الادبيات: القضية السودانية:  خطاب رئيس الحزب في اجتماع هيئة قيادة التجمع الوطنى الديمقراطى بطرابلس أغسطس 1999
القضية السودانية
شئون عربية وإسلامية
شئون إفريقية
الخطب المنبرية

 

خطاب رئيس حزب الأمة ورئيس الوزراء المنتخب 1986

لهيئة قيادة التجمع الوطني الديمقراطي 19 اكتوبر 1999

زملائي رئيس وأعضاء هيئة قيادة التجمع الوطني الديمقراطي
ضيوفنا الكرام

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد.

يطيب لي أن اذكر بالشكر والتقدير استضافة مصر الشقيقة لاجتماعنا هذا وان اقدر للرئيس حسني مبارك وحكومة مصر وشعبها الحبيب موقفهم الإيجابي من تطلعات شعبنا.

كما يطيب لي أن اذكر بالتقدير الخالص أشقاءنا في مصر وليبيا قيادات وشعوبا على ما يقومون به من جهد خالص مثابر اخوي وجاد لإيجاد حل سياسي شامل للنزاعات السودانية.

وعلى كثرة المبادرات في الساحة السودانية وما دفع إليها من نوايا طيبة, فإن المبادرة المصرية الليبية وحدها اتخذت إطارا يتجنب الحلول الجزئية والثنائية ويتطلع لحل شامل تشترك فيه كافة أطراف النزاع, ويساهم في السعي إليه كل جيران السودان وتتناول جندته إنهاء الحرب واقامة اتفاقية سلام عادل وإنهاء النزاع حول حكم البلاد واقامة شرعية دستورية ديمقراطية القرار فيها للشعب السيد فوق كل سيد الوالي فوق كل والي.

زملائي وضيوفنا الكرام.

مهما أحاطت ببلادنا المآسي البالغة التي إذا رأيناها في المنام فزعنا فإن عناءنا لم يكن بلا جدوى. لقد استطعنا بوعي وطني أن نحدد بوضوح ما لا نريد أن يستمر في تجربة بلادنا السياسية.

لا نريد حكما ثيوقراطيا يدعى التفويض الإلهي. ولا نريد الواحدية الثقافية التي تكره المجموعات الوطنية لاجندتها.

ولا نريد سياسة تحتكر الامتياز المعنوي والمادي لفريق أو إقليم وتهمش الآخرين. ولا نريد حكما يقوم على شرعية القهر.

نريد اتفاقية سلام تقيم الحقوق والواجبات الدستورية على المواطنة وتقيم الحكم والإدارة على أساس لا مركزي وتحقق مشاركة عادلة في السلطة وقسمة عادلة للثروة ومراجعة أساسية لهياكل الدولة تستصحب التنوع الثقافي والنظام اللامركزي, وتقيم الوحدة على أساس طوعي عبر استفتاء حر لتقرير المصير.

ونريد نظام حكم ديمقراطي يكفل حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ويكفل للبلاد حكما ديمقراطيا قويا مستداما قادرا على تجنب مزالق الماضي وتجنب إعادة إنتاج الأزمات.

ونريد آلية قومية انتقالية مهمتها إزالة الآثار السلبية, والقيام بمساءلة حقانية تحقق العدل, وترفع المظالم, وتنظف الحياة العامة وتجري الاستفتاء الحر وتجري انتخابات عامة نزيهة بمراقبة دولية.

أهدافنا واضحة ومتفق عليها كذلك وسائلنا لتحقيقها واضحة ومتفق عليها.

لقد كان الحل السياسي جزءا لا يتجزأ من وسائلنا كامنا في الموافقة على مبادرة الايقاد منذ انطلاقها في عام 1994 .

لقد تطلعنا بجهد مستمر وقرارات واضحة لتوسيع الايقاد بحيث تشمل كافة أطراف النزاع, وبحيث تتسع اجندتها فتشمل الدستور بالإضافة لتحقيق السلام وبحيث تشمل جيراننا في شمال أفريقيا بالإضافة لجيراننا في القرن الأفريقي.

ولكن بعض الظروف حالت دون توسيع الايقاد فاستمرت على ما هي عليه.

هذا بينما أدي تفاقم المأساة الإنسانية في السودان وانفعال الرأي العام العالمي بها إلى نداءات لمجلس الأمن بالتدخل في السودان وتتالت مشروعات حلول ثنائية لإنهاء الأزمات السودانية.

هذه الظروف أدت إلى زيادة أهمية الحل السياسي لاحتواء المأساة السودانية ولتجنب التدويل والحلول الجزئية والثنائية.

ومنذ مايو 1999 زاد الاهتمام الوطني والإقليمي والدولي بالحل السياسي الشامل في السودان.

