الادبيات: القضية السودانية:  خطاب مفتوح من رئيس حزب الامة لمؤتمر حزب المؤتمر الشعبى اكتوبر 1999
القضية السودانية
شئون عربية وإسلامية
شئون إفريقية
الخطب المنبرية

 

خطاب مفتوح من رئيس حزب الامة لمؤتمر حزب المؤتمر الشعبى اكتوبر 1999

أيها الأخوة والأخوات،

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد ،،،

أنتم تمثلون تيارا مهما اختلفنا في حجمه فانه تيار أصيل في الفكر والسياسة السودانية الحديثة. وتمثلون تجربة في الحكم مهما اختلفنا في تقويمها فقد امتدت حقبة من الزمان وزيادة.

ونحن نمثل تيارا كان الفاعل الأول في تحقيق استقلال البلاد والمبارز الأول لكل النظم الاستبدادية التي حكمت السودان ، والرقم الانتخابي الأول في كل الانتخابات العامة التي شهدها السودان المستقل.

وبيننا وبينكم الآن من أسباب التنافر والتضاد والشحناء والبغضاء ما صنع الحداد.وبيننا دين نختلف في تأويل واجباته ووطن نختلف في تعريف مصالحه وشعب نختلف في برامج خدمته. ولكن مهما اختلفنا فإننا لا نستطيع أن ننفي بعضنا بعضا ولا أن نستأصل بعضنا بعضا وكل محاولة للاستئصال والاستئصال المضاد غير مجدية بل مؤذية للقيم الوطنية والدينية المشتركة.

لقد تعددت اجتماعاتكم ومؤتمراتكم فلم نشأ مخاطبتها. ولكننا الآن في مرحلة مختلفة .. فيها الوطن أمام مفترق طرق أن يكون أو لا يكون.

يمكن أن يكون مؤتمركم هذا مجرد مظاهرة سياسية للتعبير عن الرضا عن الذات. ويمكن أن يكون وقفة صدق مع الذات لجرد الأداء والعطاء واستنطاق الواقع الوطني والدولي لاستنباط الطريق القويم.

إن كان نهجكم هو الأول فسيكون خطابي هذا صيحة في واد غفر.ولكن إن كان نهجكم الثاني فإنني أدعوكم بحق وصدق تأمل ما أطرحه عليكم في هذا الخطاب عساكم تساهمون في إيجاد مخرج للبلاد يجنبها رماح الطامة المشرعة نحوها.

أقول :

بعض الناس يبرر حركة 30 يونيو 1989م بأن النظام الديمقراطي قد أخفق وأن إيديولوجيات مختلفة كانت تتسابق للإجهاز عليه وأن ما حدث كان أفضل الخيارات المتاحة. نعم . التجربة الديمقراطية في السودان وفي سائر البلدان حديثة الاستقلال تعثرت، كما تعثرت مشروعات التنمية ومشروعات التحديث.

الديمقراطية. والتنمية . هما خطط حديثة يراد تطبيقها في مجتمعات تشدها ولاءات قبلية، ودينية، و اثنيه، وتراثية ، بعض روابطها غير ملائمة للديمقراطية ولا للتنمية.

هذه الروابط الموروثة انعكست سلبا على مؤسسات الممارسة الديمقراطية أهمها الأحزاب الجماهيرية كما عبأت أحزاب سياسية أخرى للاستيلاء على السلطة في محاولة لاختصار الطريق.بالإضافة لآثار الموروث الاجتماعي السوداني في تعويق الديمقراطية ، وللتطلع لاختصار الطريق بالقفز فوق ذلك الواقع فان الثنائية الموروثة من عهد الاستعمار بين مناطق سالكة ومناطق مقفولة تعذر التعامل السلمي معها فأفرزت الاقتتال الأهلي الذي بدوره خلق عائقا أساسيا للممارسة الديمقراطية.

كان افتراض أن النظام الديمقراطي الوافد سوف يستنبت تلقائيا في البيئة السودانية افتراضا واهما زادت الحرب الأهلية من عثراته فوضع حياة البلاد السياسية في طريق مسدود.

