الادبيات: القضية السودانية: خطاب رئيس الحزب في اجتماع هيئة قيادة التجمع الوطنى الديمقراطى اسمرا- يونيو 1999
القضية السودانية
شئون عربية وإسلامية
شئون إفريقية
الخطب المنبرية

 

خطاب السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة

أمام هيئة القيادة للتجمع الوطني الديمقراطي

أسمرا - يوم الخميس 10/6/1999م

زملائي الأعزاء. ضيوفنا الكرام. أحييكم تحية طيبة. واقف أمامكم حزينا للمأساة الكبرى التي يعيشها شعبنا في السودان بعد عشرة أعوام من انقلاب الثلاثين من يونيو 1989م. لم يكن ذلك الانقلاب عاديا. بل أقام سلطة ادعت لنفسها حقا إلهيا فرضته بالقوة وحافظت عليه بأجهزة الدولة البوليسية وبموجبه:

  • فرضت على القوى السياسية في البلاد برنامج الرأي الواحد الذي يستأصل الآراء الأخرى ويخون أصحابها.
  • حولت الحرب الأهلية الموروثة إلى حرب دينية تكفر المعادين فيها.
  • عصفت بحسن الجوار لاتباعها سياسة توسعية في دول الجوار.
  • ربطت السودان بسياسة خارجية متحالفة مع شبكة الإرهاب الدولي.

لذلك نشأت ظروف موضوعية وحدت القوى السياسية والنقابية المستهدفة بالسياسات الاستئصالية. والقوى المقاتلة المستهدفة بالحملات الجهادية. ودول الجوار المستهدفة بالسياسات التوسعية. والأسرة الدولية المتأهبة ضد الإرهاب الدولي.

ان سياسات النظام الداخلية والخارجية أوجبت الموقف الشعبي السوداني الموحد ضد نظام "الإنقاذ" ووفرت له تأييدا إقليميا ودوليا.

إنها المرة الأولى في كفاح شعبنا التي توافرت فيها ظروف جمعت بين القوى السياسية في الشمال وفي الجنوب في موقف سياسي توافرت له مساندة إقليمية ودولية واسعة.

و من منطلق الموقف الموحد من نظام الإنقاذ تجاوزت قوى المعارضة في السودان لأول مرة موقف الرفض للنظام الحاكم ومجرد الإطاحة به وناقشت المشاكل الوطنية التي لحقت بالسودان منذ استقلاله وأهمها مشاكل:

  • الدين والدولة.
  • التنوع الثقافي في الوطن الواحد.
  • التنمية غير المتوازنة.
  • تحديات الديمقراطية في ظروف التباين الثقافي والتخلف الاجتماعي.
  • دور القوات المسلحة في الدولة الوطنية.

وبعد دراسات جادة عبر مؤتمرات بلغت قمتها في مؤتمر القضايا المصيرية في يونيو 1995 في اسمرا استطاع التجمع الوطني الديمقراطي اتخاذ قرارات لحل مشاكل البلاد الأساسية.

لقد تفتح ذهن شعبنا السياسي في نضاله واتحاد المناضلين على حلول ومعادلات لها وزنها في حل مشكلات البلاد الوطنية. وفي إنارة الطريق لشعوب أخرى تواجه تحديات مماثلة. خاصة في المجالات الآتية:

  1. إقامة الحقوق الدستورية في الوطن المتعدد الأديان على أساس المواطنة. شرط للوحدة الوطنية.
  2. الاحترام للهويات الثقافية المتعددة أساس للسلام الثقافي بين المجموعات الوطنية.
  3. التنمية الناجحة المتوازنة أساس للاستقرار الاجتماعي.
  4. الديمقراطية المعيارية التي لا تراعي التوازن وتتخذ الضوابط المناسبة لن تكون مستدامة.

ان ظروف اخفاقات نظام الإنقاذ السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأمنية، خلقت ظروفا أدعى من ظروف 1964 وظروف 1985 لقيام انتفاضة شعبية مماثلة. لكن الفرق هذه المرة هو ان الحزب الحاكم متمرس في عمليات الإضراب السياسي، والانقلاب العسكري، فاستفاد من تجارب الماضي لإجهاض الانتفاضة ضده.

لذلك لجأت المعارضة وهي تجسد الشرعية الشعبية لأساليب مقاومة غير مسبوقة.

نعم. المقاومة المسلحة الجنوبية كانت جزءا من الموقف السياسي السوداني ولعبت دورا استنزافيا ساهم في انتفاضتي 1964 و1985. ولكن للمرة الأولى التحمت المقاومة المسلحة الممثلة لكل القوى السياسية السودانية ضد نظام حاكم في الخرطوم.

هذا التصدي العسكري القومي يصحبه عمل مدني معارض بالداخل هادف لانتفاضة شعبية. ان التصدي العسكري رفع معنويات المعارضة المدنية بالداخل وزاد من فرص الانتفاضة.