وفي أثناء الأشهر الخمسة الماضية حدثت المستجدات الآتية:

أولا: استطاع التجمع أن يؤكد وحدة صنعه واتحاد مرجعيته أهدافا ووسائل مع درجة عالية من المرونة سمحت لفصائله التحرك الحر في إطار المرجعية المتفق عليها.

هذا بينما انقسم النظام على نفسه وهو المستند إلى حزب واحد لدرجة جعلت فريقا في النظام يتصدي بالهجوم المحموم ضد الحل السياسي الشامل.

ثانيا: تبلورت المبادرة المصرية الليبية المشتركة مخاطبة كل أطراف النزاع. ومرحبة بالتعاون مع مبادرة الايقاد. ومرحبة بالتعاون مع شركاء الايقاد.

ثالثا: بعد بداية مشجعة للمبادرة المشتركة أصيبت بنكسة نتيجة للمراشقة بين النظام والتجمع.

رابعا: النكسة التي أصابت مشروع الحل السياسي أظهرت بصورة قاطعة بروز طرف ثالث قوى الإرادة هو الرأي العام السوداني الذي عبر عن تطلعه للحل السياسي الشامل بكل الوسائل أهمها اندلاع المظاهرات الطالبية المؤيدة للحل السياسي الشامل وسيلة لتحقيق السلام والديمقراطية.

خامسا: زاد الاهتمام الأمريكي بالمسألة السودانية بدليل قرار الكونغرس الإجماعي بتاريخ 10 يوليو 99 وإرسال مندوب خاص لتقصي الحقائق المستر هاري جونستون والاستعداد لتوجيه الدعوة لقيادات التجمع لمقابلة المسئولين الأمريكيين في واشنطن قبل نهاية العام الجاري.

سادسا: اتجاه شركاء الايقاد القيام بدور اكبر في إدارة مبادرة الإيقاد وموقفهم السلبي من توسيع مبادرة الإيقاد مما يعني حصر المساعي في إيجاد حل ثنائي وجزئي.

سابعا: بروز اتجاه دولي تبناه أمين عام الأمم المتحدة وأيدته دول كثيرة تمثله مقولة:

أن على الأسرة الدولية التدخل لاحتواء بعض الفظائع في أي مكان في العالم فوق اعتبارات السيادة. واتجاه آخر على الصعيد الدولي لمحاسبة ومعاقبة الذين ارتكبوا جرائم شن الحرب العدوانية, وجرائم الحرب, وجرائم ضد حقوق الإنسان, وجرائم ضد الإنسانية.

واتجاه دولي لعدم الاعتراف بالانقلابات العسكرية التي تقع ضد نظم ديمقراطية منتخبة.

ما هو الموقف الوطني الصحيح من هذه المستجدات؟

أولا بالنسبة للمبادرة المشتركة فإن الواجب الوطني والإقليمي والدولي يقتضي دعمها وتفعيلها وتدعيمها بالآتي:

أولا: أن تسمي مبادرة الحل السياسي الشامل وأن تزال الشبهات التي حامت حولها بتأكيد أنها لا تفرض على السودانيين شيئا بل تبارك اتفاقهم وسيكون تقرير المصير كأحد المبادئ التي اتفق عليها السودانيين مضمنا في إعلان مبادئ الحل السياسي الشامل. و أن تكون المبادرة آليات للتحضير وللمتابعة.

ثانيا: فيما يتعلق بالتعكير الذي حدث ينبغي أن توضح بعض الحقائق وبعض المفردات. ما هو الإرهاب؟ الإرهاب هو استخدام العنف ضد سلطة شرعية. إن العنف القائم بين سلطة غير شرعية قامت بالعنف واستمرت بالقهر يسمي حركة تحرير. إننا نرفض إلصاق تهمة الإرهاب بأعمال التجمع الحربية وفيما يتعلق بما حدث من مراشقات في الفترة من 30 أغسطس إلى 21 سبتمبر الماضي فإننا نطالب بتحقيق عادل لتحديد المسئولية عما حدث وسنجد أن أطرافا معينة في النظام هي المسئولة.

ثالثا: نحن نرحب بالاهتمام الأمريكي بالشأن السوداني ولكنه ترحيب مقترن بشرطين : الأول: ألا يصب الجهد الأمريكي في خانة إيجاد حل جزئي أو ثنائي للأزمات السودانية بل يسعى لحل سياسي شامل. والثاني : ألا تؤدي المبادرة الأمريكية إلى أية إجراءات تفرض فوق رؤوس أهل السودان. لأن أي حل يفرض على السودانيين فوق رؤوسهم لن يؤدي لسلام ولا استقرار مستدام.