لقد كانت تجربتكم محاولة لإيجاد طريق آخر خرج من الطريق المسدود وأوقع البلاد في مأزق تاريخي معالمه الأساسية: -

  1. اتخذتم نهجا في التأصيل فرض واحدية ثقافية في قطر متعدد الثقافات، فأجج ذلك العداء الموروث وهيأ البلاد ضمن عوامل أخرى للانفصال وتقسيم البلاد.
  2.  وأقمتم شرعية الحكم على أساس أحادية حكومية نفت الرأي الآخر إلا في حدود الانتساب لمرجعية قررتموها. والنتيجة أن ضحايا هذا النفي وضعوا أمام خيارين : الامتثال أو المقاومة.
  3. اجندتكم الفكرية بطبيعتها تخاطب محيطنا الإقليمي بمعطيات أدت إلى تنافر إقليمي لا يقبل التعايش وحسن الجوار.
  4.  والحصيلة الدولية لتلك الأجندة التواصل مع شبكة الاحتجاج الأممية التي كونتها حركات الاحتجاج الإسلامي فخلقت للبلاد مناخا دوليا طاردا وعدائيا.

نتيجة لهذه الحقائق فإن الحوار السياسي في السودان صار بالبندقية ، وصار المختلف في الرأي إما قاتل وإما مقتول.وعمت ثقافة العنف. هذا فيما يتعلق بالجزء الأكبر من البلاد الذي كان يسوده الحوار بالرأي والرأي الآخر وتتمدد فيه ثقافة التسامح والتعايش. أما أجزاء البلاد التي كانت ميدانا للاقتتال فإن عبارة الجهاد عمقت الاقتتال وجذبت إليه أطرافا دولية كانت مترددة ولكنها صارت متحمسة تحاول بشتى الوسائل إعطاء الحركة الشعبية طابعا دينيا مضادا.

هذا الموقف المأزوم في المناخ الدولي الحالي يشكل حيثيات لسيناريوهات الطامة مثل سيناريو التجزئة وسيناريو التدويل لفرض حل سياسي على السودان من خارجه.

الخيار المتاح أمام الحركة السياسية السودانية بشقيها الحاكم والمعارض هو:-

  • إيجاد حلول سودانية تحقق السلام العادل واستقرار الحكم وتقفل الباب أمام سيناريوهات الطامة.
  • تصعيد التوتر والتأزم وإعطاء المبررات الفعلية لسيناريوهات الطامة.

هنالك تعثر في إدارة الحوار السياسي ولكن النظرة الموضوعية الثاقبة تؤكد أن للحوار السياسي نظريا جدوى.

مبعث الجدوى هو أن القضايا المختلف عليها تحركت إلى خانة تجعل الاتفاق السياسي في نطاق الممكن : -

