الادبيات: القضية السودانية:  كلمة رئيس حزب الامة  في احتفال فرعية الحزب بالقاهرة بمناسبة الاحتفال بذكرى 6 أبريل
القضية السودانية
شئون عربية وإسلامية
شئون إفريقية
الخطب المنبرية

 

كلمة رئيس حزب الامة 

في احتفال فرعية الحزب بالقاهرة بمناسبة الاحتفال بذكرى 6 أبريل

أبنائي و بناتي، أخواني و أخواتي، ضيوفنا الكرام،

السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته

أهديكم التهاني بالعام الهجري الجديد، و بذكرى رجب/ أبريل، راجيا الله سبحانه و تعالى أن يعيد علينا هذه المناسبات و بلادنا تنعم بحريتها و عزتها و كرامتها.

أريد أن أخاطبكم في أربعة نقاط هي زبدة موقفنا الحالي. و لكن قبل الحديث عنها أود القول أن المشكلة الأهم و التي أدت إلى الزوبعة الحالية في التجمع لا تتعلق بخلاف على المبادئ و لا الوسائل و لكن الخلاف في كيفية التعامل مع المستجدات. يكمن خطأ الإنسان في وضع الشيء في غير موضعه، و اللغة العربية لغة أصيلة تستطيع بأصالتها أن تصوغ بكلماتها معان كبيرة و كثيرة؛ مثال:" الظلم " مأخوذ من الظلام الذي يجعل الإنسان يضع الشيء في غير موضعه، فلذلك الظلم معناه وضع الشيء في غير موضعه:

 

وضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر  كوضع السيف في موضع الندى

نحن استنكرنا عدم اعتبار المستجدات. فلا يمكن أن يكون خطابنا في 95 - 96 - 97 هو نفس خطابنا 2000، و لولا حدوث تغييرات و مستجدات لما تمكن حزب الأمة من إقامة احتفالاته و ندواته من قلب القاهرة، فدوام الحال من المحال. و هذا هو حقيقة الخلاف القائم بيننا؛ بعضنا يرى أن الأوضاع بها مستجدات تستوجب أن نغير خطابنا حتى نخدم قضية وطننا، و آخرون يرون أن هذه المستجدات طوارئ يجب ألا نحفل بها.

السودان من البلدان التي تصعب على فهم الكثيرين لأن المجتمع فيه أقوى من ا لدولة، ليس هذه الدولة فحسب بل أي دولة. فالمجتمع في السودان لديه هيمنة و نفوذ و جذور و قوة إذا لم تحترمها الدولة في السودان تجد نفسها محاصرة. على عكس غالبية البلدان الأخرى حيث الدولة هي الأقوى و إذا قالت فعلت:

 

إذا قالت حزام فصدقوها فإن القول ما قالت حزام

 أما في السودان تقرر الدولة و لكنها تجد نفسها مضطرة لمراجعة موقفها إذا رفض المجتمع هذا الموقف! و نحن نعتقد أن هذا ما حدث سواء بالنسبة لنظام مايو أو بالنسبة لهذا النظام: المجتمع طوّع الدولة و فرض الاتجاه الشعبي. وللأسف كثير من الاخوة لم يفهموا هذا الوضع لأنهم ليسوا جزءا من المجتمع السياسي في السودان رغم كونهم سودانيون وسياسيون ولكنهم لم يتشربوا بروح هذه الحقيقة السودانية فلم يستطيعوا ان يفهموا ان هذا المجتمع الذي هو أقوى من الدولة قد فرض أولويات جديدة على الدولة.

و أوافق الأخ احمد إبراهيم دريج على ما ذكر في كلمته بأننا لم نستغل فرص كثيرة في السابق، ولكنني لا أقول أنها فرص مضيعة " لأن كل ما لا يقتلني يقويني" فالشعب السوداني عاش تجارب أساسية مع الديكتاتورية العسكرية ، مع التسلط الشيوعي ومع التسلط الاسلاموي فبرْجَمْ ( من بُرْجُم أي الجدري الكاذب) بالشيوعية، وحصّبْ ( من الحصبة ) بالاسلاموية، وعنده الآن مناعة بحيث انه اقدر على التعامل مع هذه الأمراض الجرثومية.