رابعا: بالنسبة لقيام شركاء الايقاد بدور اكبر في مبادرة الايقاد فأننا نرحب باهتمامهم بالشأن السوداني ونقدر لهم المعونات الإنسانية التي قدموها و لكن نقول لهم بصراحة ينبغي أن يسعوا لتوسيع مبادرة الايقاد وينبغي أن يسعوا لحل سياسي شامل وينبغي أن يسعوا لإيجاد علاقة قوية بين مبادرة الايقاد والمبادرة المشتركة.

خامسا: إننا نرحب بالاهتمام الدولي بالديمقراطية واتجاه الشرعية الدولية إلي حماية حقوق الإنسان ومحاسبة المعتدين عليها وإلي عدم الاعتراف بالانقلابات العسكرية التي تقوض نظما ديمقراطية.
وفي هذا الصدد فإننا نرحب بالإصلاح الديمقراطي الذي سارت فيه الشقيقة نيجيريا ونهنئ الرئيس اوباسانجو على ثقة الشعب ونتطلع لقيامه بدور إيجابي لصالح الديمقراطية في القارة الأفريقية. ومثلما اثلج صدرنا التحول الديمقراطي في نيجيريا كدر علينا الانقلاب العسكري في باكستان الشقيقة. نعم, تعثرت التجربة الديمقراطية في باكستان ولكن النظام العسكري لن يجدي في علاج مشكلات البلاد. لذلك وعلى أساس ارتكاب أخف الضررين فإننا نتوجه للجنرال برويز مشرف بنداء أخوى بأن الوسيلة الوحيدة لاعطاء الإجراءات الاستثنائية التي قمتم بها درجة من الشرعية هي أن تركز على أمرين: إصلاح المسار الديمقراطي, وتنظيف الحياة العامة بوسائل عادلة. هذه الإجراءات يجب أن تحظي بتأييد البرلمان على أن تستمر رئاسة الدولة, واستقلال القضاء, وحرية الصحافة كضمانات لحقوق الإنسان والحريات الأساسية والالتزام المتصل بالديمقراطية.
على أن يحدد زمن لا يتجاوز عاما للإجراءات الاستثنائية المصحوبة بالضمانات المذكورة ثم تجري انتخابات عامة حرة.

سادســـا: إن في إيجاد علاقة بين المبادرة المصرية الليبية المشتركة ومبادرة الايقاد تجسيدا لتعاون عربي أفريقي مطلوب في هذا الظرف الدولي الراهن يعزز التوجه الإيجابي الذي يقوم به الأخ القائد معمر القذافي في هذا الصدد ويواكب الصورة الرائعة التي ترسمها رحلات الرئيس مانديلا في البلدان الإسلامية والعربية أنها رحلات رجل دولة يريد أن يخرج بالعطاء الأفريقي من الحصار جنوب الصحراء الذي تريده بعض الأوساط إلي الدور الأفريقي الرحب. وفي هذا الصدد لا يفوتني أن أترحم على روح الفقيد الرئيس التنزاني السابق يوليوس نيريري فقد ساهم بنصيب وافر في تحرير بلاده وبناء الدولة الوطنية فيها كما ساهم في دعم حركات التحرير الأفريقية وقام بدور هام في بلورة موقف دول الجنوب في حوار الجنوب والشمال التاريخي.

ختاما أقول:

إن الحل السياسي الذي نعمل من اجله أداة نضال تحاصر تجار الحرب ودعاة الاستبداد في المجال الوطني والإقليمي والدولي وعلينا أن نتعامل معه كأداة نضال مثلما نعتمده وسيلة ممكنة لتحقيق تطلعات شعبنا المشروعة.

لذلك ينبغي أن يرسل اجتماعنا هذا رسالة واضحة تؤكد حرصنا على الحل السياسي الشامل وتؤكد حرصنا على المبادئ التي سوف يقوم عليها ذلك الحل السياسي الشامل وإعلاننا لها وسعينا إلي تحقيقها. هذا الوضوح في الموقف والمرجعية يصحبه مرونة في التعامل مع الإجراءات لكيلا تقف عقبة في سبيل اندفاع الحل السياسي الشامل وقطع الطريق أمام حلول جزئية أو ثنائية غير مجدية بل ستفتح بابا لحروب أخرى لا أول لها ولا آخر.

نعم, إن موقف بلادنا اليوم حرج جدا ومحاط باحتمالات الطامة الكبرى ولكن الحل السياسي الشامل يمكن أن يمثل الضوء في عتمة الظلام. وحتى ان اخفق فان الجهة المسئولة عن إخفاقه سوف تواجه غضبة الشعب والإقليم والعالم. إن السمـــاء ترجي حين تحتجب.

والسلام.


© كل حقوق الطبع محفوظة لـ حزب الامة (السودان)