. وقال رسول الله (ص):
"استغفروا الله إن الاستغفار مخ العبادة".
الخطبة الثانية
الله أكبر
الله أكبر الله أكبر
الحمد لله
حبب للناس أوطانها والصلاة والسلام على النبي القائل لدى هجرته" اللهم إنك أخرجتني
من أحب البقاع إلي فأسكني أحب البقاع إليك" مما يؤكد الأثر القائل "حب
الوطن من الإيمان"، كما قال الجاحظ "كان الناس في زمن البرامكة، إذا
سافر أحدهم، أخذ معه من تربة أرضه في جراب يتداوى به".
أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز
مشاكل الوطن تعود
لأسباب كثيرة ولكن الأيدلوجيات الواهمة والشموليات القاهرة أدخلت الوطن في متاهات.
أهم هذه
المتاهات الآن هي:
أ) تفشي نزاعات تعصب إثني
وتفشي ثقافة العنف وآلياته وقيام جسور خارجية متصلة بالنزاعات الداخلية.
ب)
مبدأ تقرير المصير إذا أدى للانفصال فسوف يخلق سابقة لبلقنة الوطن.
ج)
كثير من الأزمات الإقليمية في دول الجوار صارت مقترنة بأزمات
داخل السودان.
د)
نشأت لوبيات تستهدف السودان في كثير من الدول الغربية وستواصل
اهتماماتها.
ه)
نشأ استقطاب ديني حاد من نتائجه تكوينات دينية عرقية ذات تضامن
مع مراكز دينية خارجية.
لا أحد الآن
ينكر حقيقة هذه المتاهات ولا ينكر ضرورة التوافق الوطني لاحتوائها ونشدان الخلاص
الوطني.
إننا نهنئ
أنفسنا بأننا سبقنا لبحث الأفكار المطلوبة للوفاق الوطني واليوم نبادر بتحديد
المطلوب لاتحاد الصف الوطني.
الآراء
المؤسسة للوفاق مرت عبر المراحل الآتية التي بادرنا بها في حينها:
أولا: مقولة
أن القضية التي أدت للحرب قضية سياسية وثقافية واقتصادية ولا يمكن حلها في نطاق
عسكري وأمني فقط.
ثانيا: القول
بضرورة الاعتراف بالتعددية الدينية والثقافية في البلاد.
ثالثا: مقولة
أن الديمقراطية ضرورية ولكنها وحدها لا تكفي بل تتطلب التوازن.
إن اتفاقيات
السلام التي يجري التفاوض بشأنها حاليا في كينيا وتحت مظلة مبادرة الإيقاد تنطلق
بصورة أو أخرى من هذه المبادئ وتحظى عموما بدعم شعبي عريض لا سيما لأنها تمثل
بديلا لحالة الحرب البغيضة ولأنها تمثل آلية للتحول الديمقراطي المطلوب.
لقد اتفق منذ
بروتوكول مشاكوس في يوليو 2002م ومذكرة التفاهم على إعطاء أولوية للوحدة وهو مبدأ
وطني صحيح.
إن الانفصال
يفتح عش دبابير من المشاكل التي تفوق مشاكل الوحدة. هذه المسألة ينبغي بيانها لأن
حججا انفصالية جديدة أطلت برأسها في الشمال فحواها: أن الجنوبيين مختلفون تماما من
الشماليين. وهم يبتزون الشمال ويريدونه ممولا لكيانهم الانفصالي ثم ينفصل في الوقت
المناسب. لذلك لا معنى للانتظار ولا لتقرير المصير والأفضل انفصاله الآن. أقول:
أولا:
المشاكل في السودان ليست شمالية جنوبية وحسب. هنالك مشاكل داخل كل إقليم فإن صار
الانفصال هو الحل فإنه لا يقف عند حد حتى يمزق البلاد.