  1.  لم يعد واردا الحديث عن التأصيل في غفلة عن تعدد الثقافات والأديان في السودان.
    ولم يعد واردا الحديث عن التأصيل في غفلة عن مقتضيات التحديث.
    ولم يعد واردا التطلع للتحديث في غفلة عن التأصيل.
    وصار التطلع لتأصيل يراعي تعدد الأديان والثقافات وتحديث يراعي مقتضيات التأصيل.على أن يفصل ذلك في ميثاق ثقافي تتفق عليه كافة الأطراف السودانية.وهذا في حد ذاته إحدى لبنات اتفاقية السلام وشروط السلام الثقافي الضروري للاستقرار.
  2. الشرعية هي أساس استقرار الحكم. واستقرار الحكم هو الشرط المطلوب للتنمية.
    الشرعية هي حق الحاكم أن يحكم برضاء المحكومين.
    النظم الملكية في العالم العربي وأفريقيا أقامت شرعيتها على حقوق موروثة وهي تحاول الآن استيعاب الرأي الشعبي ضمن إصلاحات دستورية. والنظم الجمهورية التي أسستها انقلابات عسكرية حققت لنفسها قبولا وتتخذ الآن إصلاحات في اتجاه ديمقراطي بدرجات متفاوتة.
    لا يوجد في السودان حق موروث يمكن أن تؤسس عليه شرعية تنال رضاء الناس. كما أن النظم الانقلابية بما فيها النظام الحالي مختلف عليه بصورة حادة.
    الخيار الوحيد المقبول في السودان هو الشرعية الانتخابية التي تأتي مع نظام ديمقراطي يكفل حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ويراعي تجنب ثغرات الماضي ، ويراعي مقتضيات أقلمة ثقافية واجتماعية تجعل الممارسة الديمقراطية صحيحة بالمقياس الديمقراطي في جوهرها ومستدامة. هذا التطلع صار ممكن وسوف يصبح راجحا إذا لم يصر النظام على جعل ما أقامه أساسا و لم تصر المعارضة على العودة للمربع الأول، واتفق الطرفان على مربع ثالث تؤسس عليه الشرعية.
  3. لا يمكن أن تقوم للديمقراطية قائمة إذا لم نضع حدا للحرب الأهلية الحالية. وإنهاؤها صار ممكنا على أساس اعتماد المواطنة أساسا للحقوق الدستورية. والاتفاق على توزيع عادل للثروة ومشاركة عادلة في السلطة، وتأسيس السلطات اللامركزية على أساس فدرالي حقيقي وتجديد الثقة المتبادلة عن طريق استفتاء يمكن أن يحقق وحدة طوعيه أو مصيرا آخر بالتراضي لا بالعنف و لا بالإرادة الأجنبية.
  4.  إن تحقيق الاستقرار الإقليمي يكمل الاستقرار في السودان وهذا ينبغي أن يقوم على أساس التعايش الإيجابي الذي يحقق تعاونا تنمويا وأمنيا وحسن جوار.
  5.  وغني عن البيان أن تقوم علاقات البلاد الخارجية على التوازن وتجنب الاستقطاب والتخلي عن الروابط مع حركات الاحتجاج الإعتراضية. هذا طبعا لا يشمل حركات التحرير الحقيقية الواجب تأييدها.
  6.  ينبغي أن لا يسمح لملف المساءلة أن يقف حائلا دون الخروج من مستنقع المواجهات :
  •  التحري لكشف الحقائق على أحداث تبودلت حولها التهم.
  • المساءلات الجنائية.
  • استغلال المنصب العام لتحقيق منفعة خاصة.
  • المظالم التي لحقت بمواطنين وضرورة رفعها.

علما بأن القضايا السياسية والدستورية تقع في صلب أية اتفاقات سياسية.

وعلما بأن المساءلة ورفع المظالم وكشف الحقائق ينبغي أن يشمل الحياة العامة السودانية منذ الاستقلال بهدف تنقية الحياة العامة.

هذه النقاط صار التفاهم حولها ممكنا.

إن الوساطات الموجودة في الساحة الدبلوماسية بشأن السودان تدل على اهتمام الأوساط المعنية بالشأن السوداني، وتدل أيضا على الحجم المأساوي الذي بلغته الأزمات السودانية .

وبصرف النظر عن جدوى هذه الوساطات ينبغي أن يكون الموقف الوطني السوداني واضحا:-

  • الترحيب بكل توسط من شأنه أن يجمع بين كل أطراف النزاع ويتطرق لكل النقاط المتنازع عليها.
  • تجنب الوساطات التي تركز على بعض أطراف النزاع أو بعض النقاط المتنازع عليها ، وإن وجدت كما في وساطة الإيقاد، فالمطلوب السعي لتوسيعها لتتجه لحل سياسي شامل.
  • رفض الحلول التي تمر فوق رؤوس السودانيين لفرض واقع سياسي على البلاد من خارجها.

لقد كانت هذه المفاهيم واردة قبل التطورات الأخيرة في الساحة السودانية التي صحبت تفجير أنبوب البترول شمال شرق عطبرة في 19 سبتمبر 1999م.

