الخطب المنبرية: الخطبة التي ألقاها السيد الصادق المهدي الجمعة 8 مارس 2002م بمسجد ودنوباوي
القضية السودانية
شئون عربية وإسلامية
شئون إفريقية
الخطب المنبرية


 

الخطبة التي ألقاها السيد الصادق المهدي
الجمعة 8 مارس 2002م بمسجد ودنوباوي

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم- بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الوالي الكريم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله مع التسليم. وبعد-

أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مع أن ما باعد بيننا وبينكم كان شهرا إلا أنه بطوله والشوق فيه، وما ازدحم فيه من الأحداث كان دهرا، ومهما كان هذا الدهر طويلا إلا أنه كان دالا على أننا في قلوبنا معا، وفي عقولنا معا، ولا شك أنني معكم في السراء والضراء وأنكم معي أيضا في السراء والضراء. زرت خلال ذلك الشهر ست مدن ولكن يعلم الله أن المرامي في هذه المدن كانت كأنها مدينة واحدة: اجتماعات ومؤتمرات وندوات ومقابلات واتصالات وأجندة واحدة تخص الإسلام والسودان، السودان الذي زرعه الله في قلوبنا وأمرنا ببره برا بالوطن. تجاوبت مع مشاعر شاعرنا في هذا الصدد:

تحيتي هي باقات أقدمــها من نبع قلب هوي السودان أضناه
قد همت في حبه منذ الصبا وإلى أن ينتهي أجلي أهواه أهواه

قضيتنا الوطنية الأولى هي السلام، سأقص عليكم كيف أننا ولله الحمد كسبنا رهان الوطنية ورهان الدين. أما الرهان الوطني فيقوم على أساس أننا في أمر السلام اختلفنا مع النظام الحالي الذي كان يصعد الحرب ويعلن الجهاد ضد مواطنينا الذين حملوا السلاح. رفضنا هذا الاتجاه إلى أن أدى موقفنا هذا للتفاوض والتفاهم مع الآخرين إلى مقررات أسمرا 1995م. اختلفنا مع النظام ضمن قضايا أخرى في قضية السلام هذه.

واختلفنا مع التجمع في عام 1999م لأنه حرص في ذلك الوقت على الإبقاء على الأجندة الحربية. كنا قد رأينا أن تغيير موقف النظام للتفاوض وقبول المبادئ الصالحة للسلام مبرر كافي للتخلي عن الأجندة الحربية، فراهنا على الأجندة السلمية، واختلفنا مع زملائنا في التجمع عندما أصروا على الأجندة الحربية.

ومن أجل أجندة السلام هذه واجهنا السياسة الأمريكية في عهد الرئيس السابق كلنتون حتى كان منبرنا وكان طرحنا هو الأقوى في رفض توجه السياسة الأمريكية عندما كان ذلك التوجه منحازا لدعم فصيل واحد لتصعيد الحرب.

اختلفنا مع من اختلفنا وواجهنا من واجهنا ولكن في قضية السلام نستطيع أن نقول الآن كسبنا الرهان فبدأت البشائر أولها:

نداء مبشرين (كمبوني) المعلن في يناير 2001م والذي فيه قالوا سوف نكسر الصمت ونتحدث وندين الحرب وننادي الآن بالسلام. كذلك على نفس النهج عقد مجلس كنائس السودان الجديد بمدينة كيسومو بكينيا في يونيو 2001م عقدوا مؤتمرا أكدوا فيه ضرورة وقف الحرب والانحياز للسلام ثم بدأت الجرأة والإقدام عند عدد كبير من القيادات الجنوبية فكونوا المنبر الديمقراطي لقيادات جنوب السودان لاستعجال السلام الآن. هذه الموجة العاتية القوية السلامية كنا أول من راهن عليها ودعا لها وانحاز لها وكان في ذلك تأكيدا لصحة قراءة الموقف الوطني، وبذلك بدأت أول الدلائل على تغيير المواقف.