النقطة الأولى:

و فيها سأتناول المحطات التي سبقت انتفاضة رجب أبريل واتت بها كمحصلة نهائية.

  • أول محطة عام 70م: النظام السوداني الانقلابي المتحالف - آنذاك - والمتآزر مع المفاهيم الشيوعية واجه انتفاضة أبا وودنباوي والتي كانت أولى المواجهات. ونتيجة لهذه المواجهة توهم نظام مايو أنه بنجاحه في مذابح أبا وودنباوي انه قد أزال الجهة الوحيدة التي يمكن ان تقف أمام سخافاته المستوردة وان الطريق قد انفتح له ليكتب في صحيفة السودان ما يشاء، وهذا الشعور بزوال المقاومة وعدم وجود تهديد على سلطته واستحكام جبروته أدى إلى الانقسام داخل نظام مايو والذي أدى بدوره إلى المحاولة الانقلابية الشيوعية في 19 يوليو 71، هذه المحاولة الانقلابية لم تذهب هباء، فقد نتج عن البطش المايوي بالحزب الشيوعي ان انفتح الطريق أمام كثير من القوى في الغرب والكنائس لتساعد النظام في عمل اتفاقية 72 للسلام.
  • ثاني محطة: اتفاقية السلام 72 والتي استطاع إخواننا الجنوبيون تحقيقها بنضالهم كان من ضمن بنودها درجة ما من الحريات في السودان والاتفاق على الدستور. أنا نفسي خرجت من سجن مايو نتيجة لهذه التطورات: دستور مايو 73 المبني على اتفاقية أديس أبابا 72. وبعد خروجي من السجن استطعنا ان ننظم أول انتفاضة شعبية (انتفاضة شعبان) في سبتمبر 73 والتي لم تذهب هدرا حيث قام نميري بعدها بقفل أبواب كل الحريات التي أتت بها اتفاقية 72 ، فقررنا أن ننتقل إلى أسلوب آخر؛ أسلوب المواجهة.
  • ثالث محطة: بعد تبني أسلوب المواجهة خرجت من السودان وعملنا محاولة إسقاط النظام في انتفاضة 2 يوليو 76 المسلحة والتي لم تأت بالنتيجة المتوقعة منها، بمعنى إننا لم نأخذ ما نريده . ولكنها أتت بنتيجة أخرى فقد أدرك النظام خطل ما يقول به من اندثار القوى السياسية الأخرى و ضرورة أن يعترف بها ويتعامل معها، وهذا ما أدى إلى المصالحة الوطنية 77 والتي لم تكن قط انخراط في نظام مايو بأي صورة من الصور، فقد اتفق معنا نظام مايو فيها على مشروع لإقامة الديمقراطية - وكل التفاصيل مسجلة في الوثائق - ولكن النظام لم يوف بعهده. ولكن بالقدر الذي أوفى به خُلقت ظروف جديدة أُطلق سراح كوادرنا والقوى السياسية السودانية التي كانت جميعها بالسجون، و ُردت كل العناصر العمالية التي شُردت إلى عملها، وقامت انتخابات طلابية ونقابية حرة وبدا نسبيا نوع من الحرية لولاها لما كانت انتفاضة رجب/أبريل.

انتفاضة رجب أبريل لم تكن حدث منبت عما سبقه من مقدمات ولم تكن إعصار هوائي معزول، بل قامت مبنية على قنوات نقابية واتحادات طلابية، فقد قامت انتخابات اتحادات جامعة الخرطوم، المعهد الفني العالي - الذي يسمى الآن بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا- وأهم هذه الانتخابات؛ انتخابات جامعة أمد رمان الإسلامية التي أفرزت قيادة طلابية على رأسها طلبة حزب الأمة. أيضا تمت انتخابات نقابات المحامين، المهندسين، الأساتذة والأطباء. وهكذا تمت تهيئة الظروف لقيام الانتفاضة.