لقد اتخذ التجمع الوطني الديمقراطي ضمن وسائله لتحقيق أهداف الشعب السوداني في السلام العادل، والديمقراطية التعددية، وإقامة النظام المبرأ من عيوب الماضي أسلوبا للتفاوض لإيجاد حل سياسي عبر تأييد مبادرة دول الإيقاد. وتأييد المبادئ الستة التي اقترحتها دول الإيقاد في 1994.

لكن النظام الحاكم الذي طلب توسط دول الإيقاد في المقام الأول رفض المبادئ الستة وماطل في قبولها حتى أعلن قبوله لها في عام 1997.

ان مبادرة الإيقاد هي اكثر المبادرات جدية لإيجاد حل للنزاع المسلح في السودان. لأنها:

  • قيدت الحوار بمبادئ محددة.
  • اقترنت بدول ذات جوار جيوسياسي للسودان.
  • استقطبت عبر منبر شركاء الإيقاد فريقا هاما في الأسرة الدولية.

ولكن ظروفا كثيرة قعدت بمبادرة الإيقاد. المبادرة لم تشرك كل أطراف النزاع في السودان. واجندة المبادرة لم تكن شاملة لكل النقاط المتنازع حولها. ولحقت بالمبادرة عوائق ظرفية لان نشوب حرب القرن الأفريقي، وحرب منطقة البحيرات العظمى، عقد علاقات دول الإيقاد وشل حركتها.

هذا بينما استجدت ظروف جعلت البحث عن حل سياسي أوجب هي:

  • إخفاق اجندة نظام الخرطوم الثيوقراطية.
  • استحالة إيجاد حل جزئي للنزاع في إطار مشكلة الجنوب.
  • الحرية المحدودة التي أتاحها النظام داخليا فتحت الطريق أمام تيار سياسي وصحافي غالب يطالب بحل سياسي للنزاعات السودانية خارج نطاق سياسات النظام ونظمه.
  • انحسار موجة التشدد الإسلامي في وجه ضرورات الواقع ومطالب العصر بدليل التطور الديمقراطي في إيران، واخفاق التجربة الأفغانية.
  • تمدد الموجة الديمقراطية عالميا إذ صارت الأسرة الدولية تربط بين الدعم التنموي والالتزام بحقوق الإنسان والديمقراطية.  والتمدد الديمقراطي في كثير من أجزاء العالم لاسيما أفريقيا.

بالإضافة لتلك العوامل الموضوعية فان الحرب الأهلية، والاخفاق الاقتصادي،و الاستقطاب السياسي والاجتماعي في السودان عوامل أفرزت حالة مأساوية لم يشهد السودان لها مثيلا.

انتشرت المجاعات والأوبئة، ونزح المواطنون من مناطق الحرب إلى مناطق أخرى بأعداد كبيرة وفرت أعدادا كبيرة إلى خارج الوطن.

لقد بلغت المأساة الإنسانية في السودان حجما هز الضمير الإنساني في كل مكان في العالم واتضح للجميع ان التعامل مع هذه المأساة لا يجدي إلا إذا أمكن القضاء على الحرب الأهلية السبب الأول لوجودها.

لذلك تعددت المبادرات الداخلية التي تسعى لإنهاء النزاع المسلح.

وتعددت المبادرات الدولية التي تسعى لإنهاء النزاع. هذه المبادرات الدولية التي حركتها المنظمات التطوعية، والهيئات الدينية، والصحافة العالمية اتجهت اكثر واكثر إلى مخاطبة الدول الكبرى ومجلس الأمن للتدخل في السودان وفرض السلام بالقوة.

وتعددت المبادرات الإقليمية الجديدة المشفقة من الحالة المأساوية في السودان والمشفقة من تمزيق السودان وتدويل شئونه. المبادرة المصرية والمبادرة الليبية كلتاهما تحركتا في اتجاه إيجاد حل سياسي للنزاعات السودانية.

ان تعاظم المأساة الإنسانية في السودان، وتمزق البلاد بقيام اكثر من سلطة سياسية داخل إقليمه الجغرافي، وتعدد المبادرات التي تسعى لإنهاء الحرب بأي ثمن ولو بحل جزئي ثنائي، احتمالات تدويل المأساة السودانية وإخراجها من أيدي السودانيين جميعا، هي العوامل التي جعلتني استجيب لمبادرة سودانية للحوار السياسي في جنيف في مطلع مايو الماضي.

هذا الحوار السياسي يقوم على آلية للحل السياسي هي المؤتمر القومي الجامع واجندة شاملة لكل المطالب الوطنية، على ان يعقد المؤتمر في مكان محايد، وعلى ان يكون لجيران السودان وأصدقاء السودان دور رقابة ومتابعة.