التجمع الوطني الديمقراطي الذي كان دائما يخالفنا في هذه النقطة قال في بيانه الأخير في أسمرا في فبراير الماضي بموقف أشبه بموقفنا في قضية السلام ثم جاء تطور الموقف الأمريكي، الذي تطور وتغير من تغليبه للأجندة الحربية ودعمه لفصيل واحد لتأجيج الحرب ومواصلتها، إلى موقف مختلف فيه تواصل مع الحوار لإيجاد حل سياسي. هذه التطورات كلها لم تكن مقطوعة من مجهود كبير وتفكير كثير وتعبئة بالغة قمنا بها نحن في مجالاتنا المختلفة وقد استطعنا أن نقول الآن -ولله الحمد- أن قضية السلام صارت الآن محل إجماع الجميع، ونستطيع أن نقول قد هزمت الأجندة الحربية: هزمت سودانيا بحيث أن كل اجتماعات ولقاءات ومؤتمرات السودانيين الآن تنادي بالسلام وتعزل الأجندة الحربية، وهزمت أفريقيا لأن أفريقيا اليوم قد توجهت لكي تحقق السلام في كل ربوعها، وهزمت في أوروبا لأن الدول الأوربية الآن صارت تتعاطى مع هذه القضية.. تحولت لغة الآخرين إلى اللغة التي كنا نتحدثها قبل عامين ونعتقد أن هذا فيه كسب كبير لقضية السلام، وللقراءة الصحيحة التي أمكن أن نراهن عليها دعما لهذه القضية، بحيث اليوم كل من ينتهج نهجا حربيا يجد نفسه معزولا بقوى داخلية وخارجية وهذا أمر نحمد الله عليه .

القضية الثانية: قضية الديمقراطية:

منذ بداية هذا النظام واجهناه على أساس الديمقراطية واستمر موقفنا ضده لأننا نريد الديمقراطية وكان يرفضها ويطرح موقفا أحاديا ولكن تحول موقفه، وعندما تحول موقفه حاورناه حوارا جادا ولكن حينما اتضح لنا أن النظام ليس مستعدا بعد لتكملة المشوار الديمقراطي تعلق هذا الحوار إلى أن نكمله عبر المبادرة المشتركة، لأننا كنا ولا زلنا نحرص على قضايا معينة عليها يدور اتفاقنا أو اختلافنا: الدستور الديمقراطي، القوانين التي تحمي الحريات العامة وتحمي حقوق الإنسان، دولة الوطن وليس دولة الحزب.. هذه القضايا هي القضايا التي ما زالت معلقة ونحن نقول: النظام الآن يقبل مبدئيا بحث هذه القضايا، نحن سنخوض كل مفاوضات ممكنة ونخوض كل تعبئة لازمة حتى ننجز هذا الأمر وينتهي إلى انتخابات عامة حرة نزيهة يختار الشعب بموجبها من يحكمه.

وكما حاصرنا الحربيين بالسلام حاصرنا الشموليين بالديمقراطية وسنواصل هذا الحصار إلى أن يتم هذا الهدف لأنه لا معنى لأي حكم لا يقوم على رضا الناس ومساءلة الناس ومحاسبة الناس واختيار الناس، نحن كنا وما زلنا نحرص على جمع الصف الوطني كله، النظام والأحزاب السياسية والتجمع كل هذه تحرص على التواصل معها والاتفاق معها من أجل هذه القضية ومن أجل الأجندة الوطنية ولهزيمة الأجندة الشمولية ولهزيمة الأجندة التدويلية. كنا ولا زلنا وسنظل ساعين في كل الأطراف ومع كل القضايا لتحقيق هذه الأجندة.. عليها نتفق وعليها نختلف.

