الموقف السياسى: التحليلات السياسية
أخر الأخبار
المقابلات الصحفية
البيانات والمنشورات
التحليلات السياسية


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحكومة واعلان القاهرة

بقلم د. الطيب زين العابدين

هذه رسالة تعليق على ما كتبه علي اسماعيل العتباني على صفحات «الرأي العام» صباح الثلاثاء .
 استعرت الحملة الاعلامية ضد اعلان القاهرة الذى وقعه كل من محمد عثمان الميرغنى والصادق المهدى وجون قرنق من قبل وسائل الاعلام الحكومية لأنه طالب بعاصمة قومية تتساوى فيها جميع الأديان مما يعنى أن تنازلا ما ينبغى أن يحدث فى تطبيق الشريعة الاسلامية بالعاصمة التى قد يصبح فيها جون قرنق نائبا أول لرئيس الجمهورية. وتعتبر الحملة الاعلامية الموجهة بالدرجة الأولى لكل من مرشد الختمية وامام الأنصار أن ايراد ذلك النص فى اعلان القاهرة بمثابة تنكر من هاتين الشخصيتين الدينيتين لأتباعهما المسلمين، وانها مزايدة سياسية، ومحاولة للتدخل فى سير المفاوضات الجارية من منازلهم الخ... ولا يبدو ان الاعلان يستحق كل تلك الهجمة الاعلامية فهو لا يعدو أن يكون وجهة نظر لزعيمين سياسيين من حقهما أن يتحالفا مع من يختاران من القوى السياسية وأن يعلنا عن وجهة نظريهما فى أى شأن سودانى حتى ولو كان مطروحا على مائدة المفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية لأنهما ليسا طرفين فى تلك المفاوضات باصرار من الحكومة السودانية، فقد قال المتحدث باسم الحكومة فى الجولة الأخيرة سنخرج من الجلسة لو دخل مندوب حزب الأمة! الغريب أن الحكومة تريد من الحزبين الكبيرين فى نهاية الامر أن يشتركا فى الموافقة على اتفاق السلام بعد أن توقع عليه الحكومة والحركة من باب (تمومة الجرتق). ولكن هل سبب الهجمة الحكومية هو مجرد صدور اعلان القاهرة أم أن أسبابا أخرى تقف وراء تلك الغضبة المضرية؟ فاعلان القاهرة لا يختلف عن روح اتفاق أسمرا فى عام 1995 حول القضايا المصيرية الذى توصل اليه التجمع الوطنى الديمقراطى المعارض عندما كان يضم حزبى الأمة والاتحادي الديمقراطى، والحديث عن خصوصية العاصمة فى النواحى التشريعية مضمن بوضوح فى وثيقة التعاهد الوطنى التى صاغها حزب الأمة ودعا القوى السياسية كافة لمناقشتها. فليس فى الامر جديد يستحق كل ذلك الانفعال الحكومى. اذن ما هو السبب وراء رد الفعل الحكومى؟
 
أحسب أن الحكومة قرأت فى اعلان القاهرة بداية تحالف سياسى بين الحركة الشعبية وحزب الامة والاتحادى الديمقراطى ثم المؤتمر الشعبى (حزب الدكتور الترابى) الذى وقع اتفاقا جديدا مع الحركة فى لندن عقب اعلان القاهرة، وأن هذا التحالف الجديد قد يستمر بعد توقيع اتفاقية السلام وربما الى حلول موعد انتخابات الفترة الانتقالية التى تريدها الحكومة مبكرة. وقد كانت الحكومة تأمل أن تتحالف الحركة معها حتى تستعين بها فى الانتصار على الأحزاب الشمالية الأخرى وعلى رأسها الحزبان الكبيران. فاذا انعقد تحالف رباعى بين هذه القوى السياسية سيشكل تهديدا كبيرا لحزب المؤتمر الوطنى الحاكم حتى ولو جرت الانتخابات فى الوقت الذى تريده الحكومة. وبالرغم من أن السياسة السودانية أصبحت ذات مذاق اقليمى عرقى بدلا من المنافسة تحت مظلة الأحزاب والطوائف القومية الا أن الحزبين الطائفيين آثرا التحالف مع الحركة الجنوبية التى تعتبر الشمال سبب مظلمتها وتخلفها، وكان يتوقع أن يدافع الحزبان الشماليان اللذان حكما البلاد فى فتراتها الديمقراطية الثلاث عن حقوق أهل الشمال وعن سجلهما الحكومى المتهم بالظلم والتهميش للمناطق الأخرى مما يعنى وقوفهما بجانب الحكومة لا بجانب الحركة الشعبية. ولكن من الذى يلام على انضمام الحزبين الى قوى جنوبية بدلا من الوقوف مع قوى الشمال الذى يقول الجميع بأنه مستهدف؟ لا شك أن الحكومة تتحمل الوزر الأكبر فى هذا الخلل السياسى الذى سيكون بالضرورة على حساب حقوق أهل الشمال لأنها رفضت بعناد أن تصل الى وفاق سياسى مع أى من الحزبين الكبيرين رغم انتظار المهدى ذلك الاتفاق لأكثر من ثلاث سنوات. وبدلا من أن يكون رد فعل الحكومة غضبة مضرية ضد اعلان القاهرة عليها أن تتدارك الأمر وتسعى الى الوصول الى وفاق مع القوى السياسية الشمالية حتى لا تضيع حقوق أهل الشمال بسبب تفرق الكلمة، ولا ينبغى للحكومة أن تستغرب اذا وجدت أن القوى الجنوبية التى ألفت قلوبها فى الفترة الماضية قد بدأت تتجه جنوبا نحو الزعيم الجديد الذى سيتولى مقاليد حكم الجنوب كاملة غير منقوصة!..

18/6/2003- نقلا عن موقع المؤتمر الشعبي


© كل حقوق الطبع محفوظة لـ حزب الامة (السودان)