انتفاضة رجب/أبريل كانت ثمرة غير مباشرة للمصالحة الوطنية التي هيأت الظروف لإجراء انتخابات طالبية شرعية وانتخابات نقابات مهنية شرعية، وهذه النقابات الشرعية هي التي أدت دور رأس الرمح بالنسبة للتغيير كما أعطت الجسم المتجاوب مع هذا الرأس مما أدى إلى الميثاق الوطني والتجمع النقابي والى التجمع الوطني، ثم تفجرت انتفاضة رجب/أبريل .

النقطة الثانية:

منذ قيام نظام يونيو واجه الشعب السوداني الظروف الجديدة بإنجازات معينة؛ ففي الداخل واجهنا الموقف بالصمود ضد الديكتاتورية ورفعنا راية الجهاد المدني والذي كان سلسلة متواصلة من الجهد والمكابدة فما من خطبة نلقيها ولا رأي نبديه إلا وندفع ثمنه سجنا وعقوبات واستجوابات ….الخ ولكن هذا الصمود جعل النظام يدرك ألا تنازل عن القضايا الأساسية والتي واجهنا فيها النظام بشدة، وهى:

  • رفض التطبيق الإسلامي الحزبي.
  • رفض الديكتاتورية.
  • رفض التعامل القهري مع الحرب الأهلية في الجنوب، فقد كان لدينا مشروع حل سياسي للقضية عند قيام الانقلاب.

ولا شك في ان افضل إنجازات الشعب السوداني ما قامت به المعارضة السودانية بقيادة التجمع الوطني الديمقراطي الذي أقام مدرسة مضادة مقابل الأجندة الاستئصالية والانقلابية والحزبية، هذه المدرسة أفرزت فكرا جديدا يتناول كيفية معالجة مشاكل السودان وسبل التصدي لها، مما أدى إلى صياغة قرارات مؤتمر نيروبي 93 ، ثم مقررات اسمرا 95 . وأنا لا أوافق ما ذهب إليه الأخ أحمد دريج من أن هذه الأفكار مستوردة من الخارج، بل هي أفكار صيغت في أم درمان، كمثل جنية المهدية مضروبة في أم درمان. وقد تداولناها في الداخل بالنقاش والحوار: المواطنة كأساس للحقوق والواجبات، تقرير المصير… الخ. وتم حوار بين الداخل والخارج وأثمر هذا الحوار المدرسة التي حققها الشعب السوداني. وأمام هذه المدرسة الجديدة تراجع النظام وتبنى أفكارها وصار يقلدها وكما يقول التعبير الإنجليزي Imitation is the greatest flattery "من قلدك هو اكثر المعجبين بك" فأصبح النظام يلهج بهذه اللغة الجديدة: تخلى عن الجهاد لإخضاع الكفار وتبنى المواطنة كأساس للحقوق والواجبات. تخلى عن دعواه القائلة أن التعددية كفر في الفكر وفي السياسة وتبنى القول بان التعددية واجب في الفكر وفي السياسة. كان يبشر بفرض اجندة توسعية على جيراننا في يوغندا وأثيوبيا وإرتريا والآن يتبنى سياسة مخاطبتهم والتعايش والاتفاق معهم، كما أقام النظام ما اسماه بالمؤتمر الشعبي الإسلامي لجمع حركات التطرف في العالم لإقامة أممية اسلاموية في الخرطوم ثم تخلى الآن عن كل هذا … الخ الآن توجد لغة جديدة، هذا التغيير في لغة النظام احدث تغييرا في واقعه، فدول الجوار بدأت تطبع علاقاتها معه، بالإضافة إلى التطور الذي حدث في جنيف مؤخرا في الدورة 56 لاجتماعات لجنة الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان؛ هذا العام اختير مرشح السودان بالإجماع من قبل المجموعة الأفريقية و بعدها بالإجماع أيضا اختير من بقية أعضاء اللجنة ليكون أحد نواب رئيسة لجنة الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان بعد ان كان السودان يدان سنويا من قبل نفس اللجنة في السابق. هذه متغيرات لا يمكننا ان ننكرها ولكن نبحث عن سبل إمكانية توظيفها لصالح خدمة قضيتنا.