جاءت مستجدات الآن تدعم هذا الرهان الديمقراطي، بعضها على الساحة السودانية إذ صار واضحا أن الجميع يتطلعون للديمقراطية ويعتبرونها الطريق للاستقرار، وكذلك على الساحة الأفريقية فالآن في أفريقيا تقرر تماما أنه إذا وقع أي انقلاب على نظام ديمقراطي لا يعترف به. الديمقراطية صارت موجتها عاتية وكثير من القادة الأفارقة الآن تحاصرهم شعوبهم وتستنجزهم انتخابات عامة حرة- كما تسمعون في الأنباء- وقد اتفقنا ماضيا، والآن نسير في أن نقيم منبرا نسميه "المنبر الديمقراطي الأفريقي"1 لكي يدعم دراسات الديمقراطية ويدعم مجهودات الديمقراطية في افريقيا.

والآن جاءت مستجدات أخرى، منذ حوادث الهجوم على الولايات المتحدة صار هناك اقتناع عام دولي بأن المطلوب الآن من النظم المختلفة أن تصالح شعوبها لأنها إذا اختصمت مع شعوبها فإن هذه الخصومة سوف تولد الإرهاب فلا بديل لتجفيف الإرهاب إلا ضمن برنامج يفتح المجال للقوى السياسية لتعبر عن رأيها، وهذا معناه أن العالم نفسه صار مقتنعا بأن جزءا من تجفيف مصادر الإرهاب دعم الديمقراطية وهذا تأييد إضافي للمشروع الديمقراطي في العالم، والحقيقة أن الديمقراطية شرط للتنمية لأنه بدون ديمقراطية تصرف الأموال في محاربة الشعب عن طريق الأجهزة الأمنية ويمكن لأي شخص أن يعقد اتفاق سلام ثم يخون هذا الاتفاق، ولكن في وجود الديمقراطية الدستور والإرادة الشعبية ترعى وتضمن السلام.

إذن صارت الديمقراطية كملح الطعام: مهمة لتجفيف الإرهاب، ومهمة للاستقرار، ومهمة للتنمية، ومهمة للسلام .. وهذا المعنى الجديد هو الذي كان رهاننا وصار الآن مقبولا عالميا. أقول الرهان على الديمقراطية صار رهانا كاملا ونحن الآن بالفكرتين والمبدأين نحاصر من يرفض السلام بالأجندة السلامية ونحاصر من يرفض الديمقراطية بالأجندة الوطنية، ونقول الآن تعددت المنابر والأنشطة الداخلية والخارجية التي نجتهد الآن لاستثمارها ولتفعيلها من أجل الدعوة للسلام والديمقراطية ومن أجل تدعيم هذا الرهان الكاسب الذي صار كسبه وطنيا قويا وخارجيا قويا أيضا.

ضمن قرارنا هذا أن نتصل بكل الأطراف لتعبئة الموقف من أجل الأجندة الوطنية وبالفعل اتصلنا بهم جميعا بعضهم استجاب وبعضهم تردد. الحركة الشعبية التي يقودها جون قرنق ضمن الذين ترددوا، طرقنا بابهم عدة مرات، التقينا بهم في أبوجا 2001م والتقينا بهم في طرابلس، والتقينا بهم في أكسفورد مؤخرا ولكنهم في كل هذه اللقاءات ما كانوا حريصين على مواصلة الكلام معنا اللهم إلا في اللقاء الأخير الذي انعقد في لندن بين الأخ مبارك والأخ قرنق هذا اللقاء جاء بطلب من الدكتور جون قرنق ولعل هذا السبب في أنه جاء مفاجئا حيث كانت اللقاءات السابقة تأتي بتدبير وطلب وتخطيط منا، ولكنهم كانوا في ذلك الوقت يتخذون موقفا آخر.. هذا الطلب أو الاتصال بهم نحن نسعى لأن نوظفه وكل الاتصالات من أجل إنهاء الحرب ولتحقيق التحول الديمقراطي فإن صحت هذه الاتصالات وأدت لهذه النتائج فهذا ما ينبغي ولكن نحن لن نكون طرفا في أي مشروع حربي أو بنية حربية ولذلك يستطيع الواحد منا أن يقول (مغمض العينين) إننا إذا اتخذنا أي موقف فإنه من أجل التوجه الديمقراطي أو من أجل عقد السلام وليس من قريب أو بعيد من أجل أجندة حربية أو من أجل توجه شمولي، نحن ضد الشمولية وضد الحربية لأننا اعتقدنا ونعتقد أنها الآن ضد المصلحة الوطنية وعلينا أن نحاربها بكل الوسائل وسنفعل باتصالاتنا كلها مع النظام ومع المنظمات المختلفة ومع القوى الوطنية المختلفة كلها، السعي لتحقيق الأجندة الوطنية بشقيها: التحول الديمقراطي، والسلام، وآليتنا لذلك الاتصالات المباشرة وكذلك التطلع لمبادرات الأشقاء والأصدقاء لتساعدنا في تحقيق هذه الأهداف.

