|
خطاب مشترك
إلى السيدين / عمرو موسى (وزير خارجية جمهورية مصر العربية)
وعمر المنتصر (أمين الشئون الخارجية للجماهيرية الليبية العظمى)
29 سبتمبر 1999م
السلام عليكما ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد-
نحن أهل السودان لا نبرح نشكر لكما ولبلديكما الشقيقين الاهتمام بالمأساة السودانية التي طفح كيلها. ونقدر لكما المبادرة الأخوية المبرأة من عيوب المبادرات الأخرى، لأنها:
- تتطلع للجمع بين كل أطراف النزاع.
- تشمل أجندتها كل المسائل المتنازع عليها.
- تتيح للسودانيين عبر ملتقى جامع التطرق لبحث كافة قضاياهم بحرية لحسمها.
- تسد النقص الحالي بإفساح المجال لتكامل جهد عربي إفريقي يساعد السودانيين على تجاوز فجوة الثقة بينهم.
- لا تنفرد بالأمر بل تتطلع للتنسيق مع مبادرة الإيقاد التي سبقتها وللتعاون مع شركاء الإيقاد من الدول المهتمة بالشأن السوداني.
لذلك رحب التجمع الوطني الديمقراطي بالمبادرة المصرية الليبية المشتركة في اجتماع هيئة القيادة الأخير المنعقد في طرابلس في 16 أغسطس 1999م. وفي الاجتماع الذي عقد في القاهرة في 25 أغسطس 1999م أبلغ وفد المبادرة المشتركة وفدا ممثلا للتجمع بأن النظام السوداني رحب بالمبادرة وأنه التزم بالآتي:
- وقفا شاملا لإطلاق النار من جانب واحد.
- وقف الحملات الإعلامية المعادية.
- تعيين ممثلين في اللجنة التحضيرية للملتقى الجامع.
كان رد وفد التجمع لوفد المبادرة المشتركة كالآتي:
- نحن نرحب بقبول النظام السوداني للمبادرة المشتركة.
- لقد أخذنا علما برد النظام على مطالب التجمع الخاصة بإجراءات التمهيد لمناخ التفاوض.
- سندعو لاجتماع هيئة القيادة لتحديد موقف التجمع من الخطوة التالية المنتظرة.
ولكن بينما كانت المشاورات جارية لتحديد موعد اجتماع هيئة القيادة للبت في أمر اجتماع اللجنة التحضيرية المتوقع بعد ذلك، تزايدت الدلائل على أن النظام السوداني الذي رحب بالمبادرة بلسان، ينقض ما التزم به بلسان وعمل مضاد. والشواهد على ذلك كثيرة، أهمها أربعة هي:
أولا: في احتفال بشائر بإرسال أول شحنة من بترول السودان في 30/8/1999م قال رئيس النظام السوداني أن على المعارضة أن تغسل نجاستها في مياه البحر الأحمر. وأن تعلن التوبة أولا وأن تتخلى عن معاقرة الخمور في أسمرا والقاهرة وأن تعتذر عن أخطائها التي ارتكبتها في حق الشعب إن أرادت العودة للسودان.
ثانيا: في منطقة المرخيات (شمال غرب أم درمان) وفي يوم 16/9/1999م وبمناسبة تخريج كتيبة جديدة من قوات الهوس الديني المسماة طلائع الدبابين قال رئيس النظام في حشد من مؤيدي النظام: "نحن يا جماعة عندما جئنا للسلطة وكنسنا الوساخات بتاعة الطائفية والحزبية والعمالة والارتزاق، جئنا من بيوتنا وحسمنا الفوضى. وما بالكم اليوم ونحن في السلطة وفي موقع صناعة القرار نستطيع في لحظة نحسم كل كلام فارغ. وكان هذا نهجنا وديدننا. لكن بعض شركائنا في السلطة قالوا لا بد من انفراج. وقالوا لا بد من حرية صحافة وقالوا لا بد من دستور ولا بد من انتخابات ولا بد من استقلال قضاء. قلنا لا مانع نجرب. ولكن ها أنتم ترون الوساخات (في إشارة إلى نصوص معارضة للنظام في جريدة الرأي الآخر) أطلت من جديد. وهنا صاح مخاطبا ضابطا اسمه كمال طه (ملقب بكمال بور) برتبة لواء، وقال له: يا كمال أذهب واقفل جريدة الرأي الآخر. ويا كمال من الليلة نحن لا نعرف قانون، ولا دستور، ولا حرية ولا ديموقراطية ولا نعرف أي كلام فارغ كهذا!! أي زول بعد ده قل أدبه على كيفك تجيبو هنا المرخيات، توديه السما، والداير فيهو افعله : تذبحو، تسحلو، تسلخو ما يهمنا !.