لقد سمعتم كثيرا عن أقوال وتصريحات وحملات في هذا الصدد. لكن ليقوم الرأي على أساس صحيح أضع أمامكم الحقائق الآتية:

  1. هنالك حرب أهلية معترف بها بدليل أن النظام طالب الوسطاء بالعمل على وقف إطلاق النار من جانب واحد.
  2. المعارضة لم تقبل وقف إطلاق النار إلا كجزء من اتفاق سياسي.
  3. ‌في كل الحروب البترول ومنشآته تعتبر أهداف عسكرية وهذا ما أعلنته المعارضة وكررته.
  4. ما حدث لأنبوب البترول في 19 سبتمبر لم يكن تصرفا معزولا أو تصرفا هجوميا بل كان رد فعل متأخر لاستفزازات قوليه وفعلية حدثت يوم 30/8/99 ، ويوم 16/9/99 ، ويوم 17/9/99 ، وهي استفزازات قوليه وحربية موثقة أدت فيما أدت إليه لرد فعل مضاد.

إنها الجهات داخل النظام التي أطلقت تلك الاستفزازات في المقام الأول وهي التي خرقت ما التزمت به للوسطاء في 23/8/99م لدى زيارة وفد المبادرة المصرية الليبية المشترك للخرطوم. وهي نفسها التي تعمل الآن لاستغلال ما حدث للتصعيد والمواجهة.

ولو أن الظروف عادية ربما اخترنا التفاعل السلبي معها وتصعيد المواجهة ، ولكننا نشعر شعورا عميقا بأن هذا التصعيد إلى ما لا نهاية سوف يفتح الباب واسعا لسيناريوهات الطامة.

لذلك فإننا نقترح أن يفوض أصحاب المبادرة المشتركة للتحقيق فيما حدث وتحديد المسئولية عما حدث، ونحن على يقين أن الحقائق سوف تتكشف وتحدد المسئولية.فإذا وافق الطرف الآخر على هذا الإجراء فانه سيمكننا جميعا من احتواء مراشقات وتصرفات تصرف هم الوطن من الأهم للمهم وتشغل الناس بالشجرة عن الأكمة.

ختـاماً.

أنتم قد انطلقتم في تجربتكم كجزء من تيار الصحوة الإسلامية وأنتم اليوم تمارسون مسئولية حكم السودان كحزب حاكم. ومهما كان رأيكم في تجربتكم فإن السودان ليس جزيرة معزولة عن العالم.ففي الصعيد الإسلامي أدركت الحركات الإسلامية الواعية أن ربط الإسلام بالاستبداد وبالإرهاب صار سلاحا مشرعا ضد الإسلام ، وهو في الأصل ربط غير مشروع وإن ساعدت عليه آراء وتصرفات بعض المسلمين. لذلك اتجهوا نحو تأكيد أصالة حقوق الإنسان والديمقراطية في الإسلام.

وعلى الصعيد الأفريقي اتجهت منظمة الوحدة الأفريقية لعدم الاعتراف بالنظم التي تقيمها انقلابات عسكرية ضد نظم ديمقراطية منتخبة كما تقرر في مؤتمر القمة الأخير في الجزائر.

وعلى الصعيد العالمي صار أمين عام الأمم المتحدة يتبنى عدم الاعتراف بالنظم التي تقيمها انقلابات عسكرية على الديمقراطية. كما صار هناك تيار دولي للتدخل في شئون البلدان إذا تعاظم انتهاك حقوق الإنسان فيها.

وهنالك اتجاه دولي تؤيده أغلبية الدول لإقامة محكمة جنائية دائمة لمحاكمة مجرمي الحروب والمعتدين على حقوق الإنسان.

هذه التطورات كلها تعني شيئا واحدا واضحا هو أن يتحرك العقلاء والوطنيون السودانيون في اتجاه تحقيق السلام والاستقرار في البلاد.

أنتم أيها الأخوة والأخوات مطالبون بمواقف ضميرية تساهم في بناء جسر ليعبر به الوطن أو التقصير في ذلك فتتسع الثغرة التي يؤتى منها الوطن. والله المستعان.

 
 

أخــوكم
الصــادق المهـــدي


© كل حقوق الطبع محفوظة لـ حزب الامة (السودان)