هناك في الساحة المبادرة المشتركة المصرية الليبية ونحن قلنا لهم نعتقد أن هذه المبادرة حتى إذا لم تستطع أن تحل كل القضايا يمكن أن تحل بعض بالقضايا ولذلك علينا أن نمضي فيها إلى آخرها ولكن لكي تفعّل هذه المبادرة وتتحرك لا بد لها من خمسة إجراءات أساسية:

أولا: إعلان أنهم يباركون ما يتفق عليه السودانيون.

ثانيا: أنهم في تحركهم هذا يشركون معهم جيراننا في القرن الأفريقي.

ثالثا: ضرورة حضور لأصدقائنا في الأسرة الدولية.

رابعا: ضرورة إيجاد وسيلة لعلاج المشاكل الإجرائية حتى لا تعطل المبادرة.

خامسا: أن يكون للمبادرة مفوضون وسكرتارية لكي تتحرك.

هذا رأينا فيها ونعتقد أن هذا لا يتناقض مع حرصنا على الدور الأمريكي فالدور الأمريكي نحن لعبنا دورا كبيرا في مخاطبته ومخاطبة أصحابه عندما كانوا يتجهون اتجاها آخر حتى تعدل خيارهم الآن ولكن نحن نعتقد أن الدور الأمريكي يجب ألا يقوم على غيبة الدور الوطني ولا على غيبة الدور الإقليمي بل يكمل هذه الأدوار وهذا ما يمكن أن نفعله في ترشيد الدور الأمريكي حتى لا يكون في أي صورة من الصور مغيبا للإرادة الوطنية أو مغيبا للمساهمة الإقليمية.

هذا ما نحن بصدد عمله في هذه الرحلات وهذا الاتصالات وهذا العمل. إن ما يحدث في هذه المجالات حتى الآن مع أنه لم يحقق نتائج عملية إلا أنه حقق تحضيرات كبيرة يمكن أن تؤدي إلى نتائج عملية بموجبها تنتهي الحرب وبموجبها تنتهي الديكتاتورية، وبموجبها يقوم الاستقرار في السودان على أساس سليم يرتضيه الناس. وفي الحقيقة نحن وغيرنا من الذين يصنعون هذا كله إنما نعتبر أدوات للعناية ولكن {لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، وكذلك فإن التفاضل بين الناس يقوم على قاعدة الخلق عيال الله خيركم عنده خيركم لهم، وهذا ما نتطلع أن نعمل فيه ما نستطيع ونسأل الله في هذا التوفيق.

استغفروا الله فإن خير الدعاء الاستغفار.