ثانيا: هنالك
عدد كبير من الجنوبيين في الشمال صاروا جزءا من الاقتصاد النقدي ولا يقبلون إعادة
التوطين اختياريا كما أن هنالك قبائل شمالية تعيش مجاورة للجنوب وتنزح نحوه في
الصيف ويعتبرون هذا حقا طبيعيا.
ثالثا:
البترول الحالي يقع في منطقة هي شمال الجنوب وجنوب الشمال والبنية التحتية
لاستغلاله في الشمال وقيمتها لا تقل عن 5 مليار دولار. واستغلال البترول كمصلحة
مشتركة من مصلحة الشمال والجنوب.
رابعا:
الشمال والجنوب حاليا يصدان بعضهما بعضا من خيارات مخلة بتوازنات إقليمية وفي حالة
الانفصال يفتح طريق تلك الخيارات.
خامسا: إذا
كان الانفصال سوف يؤدي لقيام دولة ثيوقراطية في الشمال وأخرى إما علمانية أو
ثيوقراطية مسيحية فإن هذا الوضع سوف يعمق الخلافات بين البلدين ويجذب إليه تحالفات
إقليمية ودولية عدائية.
إذن إعطاء الوحدة أولوية حاجة وطنية. ولكن
الاتفاقيات الحالية مع أنها انطلقت من مبدأ الحل الوسط والتنازل المتبادل فإنها في
عدد من بنودها سوف تعطي الانفصال أولوية ما لم يتم استدراك بعض الثغرات كالآتي:
أولا: ينبغي
الاتفاق على معادلة للتوفيق بين الالتزام الإسلامي والوحدة الوطنية. هذه المعادلة
أوجدها بروتوكول مشاكوس في شكل جغرافي بحيث تطبق أحكام إسلامية في الشمال ولا تطبق
في الجنوب. هذه المعادلة تؤدي لتعزيز كيانين متباينين على أساس جغرافي والمعادلة
الصحيحة هي اعتماد التعددية القانونية بحيث تكون القوانين المطبقة على الكافة
محايدة دينيا بينما تكون الأحكام ذات المحتوى الديني خاصة بالجماعة الدينية
المعنية في البلاد.
ثانيا: أوجبت
اتفاقية الترتيبات الأمنية تكوين قوة مشتركة مناصفة بين القوات المسلحة السودانية
الحالية والجيش الشعبي. وأن تكون هذه القوة هي نواة القوات المسلحة الوطنية أو القومية.
هذا الاتفاق يؤسس على افتراض أن هاتين القوتين حزبيتان وإدخالهما في كيان مشترك لا
ينفي عنهما تلك الصفة. الصحيح أن يتفق على الترتيبات الانتقالية بوسائل التنازل
المتبادل ولكنه بالنسبة للمستقبل يوضع أساس قومي للقوات المسلحة ثم تدمج القوات
المختلفة في الكيان العسكري الجديد حسب أهليتها لذلك. الصفة الحالية غير عادلة وهي
أيضا غير مقبولة لعدد ضخم من المليشيات يبلغ اثنين وثلاثين فصيلا. إن عدم ضبط
أسس ومقاييس القوات المسلحة السودانية يشكل خطرا كبيرا لمستقبل الدولة السودانية.
ثالثا: فيما يتعلق بتوزيع الثروة فإن النص على أن ينال الجنوب
50% من بترول الجنوب يعزز حجة الانفصاليين في الجنوب الذين يقولون الأفضل الانفصال
والفوز بكل عائد بترول الجنوب. النص الوفاقي الأفضل أن يعطى الجنوب حصصا من
الثروات الوطنية مهما كان مصدرها الجغرافي بالاعتبارات الآتية:
·
نسبة مطابقة للنسبة السكانية. تقدر قبل التعداد المزمع تقديرا.
·
نسبة لإزالة آثار الحرب.
·
نسبة للفجوة التنموية والخدمية.
هذه النسب سوف
تبلغ 50% وتزيد ولكن بصورة تعزز الاتجاه نحو الوحدة.