هذه اللغة الجديدة ينكر حقيقة وجودها البعض قائلين إننا لن نتكلم عنها ولم نسمع بها ولا نراها، تماما مثل قرود الحكمة الهندية الشهيرة ( لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم ). لا يمكن ان نكون مثل هذه القرود، فلابد لنا كسياسيين وكأشخاص نتحرك ضمن المستجدات و من خلالها أن يكون لنا عيون وآذان وحاسة شم وحاسة لمس وان نستعمل حواسنا جميعا لنتابع المتغيرات ونتعامل معها. و أحد أهم مشاكلنا الآن هي التفريق بين من يريدون ان يكونوا قرود الحكمة الهندية والذين يريدون أن يكونوا متجاوبين بكل حواسهم مع المستجدات.

النقطة الهامة أن الشعب السوداني عبر مؤسساته المعارضة استطاع ان يفرض لغته وأفكاره على النظام .

ويبقى السؤال المشروع هل النظام صادق أم كاذب؟ هل يفي النظام بما وعد به أم لا؟ وهذا موضوع آخر يمكن ان يتباحث الكل في ضوابطه، واضعين في الاعتبار بأننا لسنا البلد الأول الذي يتم فيه انتقال من الحرب إلى السلام عبر التفاوض، ولا القطر الوحيد الذي يحدث فيه تحول سلمي من الديكتاتورية إلى الديمقراطية فقد حدث مثل هذا في جهات عديدة من العالم.

الآن هنالك الأجندة الوطنية وهى اجندة غالبة، وهى:

  1. اتفاقية سلام مبنية على قرارات اسمرا.
  2. تحول ديمقراطي حقيقي.
  3. لا مركزية الحكم.
  4. دولة الوطن بدلا عن دولة الحزب.
  5. المساءلة عن الأخطاء و رد المظالم.
  6. علاقات حسن جوار.
  7.  علاقات مع الأسرة الدولية.

و هذا موضح في ورقة الموقف التفاوضي التي وزعناها في أكتوبر 99 للجميع.

في رأيي هذه الأجندة الوطنية لا يوجد سوداني عاقل لا يُجمع عليها، و مهمتنا الآن أن نبحث في كيفية ضمان تنفيذها بمساعدة جيراننا و بمساهمة الأسرة الدولية في ما أسميناه بالتدويل الحميد الذي يمر عبر الإرادة السودانية، خاصة في الظروف الراهنة من وجود عدة مشروعات لتدويل الشأن السوداني تدويلا خبيثا، و هو التدويل الذي يفرض على الإرادة السودانية و يمر فوق رؤوس أهلها.

آخر مشاريع هذا النوع من التدويل ما قاله الأخ نيال وليم دينق رئيس وفد الحركة الشعبية في كلمته أمام الاجتماع الثالث للجنة السلام السودانية المنعقد من 3-7 أبريل 2000 في نيروبي و التي طالب فيها الأسرة الدولية أن تقوم بإجراءات معينة بالنسبة للسلام في الجنوب عن طريق مجلس الأمن، و هذا قرار خطير يدعو بفرض الأجندة السياسية الدولية على وطننا، لأن مجلس الأمن ليس منظمة خيرية إنسانية بل منظمة سياسية فإذا تدخلت عسكريا فلابد أن يكون عملها مصحوب بأجندتها السياسية و التي ستكون وفق رؤاها و حسب أولوياتها، و نحن لسنا ضد مجلس الأمن، فمجلس الأمن مؤسسة نحترمها و نقدر دورها في السياسة الدولية، لكني لا أعتقد أن قضيتنا يائسة بالدرجة التي نسلم بها للتدويل الخبيث في وطننا. الأخ أحمد دريج ذكر في كلمته أنه لا توجد مسائل كبيرة مُختلف عليها، و لكني أقول أن هذا الموضوع المطروح من قبل الأخ نيال دينق ُمختلف عليه جدا. فنحن في حزب الأمة لا نوافق البتة على مثل هذا النوع من التدويل للشأن السوداني و نسميه "تدويلا خبيثا". و نسأل بقية فصائل التجمع بصورة مباشرة: هل توافقون الحركة في هذا الطلب الذي قدمه رئيس وفدها، أم لا تدرون به؟ أنا أعتقد أن هذا كلام خطير للغاية و لا يمكن السكوت عنه و لابد من أن نرفضه و نعلن خطأه. و نقول أنه الآن يمكننا الاتفاق على الآتي:

  • وقف إطلاق النار إلى أن يتم التفاوض بشأن الحل السياسي.
  • لمبادرة الليبية المصرية المشتركة توكل إليها مهمة الوساطة و القيام بالاتصالات لوقف إطلاق النار و عقد الملتقى الجامع للوصول للحل السياسي الشامل.
  • لأجندة الوطنية.

وهنالك مواثيق وأسس للحل نحن متفقون عليها ولا توجد جهة في السودان مستعدة أو قادرة على مقاومتها.

النقطة الثالثة:

الآن توجد جهتان مخالفتان استئصاليتان؛ الأولى شمالية هزم الشعب السوداني مشروعها الذي اصبح غير موجود. والثانية جنوبية ما تزال رافعة الراية. الأخ جون قرنق يقول بأنه غير انفصالي و جائز أن أصدقه، لكنه يريد ان يطبق علينا برنامج استئصالي كبرنامج الجبهة. أخبرني بعض القادة الذين معه في حركته أن اكثر الأناشيد التي يحبها د. جون هو نشيد " كتيبة بلفام" والذي تقول كلماته:

"جا خبر من الخرطوم … قالوا دايرين يتكلموا معانا..
يتكلموا معانا؟ قرنق ما بوافق الكلام..
لانو قبال ده اتكلموا معانا وخدعونا..
إحنا ماشين للخرطوم.. مش عشان نتكلم مع ناسها..
عشان ما نكسر الموجود في الخرطوم كله.. ونبني الدايرنه نحن..
يا أخوانا اقيفوا في الكلام ده.. وما تترددوا..
أبوك لو خالفك فيه.. أديه رصاصة.."

هذا الكلام خطير جدا ويفرض اجندة استئصالية من نوع آخر، فواجبنا الوطني الآن هو: كشف هذه الاجندات الاستئصالية ومواجهتها والتعامل مع ما تطرحه بكل جدية لإسقاطها من اجل الشعب السوداني لما تقود إليه من حروب لا أول لها ولا آخر.

البعض يسأل: لماذا حزب الأمة متخذ هذا الموقف الصريح من الحركة الشعبية؟

نقول: حزب الأمة أكثر من اهتم بالحركة الشعبية دعما وتأييدا وموقفا.. الخ، عملنا لهم كما يقول المثل السوداني " يازبيدة ما تموعي". ولعل مما يفسر موقفنا الشديد الآن منهم أننا اكتشفنا انهم كانوا يعاملوننا بأجندة خفية، كما حدث في اسمرا مؤخرا؛ فقد كانوا اكثر الفصائل حرصا على عدم دخول التجمع في المبادرة المصرية الليبية المشتركة إلا بعد ان تستوفي شرط حزمة إجراءات تهيئة المناخ، وشرط التنسيق أو الدمج في الإيقاد، شروط عديدة.. فقلنا لهم لا مانع ولكن على الإيقاد ان تستوفي نفس الشروط. فقالوا لا، الإيقاد نواصل فيها كما هي واستيفاء الشروط خاص بالمبادرة المشتركة فقط! هذه هي شروط "النسيب الكاره"، وذلك أن تطلب من أحدهم ان يزوجك بابنته فيخبرك بأنه موافق على طلبك بشرط أن تسقي ابنته لبن الطير! أو كما حدث في قصة "يتيمة الدهر" الشهيرة في التراث العربي، أو قصة "ود النمير" و "فاطمة السمحة" في الفلكلور الشعبي السوداني التي فيها طلب والد فاطمة السمحة من ود النمير أن يأتي لها بصيد لا كبد له و لا مصران لينال رضاءه، و هكذا.. فشروط النسيب الكاره هذه أن يضع لك الطرف الآخر شروط تعجيزية بدلا من مصارحتك بقول "لا" مباشرة. وهذا ما قام به التجمع بقيادة الحركة الشعبية تجاه المبادرة المصرية الليبية المشتركة. والكيل بمعيارين هذا فيما يخص المبادرتين أمر غير صحيح وغير مقبول.