الخطبة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الوالي الكريم . وصلي الله علي سيدنا محمد وعلى أله مع التسليم وبعد-

لماذا كانت هذه الزيارة لأمريكا؟ كانت هذه الزيارة بدعوة وأنتم علمتم تفاصيلها ولكن المهم فيها أنه منذ يوم 11 / 9 صار هناك حقائق جديدة في المسرح الدولي، ما هي هذه الحقائق الجديدة؟

هي أن بعض المسلمين "جماعة القاعدة وجماعة طالبان" اتخذوا موقفا واضحا: هو أن نقيم نظاما إسلاميا مثل طالبان وأن نتخذ أسلوبا في المعارضة مثل القاعدة، هذه الفكرة أصبحت واضحة، نحن عندنا موقف إسلامي واضح يحدده وينوب عنه ويجسده هذا المنبر. والغريب أن هذا الفكر مع أنه يوم 11/ 9 كان معزولا الآن لم يعد معزولا لأسباب:

السياسة الأمريكية في أفغانستان خلقت عطفا لطالبان والسياسة الإسرائيلية في الشرق الأوسط وما فيها من مظالم خلقت عطفا للقاعدة، الآن نتيجة لتصرفات معينة موقف طالبان والقاعدة صار له تأييد في الشارع العربي والإسلامي هذه حقيقة ماثلة وواضحة. ضد هذا الموقف هناك مفكرون تدعمهم الدوائر الأمريكية فترى أن الإسلام هو سبب العنف وسبب التوتر الموجود في المنطقة، ولذلك لا بد من إبعاد الإسلام عن الحياة العامة مثلما فعل كمال أتاتورك في تركيا. فأصبح لدينا طرحان: طرح طالباني قاعدي يرى ما يرون في إطار الطرح الإسلامي، ضد هذا طرح كمالي مثلما فعل كمال أتاتورك في تركيا.

والآن هناك تضامن أساسي في كل الأجهزة المختلفة ولدى المسلمين في كل مكان بين هذين الرأيين. نحن نمثل رأيا آخر، نحن نمثل رأيا إسلاميا صحويا يرى خطأ موقف القاعدة وطالبان وكذلك خطأ هذا الموقف السالب من الإسلام ولذلك كان الأمريكيون مهتمين لأن يسمعوا هذا الرأي الثالث فكانوا دائما يسمعون جهتين: جهة تؤيدهم وتتبعهم وتمتثل لآرائهم وأفكارهم وجهة تعاديهم في كل صغيرة وكبيرة وغير مستعدة للتعاون معهم. في هذه الناحية وجدوا خطابا آخر، خطابا موضوعيا أصيلا في إسلاميته ولكنه غير تابع لجهة وغير ساكت على الظلم يطالب بالتأصيل والتحديث وإزالة الظلم كموقف ثالث. نحن نعتقد أن هذا الموقف الثالث هو الذي علينا أن نقوم نحوه وأن تنشط فيه بقوة هيئة شئون الأنصار حتى ندافع عن الإسلام لأننا إن لم نفعل ذلك تركنا أمر الإسلام لطرفين: إما المتحمسين من أبنائه حماسا جاهلا يضره أو المتحمسين من أعدائه حماسا مغرضا فيضره، فعلينا التحرك بقوة وفاعلية. وقد التقينا بكثير من القيادات الإسلامية لكي نتفق على أن نقيم منبرا إسلاميا عالميا يخاطب هذا المعنى ليبرئ الإسلام من طالبان ومن الآخرين الذين يريدون أن يسلخوا جلدته سلخا.

كثير من الحكومات في العالم الإسلامي الآن بعدما حدث لطالبان انطبق عليها المثل السوداني (بللوا رؤوسهم) خوفا مما حدث هناك وصاروا يتعاملون مع السياسة الأمريكية من منطلق الخوف، والصحيح هو أن الحكومات ينبغي أن تصالح شعوبها، أي تطرح نفسها من منطلق الصحوة وليس من منطلق الإنكفاء أو التبعية هذا وحده هو الذي يحمى الدول المختلفة أما محاولة الضعف والهرولة لا يجدي شيئا، فالحكومات في الغرب الآن وهي حكومات قوية تعتقد أن أقوى الدول ليست الدول التي تمتلك المدافع أو القنابل، فأقوى الدول هي الدول التي تستمتع بسند شعوبها، هذه هي الدول التي يحترمها الغرب، فالغرب لا يحترم عدد المدافع أو الدبابات بل يحترم السند الشعبي. ولذلك حينما قال الرئيس بوش كلاما ضد الإسلام وخرج في الشوارع خمسة عشر مليون إيرانيا احتجاجا غير بوش موقفه لأنه أدرك أن هذا الذي قاله حرك الشعوب، لذلك فأي حكومة تريد أن تحمي نفسها ليس لها من طريق سوى السند الشعبي. وهذا يؤكد معنى وحقيقة ضرورة الديمقراطية.