رابعا:
بالنسبة للنظام المصرفي فإن آليات المرابحة والسلم الممارسة حاليا أكثر استغلالا
لحاجة المحتاج من سعر الفائدة المعلوم. تسمية هذه إسلامية محل خلاف كبير. الصحيح
أن يكون النظام المصرفي واحدا وأن يكون في كل المصارف شباكان أحدهما يعمل بآلية
سعر الفائدة المنضبط أي العائد التعويضي والآخر بالآليات الأخرى.
خامسا: إن
ثنائية الاتفاق تعرضه لخطر كبير لأنه سوف يواجه تحفظات وربما تحديات داخل طرفي
التفاوض وخارجهما. لذلك ينبغي أن يتفق على آلية المجلس القومي الذي اقترحناه وسيلة
لتحويل الاتفاق من ثنائي إلى قومي وهذا يحميه من التحفظات والتحديات ويعزل
معارضيه.
سادسا:
بالنسبة للمناطق الثلاث المختلف عليها ينبغي الالتزام بالحدود الجغرافية القديمة
لأن أية تعديلات للحدود تفتح بابا عريضا يضاعف المشاكل. ولكن هذه المناطق يسكنها
بشر لهم رؤى ومصالح ولا يجوز تداول الرأي حولهم دون مشاركتهم. ومشاركتهم الصحيحة
هي عبر ممثليهم المنتخبين عبر انتخابات حرة وإلى حين ذلك تجري لهم إصلاحات
انتقالية إدارية وتنموية وخدمية وتبقى الحدود كما كانت في عام 1956م.
سابعا:صيغة
المشاركة الإقليمية الحالية وكذلك الدولية غير متوازنة. إن في حضور آخرين مقترحين
للمجلس القومي كمراقبين وشهود ما يحقق التوازن المطلوب ويدعم دفاعات الاتفاقية.
ثامنا: إن
الحصول على موافقة القوى السياسية المسلحة ممكن إذا لم تغفل وحددت مشاركتها على
أساس عادل.
أما القوى
السياسية المدنية فإن اتفاقها ممكن إذا خوطبت مخاوفها من ناحية عدم اهتمام
المفاوضين بالتحول الديمقراطي. وفي هذا المجال أهم مطالب هؤلاء هي: كفالة الحريات
العامة وحقوق الإنسان- تكوين قومي صحيح للجنة الدستور- قومية مؤسسات الدولة- إجراء
انتخابات عامة حرة ومراقبة تشمل كافة المناصب الدستورية في نهاية فترة الرئاسة
الحالية.
المشهد
الإسلامي الديني في السودان مصاب اليوم بتشويهات نتيجة للاستقطابات التي طبعت
الفترة الماضية. هيئة شئون الأنصار، وهيئة شئون الختمية، والطرق الصوفية، وسائر
الكيانات الدينية ينبغي أن تكون منبرا دينيا مميزا من الدولة ومن الأحزاب السياسية
ليقوم بدور توحيد أهل القبلة في إطار ذي تكوين مستقل ويسجل كجمعية غير حكومية
ملتزم بمبادئ دينية محددة ومستعد للتعاون مع المنظمات الدينية المماثلة أمميا
للقيام بحوار ديني مع كافة الإيمانيين من غير المسلمين.
أحبابي
وأخواني وأخواتي وأبنائي وبناتي:
إن
الجرح الجديد الذي ينزف في دار فور يؤرق كل وطني بل كل إنسان. أقول ينبغي الاهتمام
بأزمة دار فور لا بإلحاقها بالتفاوض الذي يجري في كينيا ولا بإرجائها حتى نهايته.
إنني
أوجه نداءا للحكومة وللمؤتمر الوطني ولحركة تحرير السودان ولحركة العدالة
والمساواة أن يستجيبوا فورا للنداء الآتي:
أولا:
إعلان أن ثمة مشكلة سياسية لا يمكن حسمها عسكريا والاستعداد لوقف كامل شامل لإطلاق
النار.