والدليل الأخير على استهتار الحركة الشعبية بالمبادرة المشتركة وتمثيل التجمع في الإيقاد على حد سواء عدم ذكرهم لأي منهما في الكلمة التي ألقاها رئيس وفد الحركة في اجتماعات نيروبي المذكورة سابقا و التي طالب فيها بهذا وذاك ولم يورد فيها أي ذكر لا للمبادرة المصرية الليبية المشتركة ولا لإشراك التجمع في الإيقاد، أي أن هذا " كلام يقولوه في الغرفة وينسوه في الزفة ". وهذا في الحقيقة لعب ومقاييس مضطربة ومعايير مرفوضة. وهذا ما يؤكد لنا أن الحركة الشعبية لها أجندة استئصالية وخفية. و هذا غير مقبول تماما فيجب على الحركة أن تتخذ موقفا واضحا وصريحا حيال هذه المبادرات و تحدد موقفها منهم. هذا بالإضافة إلى أن الأمور متحركة في المعسكر الجنوبي، فكل الحركات الجنوبية تعبر الآن عن رغبة حقيقية في إيقاف الحرب والوصول إلى اتفاق، وهذا هو المحك الحقيقي الراهن. فكل القادة جنوبيون كانوا أم شماليون إذا لم يتجاوبوا مع هذه الرغبة الحقيقية في السلام فسوف يجرّدون من ألقابهم أيّا كانت ويعزلون، فالموقف الحقيقي الآن أنه لا أحد يريد الاستمرار في الحرب والكل ينشد السلام، وهذا ممتاز. ونحن كشماليين نقول يا إخواننا في الجنوب نحن لا نريد ان نفرض عليكم أي شيء فتعالوا نتفق على نعيش مع بعضنا البعض بسلام أو نفترق بإحسان.

الآن بعد عزل اللغة الاستئصالية في شمال السودان يجب علينا كشف وعزل اللغة الاستئصالية في جنوبه، لنتيح الفرصة لعقلاء السودان لكي يجلسوا سويا لامساك بالمعروف أو التسريح بإحسان. هذا هو الموقف الحقيقي الآن في السودان. وهو ما نسميه بالاجندة الوطنية والتي أصبحت معالمها واضحة: الديمقراطية، السلام الحرية.. الخ.. ولا يمكن لأحد أن ينكرها وهذه الاجندة الآن ننادى بها من الخرطوم ونعبئ الشعب لها ونرفع راياتها و ندعو لها من الخرطوم، هذه هي النقلة الحقيقية التي حدثت ولم يستطع الآخرين فهمها أو رؤيتها ليتعاملوا معها.

النقطة الرابعة:

بعد قرار رجوع كوادرنا القيادية إلى أرض الوطن وتنفيذه، البعض يسائلنا: ما هي ضماناتكم في هذه العودة؟ فقد تسجنون. نعم قد نسجن.. فليسجنوننا. ثم أليست هذه الغربة المفروضة عن ديارنا هي سجن أيضا؟ أين نجد السرور ونحن مشردون بعيدا عن أرضنا؟ "البطيخة بتربي في عرقها"، فلا سرور ونحن مبعدون عن وطننا، فلا قلوبنا معنا ولا أرواحنا معنا. وهل توجد فرقة اكثر مرارة من هذه؟ أن يعيش الإنسان بعيدا عن قلبه وعن عقله وعن روحه. نحن نعتقد انه إذا توفر لنا شبر من الحرية داخل السودان افضل لنا من ميل من الحرية خارجه. و السياسة في عالمنا هذا لا ضمانات فيها، فأنا قد مارست السياسة لما يزيد عن الثلاثين عاما وطيلة هذه الفترة لم أتولى منصب إلا عن طريق الانتخاب، ولم يقل أحد يوما ما أني بطشت به أو أخذت حقه أو تصرفت في مال عام، ورغم هذا فقد قضيت ثمان سنوات في السجن وثمان أخرى في المنفى. وهذا هو الثمن الذي قبلنا ان ندفعه "ومن يخطب الحسناء فليغلها المهر"، هذا بالإضافة إلى ان النظام جرب كل الكروت واحترقت دون أن يحقق شيئا، كما انه يعي الآن لوجود مؤامرات خارجية تستهدف السودان، بالإضافة إلى وجود أسباب تجعله يفكر بلغة جديدة.

قالوا انتم عقدتم اتفاق ثنائي مع النظام؟ اتفاق ثنائي؟!! أيعقل هذا؟ فقد عَرَضت علينا كل الديكتاتوريات التي حكمت السودان ان نشارك معها في حكم ثنائي ولكننا دوما رفضنا وأخبرناهم جميعا بان مناصبهم التي يعرضونها علينا بالديكتاتورية لا حاجة لنا بها ولا رغبة لنا فيها، ولكننا يمكن ان نعمل في أي موقع تحت ظل نظام نرتضيه ونرتضي شرعيته، والمشكلة التي أبدا شغلتنا هي كيف يُحكم السودان وليس من يحكم السودان. وسوف اُخرج الوثائق حول هذه العروض بإذن الله لتستبين الحقائق.

نحن نعتقد ان فرص العمل في الخارج والتي كانت متاحة في الأعوام 95-69-97-98-99 لم تعد موجودة الآن ومن يكابر في هذا الواقع سوف يكتشف هذه الحقيقة بدمه. وقد سبق واخبرنا إخواننا في التجمع ان أوضاعنا في الجبهات الشرقية والشمالية الشرقية والجنوبية الشرقية تعتمد على وجود علاقات طيبة بيننا وبين دول الجوار وان هذه العلاقات تتعرض الآن لمستجدات ، وان أمن وأمان المقاتلين يقتضيان ان نتحرك من هذا المربع ونرى ان نتفق على وقف لإطلاق النار ريثما نبحث فيما نفعله في إطار التفاوض من اجل الحل السياسي الشامل. فقالوا: لا نرى، لا نسمع، لا نتكلم، ولما كتبنا لهم ما قلناه ضحكوا منا ووضعوا ما كتبناه لهم في الإنترنت استهزاء منه وليُضحكوا الآخرين علينا وليقولوا ان حزب الأمة متخاذل ، وبالفعل قرأها الناس في كل مكان. وهاهم الآن يكاتبوا كل الناس يسألوهم ان يتدخلوا لوقف إطلاق النار، ولدينا خطاباتهم ومكاتباتهم لمختلف جهات العالم هذه ولا نقولها غاضبين ولا شامتين:

نصحتهم نصحي بمنعرج اللوى  فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

ونقول لهم الآن: يا إخوتنا تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. فليس لدينا معكم خلاف حول المبادئ ولا الوسائل ولكن خلافنا حول التعامل مع المستجدات وبلادنا تمر بظروف عصيبة وتتعرض للحروب، فالحرب في الجنوب ليست بين الحركة والنظام فقط فهناك اكثر من خمسة حروب قبلية وخلافات داخلية. فكيف نتفرج على هذا المنظر القبيح؟ السودان معرض الآن للصوملة واللبننة والبلقنة… إلى آخره من هذه التمزيقات، والسودان معرض أيضا للتدويل الخبيث والتدخل إلى آخر هذه المعاني. آن الأوان لأن نتحرك وهذا ممكن وطرقه معالمها واضحة، وما يملي هذا التحرك الحادب هو هذا الوضع الحرج الذي يمر به الوطن وأهله وليس ان النظام جيد أو سيئ، ولا الترابي نسيب الصادق ولا فلان عديل علان.. هذا كله فارغ فما يحركنا هو الخطر الذي يلف بأهلنا وحياتهم ووطنا وبقائه.