الموقف الأمريكي ليس أصما بل قابل للحوار بالعقل، فالموقف الأمريكي يمكن التأثير عليه بالعقل الواعي وبالسند الشعبي وليس بأي نوع من الأكاذيب أو المناورات. لا حل ولا سبيل للتعامل مع الموقف الأمريكي إلا بالموقف العقلاني الواضح والسند الشعبي القوي، وهذا ينطبق أيضا على أوروبا. إنني أزمع السفر لألمانيا2 وسأقابل مفكرين ومثقفين من كل أنحاء أوروبا ليبحثوا هذه الملفات، فواجبنا أن نقول لا لطالبان ولا للقاعدة ولا للتبعية وهناك موقف إسلامي أصيل يجب احترامه لكي يحقق لنا مصلحة وطنية ودينية أكيدة إذا أمكن أن نجد تجاوبا معه، هذا في صميم مصالحنا التي ينبغي أن نصونها. ولا شك أنكم تتابعون الآن في كثير من الفضائيات العربية والعالمية ويظهر فيها هذا التلهف من أجل ماذا سيفعل المسلمون؟ علينا أن نرد على هذا من خلال جواب واضح سنفعل هذا أو ذاك من واجبات الصحوة.

قبل أن أنهي خطابي لكم هذا اليوم هناك مسائل خاصة وللأسف فإنني مضطر لأن أتحدث عنها مع أنها أمر يخصني لأن فيه طرفا عاما. بعض الناس رماني بأنه كان لي يد في تأخير الطائرة التي كنت سأسافر فيها للخارج. الذي حدث هو أن الأخ إبراهيم علي3 أخذ معلومة خاطئة بأن الطائرة ستسافر الساعة الحادية عشر، وأعلمني بذلك وكنت مستعدا للسفر في الساعة الحادية عشر ولكنه في الساعة السابعة والنصف صباحا اتصل بي ليقول أن الطائرة ستقلع في الساعة الثامنة صباحا، ثم علمت أن الطائرة تأخرت كعادة الطائرات السودانية فالتحقت بها. ولكني لست طرفا ولا يمكن أن أكون طرفا في بلاغ كاذب متعلق بتأخير طائرة لمصلحتي الشخصية مهما كان الأمر. ولكن للأسف الشديد بعض الكتاب اعتبرني مشتركا أو مسئولا عما حدث وحكم بإدانتي هذا في رأيي ظلم مبين، والحقيقة استنكر وارفض أي موقف لخدمة خاصة بي وأرفض أي سياسة لا اخلاقية، ولي سجل واضح في هذا الموضوع منذ أن كنت مستجدا في السياسة، أذكر منه التالي:

أولا: في عام 1965م اقترح على إجراء شهادة ( تسنين) حتى أتمكن من دخول الوزارة. وقد كان سني حينها دون الثلاثين- فرفضت ذلك باعتباره خطأ من حيث المبدأ الأخلاقي مع أن هناك من قاموا بهذا العمل.

ثانيا: عندما تحركنا في 2 يوليو جاءني بعض القادة الليبيين وقالوا اتفقنا نحن مع بعض الاخوة السودانيين على أننا سندعم تحركهم بقوتنا، فقلت لهم لا، هذه معركتنا نموت فيها نحن وليس أي شخص غيرنا، ولذلك عندما قال الرئيس السادات للأخ معمر القذافي إن هؤلاء المعارضون عملاء قال له القذافي إنهم وطنيون ونحن معجبون بوطنيتهم حيث عرضنا عليه أن نموت معهم فرفضوا.