هذا هو جوهر ما تم التفاهم عليه وقد بحثناه باستفاضة مع حلفاءنا في التجمع الوطني الديمقراطي، ومع جيران السودان في أعلى المستويات ومع ممثلي شركاء الإيقاد، ودعونا أجهزة حزبنا القيادية في الداخل والخارج لبحثه.

وعلى ضوء هذه الاتصالات والدراسات قدمنا لاجتماع هيئة القيادة الحالي ورقة عمل وطنية لدراستها واتخاذ القرار بشأنها.

اننا اذ نفعل هذا نؤكد ان ما نحن بصدده هو مشروع للحل السياسي منطلق من مواثيقنا المقررة ومتكامل مع وسائل التحرير الأخرى التي نبذل فيها جهدنا لتحقيق أهداف شعبنا. الجديد في هذا المشروع هو انه يقفل الطريق أمام الحلول الجزئية ويستوعب المستجدات في الساحة الوطنية والإقليمية والدولية ويوفق بين مبادرات الوساطة المقبولة.

لقد قبلنا مبادرة الإيقاد بنص قرارات اسمرا في يونيو 1995 وقبلنا المبادرة المصرية بموجب لقاء وفد التجمع بوزير الخارجية المصري في 25/3/1999م.

وقبلت فصائل عديدة من التجمع الوطني الديمقراطي المبادرة الليبية في زيارات تمت لليبيا أثناء هذا العام.

اننا نعتبر كل تلك المبادرات دلائل اهتمام حميد بالشأن السوداني ونقدر أصحابها ونشكرهم على اهتمامهم الأخوي بأمور بلادنا. ولكي لا يقع اختلال فأننا قد اقترحنا معادلة تؤسس على مبادرة الإيقاد وتوسعها لتشمل المبادرات الأخرى وتربط بين الوساطة وورقة العمل الوطني المذكورة. ان التوسط في الشان السوداني بالصورة المقترحة يمثل تكاملا وطنيا إقليميا. وتضامنا عربيا أفريقيا وتعاونا دوليا يمثله دور شركاء الإيقاد المنشود.

إننا إذ نواصل عملنا بكل الوسائل المتاحة لتحقيق أهداف شعبنا المشروعة، ونعيد ترتيب أوراق الحل السياسي للنزاعات في بلادنا، نشعر بالتقدير للحكومة الإرترية، والجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة وللشعب الإرتري على تفهمه لقضية الشعب السوداني وتأييدهم لها ونرى ان هذا التفهم والتجاوب سوف يشكل نواة طيبة للتعاون بين شعبينا المنشود في المستقبل. ان ظروفا جديدة جعلت النظام السوداني يدخل في حوار لإعادة العلاقات مع جيران السودان.

لقد قمنا باتصالات واسعة للتفاهم مع هؤلاء الجيران وقلنا لهم اننا نفهم ونقدر ما يفعلونه في هذا الصدد وفق مصالحهم وأولوياتهم الوطنية. ولكن إذا لم تعالج أزمات السودان الداخلية فان آثارها سوف تستمر وتؤرق العلاقات بينهم وبين السودان.

لقد اتضح بصورة قوية ان جيراننا يتفهمون تماما حقائق الأمر في السودان ومشروعية مطالب الشعب السوداني لذلك لا يسقطون في حسابهم أبدا حقيقة ان حل مشكلات السودان الأساسية جزء لا يتجزأ من تطبيع علاقات الجوار.

ان حرب القرن الأفريقي مأساة سياسية ودبلوماسية وبشرية حاولنا وما زلنا نحاول إيجاد حل عادل يحقق السلام ويعيد علاقات حسن الجوار بين الجارين الشقيقين في القرن الأفريقي.

ان أمن واستقرار السودان مرتبط عضويا بأمن واستقرار جارتيه ان السودان المنقسم على نفسه سوف يسعى لاستغلال هذه الحرب ولكن السودان المستقر على الشرعية الديمقراطية سوف يكون عنصرا هاما في تسهيل تحقيق السلام العادل في قارته وفي إقليميه.

ختاما نحن في التجمع الوطني الديمقراطي سوف نناضل بكل الوسائل لإسقاط نظام الخرطوم وفي الوقت نفسه سوف نكون مخلصين في القيام بحوار سياسي حر ونزيه لإيجاد حل سياسي يحقن الدماء ويلبي نداء الوطن ويحقق أهداف شعبه. ان وحدة صفنا من أهم اسحلتنا لتحقيق مطالب شعبنا لذلك فاننا سوف نعض عليها بالنواجذ بلا إفراط ولا تفريط في حوار ديمقراطي يزن الآراء ويستقر على قرار ملزم للجميع.

انها فرصة أخرى يفاجئ فيه الشعب السوداني العالم بقدراته على إنقاذ نفسه من حافة الهاوية.

و الله المستعان


© كل حقوق الطبع محفوظة لـ حزب الامة (السودان)