والسؤال المهم حول الضمان هو: ما هي ضمانات صحة ما يدعيه النظام؟ وهذا سؤال في محله. المؤتمر المعني- الملتقى الشامل- يضع الضوابط المطلوبة بالإضافة إلى مراقبة ومتابعة جيراننا و مساهمة الأسرة الدولية لتأمين صحة تنفيذ الاتفاقات. ونحن-حزب الأمة- سوف نعمل ونتحرك في ثلاث أطر أساسية لتفعيل الأمور:

إطار أول: إعادة بناء الحزب وتنظيمه على أساس الاستعداد للقرن الجديد. ولذلك دار الأمة ستكون أشبه بجامعة سياسية تندفع في اتجاه البناء الجديد ومخاطبة الأجيال السودانية التي 70% منها دون سن الثلاثين، والمرأة السودانية لها وضع جديد واصبح هناك واقع ومفاهيم وأسس ومعطيات جديدة، فلابد لكل الأحزاب السياسية ان تصحو مما هي فيه وتخاطب هذا الواقع الجديد إذا أرادت أن يكون لها وجود في هذا القرن الجديد.

إطار ثان: تعبئة شعبية أساسية من اجل الاجندة الوطنية المذكورة سابقا.

إطار ثالث: حملة دبلوماسية أساسية مع جيراننا ليكونوا عونا لنا وسندا لتحقيق الاجندة الوطنية. وأزف البشرى لكل أعضاء حزب الأمة- كما كتبت لإخواننا في الداخل- بأننا الآن نستمتع بأحسن العلاقات واكثر الاحترام مع جيراننا في الشمال الأفريقي وفي القرن الأفريقي؛ في مصر و ليبيا و يوغندا و كينيا و إرتريا وأثيوبيا، وان رأيهم فينا اليوم افضل من رأيهم فينا قبل عشر سنوات. وهذا إنجاز كبير لحزبنا ورصيد أساسي للحركة السياسية السودانية ونحن بأذن الله سوف نساهم به في بناء دولة الوطن. وسنعمل على تنشيط الإيقاد التي لسنا ضدها ولا نعتقد أن فيها سوء نوايا ولكن هي لم تعترف بنا، ولذلك وجب علينا التفكير بواقعية فالمبادرة المشتركة هي التي يمكن ان تعالج مشاكل السودان لأنها تعترف بكل القوى السياسية السودانية، ولكنها تحتاج لثلاث إصلاحات وسنجتهد في إضافتها لها وهى:

أولا: تقرر بأنها تبارك ما يتفق عليه السودانيون.
ثانيا:تدخل في آلياتها وإجراءاتها جيراننا في القرن الأفريقي.
ثالثا:تشرك معها الأسرة الدولية: شركاء الإيقاد.

أعتقد أن المبادرة المشتركة إذا ما أدخلت هذه الإصلاحات سوف تكون فاعلة وتستطيع أن تقوم بالدعوة للمؤتمر الشامل. و ندعو أن تستمر المبادرة في هذا الاتجاه وألا تعبأ بالزوبعة الموجودة حاليا في التجمع وأنه لا بد للأخوة في التجمع ان يحددوا موقفهم تجاه القضية الواضحة الماثلة الآن: هل هم يريدون اجندة جون قرنق الاستئصالية أم أجندة الحل السياسي الشامل؟ وفي تقديري أن جون قرنق سيندفع في اتجاه الحل السياسي الشامل. ولذلك هذه الزوبعة الحالية في تقديري هي سحابة سوف تزول عندما يحل محلها الوعي بالمعطيات والمستجدات والمصالح.


© كل حقوق الطبع محفوظة لـ حزب الامة (السودان)