ثالثا: أثناء الديمقراطية الثالثة جاء عدد كبير من النواب يريدون الانضمام لنا فرفضنا ذلك واشترطنا لقبولهم أن يرجعوا إلى الدوائر التي انتخبتهم ويعلنوا لها انضمامهم لحزب الأمة فإن وافقت على ذلك عبر مؤتمر عام قبلنا انضمامهم وإن لم يوافقوا تعاد الانتخابات في هذه الدوائر ويخوضها هؤلاء النواب بمبادئ حزب الأمة.

هذه المواقف مبدئية في ربط السياسة بالأخلاق، وهناك من يعتقد أن هذا خطأ، ولكن هذه هي طريقتي في السياسة ولن أغيرها وأعتقد أن من لا يربط السياسة بالأخلاق هو صائد سلطة وليس سياسيا.

وأما القضية الخاصة فأنا أكره أي خدمة خاصة لي ، وقد ربيت أبنائي كلهم على أن لا ينتظروا أي موقع اعتمادا على نسبهم ويعتبر كل منهم أن نسبه هو عمله ولذلك دفعتهم للتخلص من سلوك أبناء الذوات، وأبناء المراتب الذين قال فيهم الإمام المهدي ما قال. فهل يعقل أن تكون هذه نظرتي للوضعية الشخصية وهذه نظرتي في الربط بين السياسة والأخلاق ثم يأتي أحد من بعيد أو قريب ويتهمني بالإقدام على مثل هذا الفعل؟!!

إن الكتاب الذي جردوا أقلامهم لمهاجمتي في هذا الموضوع هم أصلا يتخذون مني موقف الضد ولذلك استغلوا هذه الحادثة، وقد اقترح على أن أرفع عليهم قضية إشانة سمعة ولكنني لن أرفع قضية على أحد، بل أشكوهم لله رب العالمين واستنجز الله فيهم وعده (إن الله يدافع عن الذين آمنوا ) واستنجزه فيهم وعيده (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله).

أحبابي في الله وإخواني في الوطن العزيز

مؤخرا سمعت في الفضائيات من كثير من السودانيين نغمة جديدة، وبالنسبة لي فيها عزاء، أصبحوا يقولون لي: نحن لا نستحق مجهوداتك هذه لأننا (ناكرين جميل) أنا لا أعتقد ذلك، ولا أوافق عليه فأنا أعتقد أن السودانيين من أكثر الشعوب وفاءا.

على كل حال أسأل الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بيد هذه البلد لأنها لا تستحق هذا الشقاء فأهلها طيبون خيرون.

في فترة غيابي هذه مات عدد من أهلنا أسأل الله لهم الرحمة ومنهم ناظر الكواهلة السيد محمد عبد الله الاعيسر الذي كان سندا قويا لقبيلته ووطنه، نسأل الله له واسع الرحمة وأن يطرح البركة في ذريته.

اللهم يا جليلا ليس في الكون قهر لغيرك ويا كريما ليس في الكون يد سواك، ولا إله إلا إياك، نسألك أن تأخذ بيد السودان، وأن تدفع به إلى الأمام وأن توفق أهله للخير والسلام وأن تهزم من أراد به شرا وأن تنصر من أراد به خيرا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

1 إشارة للاتفاق الذي تم بين الصادق المهدي والرئيس النيجيري أوباسانجو في 2001م حول تكوين منبر ديمقراطي أفريقي.

2 إشارة لرحلة ألمانيا المزمعة يوم 11 مارس الحالي لحضور الندوة المقامة بمناسبة مرور 25 عاما على منظمة بترسلمان المهتمة بالحوار الفكري بين الأديان.

3 إبراهيم علي هو مدير مكتب الصادق المهدي


© كل حقوق الطبع محفوظة لـ حزب الامة (السودان)