ثانيا:
السماح لمنظمات إغاثة إنسانية معتمدة ووطنية ودولية مثل شبكة دار فور للقيام فورا
بواجب الإغاثات الإنسانية وتوفير الحماية اللازمة لهم.
ثالثا:
إجراء إصلاح إداري فوري ذي طابع قومي توسع الدولة الاستشارة بشأنه لكسب الثقة في
الإصلاح المنتظر.
رابعا:
تكوين هيئة قومية وبصورة جامعة وتفويضها سياسيا لبحث أجندة دار فور السياسية
والتنموية والخدمية والإدارية والقبلية للاتفاق على الإصلاح السياسي المطلوب في
فترة لا تتجاوز ثلاثة شهور، على أن يدعى جيراننا المباشرون للإقليم لحضور هذا المؤتمر
كمراقبين لأن للمسألة أصداءا إقليمية واضحة.
إن
السودان بوعي أهله السياسي، وإمكاناته البشرية والمادية واعد ولا أبالغ إذا قلت إن
مشاكل كثير من الدول الأخرى أكثر عمقا واستعصاءا على الحل, وبقدر ما نواجه من
أزمات فأمامنا فرص، وقديما قال الإمام المهدي "المزايا في طي البلايا والنعم
في طي النقم" ومهما دخلت البلاد في متاهات فإن استعداد القائمين بالأمر في
النظام للاعتراف بالرأي الآخر واستعداد القوى السياسية المعارضة للحوار الإيجابي
الجاد من إشراقات العبقرية السودانية ومن بركات العناية الإلهية. إنها حالة مبشرة
"إن لربكم في دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها" المعنى الذي صاغه بشريا شاعر
انجلترا الأشهر:
للبشر صروف الدهر كموج البحـــــــر
إن ركبوا الموجة حين المد ينالوا الظفر
أو ضاعت منهم عاشوا دركـــــا
حصدوا الألم طوال العمــــــــــــر
ها نحن المد الأقصى الآن لنا يغمـــــــر!
ختاما
أقول:
لقد كان
الحبيب الفقيه القرآني عبد الله اسحق من فوارس هذا المقام فانتقل إلى رحمة الله
حيث وعد الله ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ
وَعُيُونٍ* آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ
مُحْسِنِينَ ( [ix]
.
أما
الحبيب الراحل عمر فقد خلى مكانه وترك لنا يتما خاصا وعاما :
ألا مــــــــــن لـــي بأنســك يا أخيــــا
ومــــــن لـي أن أبثـــــــــك ما لديــــا
بكيتـــــك يـا أخــي بدمــــــع
عينـــي فلـــم يغـــــن البكــــاء عليـــك شيـــا
وكانت فـي حيـــاتك لــي عـظــــــات
وأنت اليـــــوم أوعــــظ منـــــك حيـــا
أحبابي
وأخواني
أعفو
عني فأنا عاف منكم، وأنا وأنتم نرجو عفو رب العالمين:
ولما قســـى قلبـــي وضاقــــت مذاهبي
جعلت الرجــــا منـي لعفـــــوك سلما
تعـاظمنـــي ذنبــــــي فـلمــــا قرنتــــــه
بعفــــوك ربـــي كان عفـوك أعظمـا
والسلام عليكم مع بركات
العيد أعاده الله علينا جميعا باليمن والبركة
[i]
سورة
الشورى الآية13
[ii]
سورة البقرة الآية 115
[iii]
سورة يوسف الآية 13
[iv]
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد والدارمي.
[v]
سورة البقرة الآية 167
[vi]
سورة النور الآية 31
[vii]
سورة الأحزاب الآية 59
[viii]
سورة
الرعد الآية 11
[ix]
سورة الذاريات الآيتان 15- 16.
|