ثالثا: زادت أجهزة النظام الأمنية من حملة استدعاء المعارضين داخل البلاد. واستجوابهم ليوم كامل والسماح لهم بالذهاب ليعودوا في اليوم التالي. وعندما وقعت الكوارث الطبيعية بمناسبة السيول والأمطار في منطقة غرب أم درمان (أم بدة) وفي منطقة الحوش بالإقليم الأوسط وفي دنقلا بالإقليم الشمالي نتيجة إهمال الحكومة صيانة الجسر الواقي للمدينة من نهر النيل فتدفق النيل ودمر المدينة وسارعت هيئة شئون الأنصار بالمساهمة في نجدة المواطنين عرقلت أجهزة الأمن نشاطها.
رابعا: البترول أصلا سلعة استراتيجية يؤدي اكتشافها إلى خلافات سياسية ونزاعات إن لم تكن موجودة من قبل. لكن النظام السوداني الغارق في كل أنواع النزاعات زج بالبترول في حلبة النزاعات معلنا أنه سوف يستخدم موارد البترول في قمع المعارضين. ولكي يؤمن النظام بزعمه طريق ترحيل البترول شرقا إلى الميناء في بورتسودان حشد النظام قوات نقلها من الجنوب وسماها "متحرك فرسان الشرق" وأمرها بالهجوم على مواقع المعارضة وتصفية قواتها وأفرادها الموجودين في المناطق المحررة. هذا الهجوم الذي قامت به قوات النظام في وقت أعلنت فيه وقف إطلاق النار من جانب واحد تجدد في يوم 17/9/1999م وتصدت له قوات القيادة العسكرية المشتركة التابعة للتجمع الوطني الديمقراطي واتسع الاشتباك محدثا هجوما مضادا بلغ تفجير جزء من أنابيب البترول شرق مدينة عطبرة في 19/9/1999م.
إن مراكز القوى داخل النظام التي أطلقت الاستفزازات بالقول وبالفعل تعلم أن ما تقوم به سوف يؤدي حتما إلى رد فعل مضاد.
وتحسبا لذلك فإنني خاطبتكما في 4/9/1999م موضحا الاستفزازات ومؤكدا أنها إذا لم توقف وتصحح سوف تؤدي إلى تصد مماثل. وقد كان.
مهما قال الدبلوماسيون في النظام فقد اتضح تماما أن هناك مراكز قوى داخل النظام تتباهى بأنها خرقت الدستور والقسم المغلظ واستولت على السلطة بالقوة وأقامت دولة القمع والاستبداد ووزعت على أفرادها الألقاب والمنافع وتحكمت في البلاد عشرة أعوام دمرت أثناءها البلاد باسم تطبيق الشريعة ووسعت نطاق الحرب باسمها وغررت بشباب ليضحي بنفسه "في سبيل الله"، فضحى كثيرون بأنفسهم في سبيل دعم سلطان غاشم لم يزده إخفاقه في كل المجالات إلا غرورا وإصرارا واستكبارا.
هذه العناصر لم تدرك بعد أن شعاراتها الجوفاء قد أخفقت وأن تيارات التشدد الإسلاموي في كل مكان قد لمست حقائق الواقع وصارت تبحث عن مخارج من المواقف التي حشرتها فيها حماساتها.
إن الذين قاموا بتلك الاستفزازات قولا وعملا قد عملوا على إغلاق أبواب الحل السياسي للأزمات السودانية وزادوا الموقف تأزما فاتحين الباب لتفتيت السودان أو فرض حلول سياسية عليه من الخارج. والمؤسف حقا أن هؤلاء لم يدركوا بعد أن رعونتهم توظف لصالح تفتيت البلاد وتدويل شأنها، فما برحوا مندفعين في نفس الاتجاه، حتى خطاب رئيس النظام في موكب التأييد لنظامه يوم 28/9.. واصل استفزازه وهو يعلم نتائج ذلك.
إن المبادرة المصرية الليبية هي الأمل الأخير للبحث الجاد عن حل سياسي للنزاعات السودانية. إن ما رميت به المبادرة من مآخذ جائرة:
- قيل أنها محاولة لتوحيد كلمة أهل الشمال وحدهم. هذا غير صحيح لأنها تسعى لحل شامل تشارك فيه كل القوى السياسية السودانية دون استثناء.
- قيل أنها فرصة لتمكين النظام السوداني من التنصل من التزاماته بموجب مبادئ الإيقاد. هذا غير صحيح لأن المبادرة المشتركة لا تنفي مبادئ الإيقاد بل تكملها وهي في نهاية المطاف لا تقدم حلا مستقلا بل تسهل التفاوض بين السودانيين وتبارك ما يتفقون عليه.
الحقيقة هي أن المبادرة المشتركة المصرية الليبية تمثل:
- مشروع الوساطة الوحيد الساعي لحل سياسي شامل للنزاعات السودانية. حل تتفاوض عليه وترضاه القوى السياسية السودانية كلها.
- فرصة لتنسيق مجهودات جيران السودان في القرن الأفريقي وجيرانه في شمال إفريقيا مما يمثل تعاونا عربيا أفريقيا يتماشى مع حقيقة السودان وواقعه.
- فرصة لحل سياسي شامل يتجنب الحل الجزئي الثنائي الذي تقوم عليه مبادرة الإيقاد. ويقفل الباب أمام الحل الدولي المراد فرضه على السودان من الخارج.
إن ما قامت به عناصر التطرف والتشدد داخل النظام من أفعال وأقوال استفزازية وما حدث من ردود أفعال مضادة ومراشقات عوامل من شأنها تقويض المبادرة المشتركة.
المطلوب من دولتي المبادرة المشتركة لإنقاذها هو:
- تحرك دبلوماسي واسع عربي، إفريقي، إسلامي، دولي لمنع أية حلول جزئية وثنائية أو حلول دولية تفرض على السودان فوق رؤوس أهله لأن مثل تلك الحلول الجزئية والدولية غير مجدية بل سوف تؤدي لاستقطاب إقليمي ودولي حاد.
- تحرك مع دول الإيقاد وشركاء الإيقاد للتركيز على تنسيق الجهود من أجل حل سياسي شامل.
- إلزام النظام السوداني بتنفيذ التزاماته نحو الحل السياسي الشامل بما في ذلك اتخاذ الإجراءات التمهيدية للتفاوض الجاد.
- التحقيق في أسباب انتكاس مشروع الحل السياسي الشامل وإلزام المخطئ بخطئه.
- تكوين آلية لمراقبة تنفيذ الأطراف المعنية لما توافق عليه.
إننا إذ نخاطبكما ندرك مدى اهتمامكما بالشأن السوداني الذي شاء بعض أهله الزج به في مخاطر أدناها تفتيت البلاد وتعريضها للأجندات الدولية.
ولكما فائق التقدير والاحترام.
أخوكما
الصادق المهدى
رئيس الوزراء السوداني المنتخب 1986م
ورئيس حزب الأمة
صورة إلى وزير خارجية السودان |