|
أعْرِبْ الجُمَلَ الآتيَة
اضاءة سودانية، بقلم:كمال الجزولي
نواصل، لا نزال، البحث عن الحقيقة فى اضطراب رد فعل النظام السودانى ما بين
الترحيب، ابتداءً، ثم الاستنكار لاحقاً، بإزاء اتفاق المهدى والميرغنى وقرنق فى
إعلان القاهرة، أواخر مايو المنصرم، على أن تكون العاصمة بعد توقيع اتفاق السلام فى
ماشاكوس «قومية .. تساوى بين الأديان والمعتقدات»، واتفاق حركة الترابى، المنشقة عن
السلطة، مع حركة قرنق، فى ورقة العمل الموقعة بينهما فى لندن بتاريخ 3/ 6/ 2003،
على أن تكون العاصمة «قومية .. بما يجعل وحدة السودان خياراً جاذباً عند الاستفتاء
على تقرير المصير»، بل وذهابهما إلى أبعد من إعلان القاهرة، برفضهما، ضمناً، اعتبار
«الشريعة» خياراً وحيداً للتشريع ،وتعيينهما «الاجماع الوطنى قاعدة للتشريع كما هو
قاعدة للسياسات .. بما يسهم فى درء مفسدة الحرب».
ولاحظنا أن اضطراب النظام ترك انطباعاً بأنه بوغت، مما ألجأه لإحلال نظام «القيم»
محل نظام«المفاهيم». فعلى حين اعتمد، لجهة إعلان لندن، الترويج «لخيبة الأمل» فى
إخوة الأمس الذين «انكسروا» أمام «أعداء الشريعة»، أقدَمَ، لجهة إعلان القاهرة، على
إجراء كشط وتعديل فى نصه، لتبدو «علمانية» العاصمة هى مطلبه، فيتيسَّر، عندئذٍ فقط،
التعريض به من زاوية القيمة الدينية، وهو ما أسماه المهدى الخطاب التهريجى «بى بى
سى، 4/ 6/ 2003»، والمزايدة والمناورة وتضليل الرأي العام» «سودانايل، 1/6/2003»،
كما وصفه الميرغنى بالمزايدة الخطيرة ..
والمأزق الكبير «الأضواء، 1/6/2003» لتحرير هذا النزاع كان لا بد من ردِّه إلى
أسئلته الأوليَّة عمَّا إذا كانت تلك المواقف الشمالية المسلمة مباغتة، حقاً،
للسلطة الاسلامية، وما إذا كان النزاع، فى أصله، دينياً أم سياسياً .. الخ.
وللاجابة لزمتنا العودة إلى المواقف الباكرة نسبياً من مسألة تطبيق الشريعة فى
البلاد بعامة، وفى العاصمة بخاصة، من جهة حزبى الأمة والاتحادى، ومن جهة الحركة
الاسلامية التى يتصرف تيارها الحاكم الآن كما لو كان قد أعفى نفسه من موقفه القديم،
حال توحُّده خلف قيادة د. الترابى قبل الانشقاق، بل قبل الانقلاب نفسه، حيث كان قد
وافق، وقتها، من حيث المبدأ، على استثناء العاصمة من تطبيق القوانين الدينية، كما
سنرى، بينما ينقلب الآن ليدمغ ذات المطلب ويدينه.
عدنا، فى هذا السياق، لموقف المعارضة الذى كان قد اتخذه حزبا الأمة والاتحادى عام
1983م من قوانين سبتمبر التى كان قد أصدرها النميرى وحلفاؤه الاسلاميون باسم
الشريعة، كون الهدف من ورائها إحكام قبضة النظام، فحسب، فلا تساوي ثمن الحبر الذى
كتبت به، على حدِّ تعبير المهدى. كما عدنا لوقائع قبول الاسلاميين عام 1988م بتجميد
قوانين سبتمبر وإصدار قوانين بديلة، وذلك لأجل تيسير الائتلاف مع حزبى الأمة
والاتحادى فيما سمى بحكومة الوفاق فى أعقاب الاطاحة بالنميرى واستعادة الديمقراطية
بانتفاضة 1985م.
وقد سعوا، فى ملابسات ضعف الارادة السياسية التى لازمت تلك الحكومة، لتمرير مشروعهم
هم للقانون الجنائى «الجنائى تحديداً»!، أو ما عُرف، آنذاك، بقانون الترابى، من فوق
كل المشاريع البديلة الأخرى، كمشروع لجنة الوفاق ومشروع نقابة المحامين وغيرهما.
ولكن صراعاً حاداً ما لبث أن انفجر حول ذلك المشروع، بالنظر لخطورته على الوحدة
الوطنية، مما لم يفت على بقية القوى السياسية فى الشمال والجنوب، بما فيها الأمة
والاتحادى.
إنفجر الصراع، ابتداءً، داخل مجلس الوزراء الذى أبدى رئيسه السيد الصادق العديد من
التحفظات الفقهية والسياسية على المشروع، سواء من حيث عدم قطعية ورود ودلالة بعض ما
اشتمل عليه من حدود كحدِّ الردة، مثلاً، أم من حيث وضعية العاصمة القومية التى طالب
الجنوبيون باستثنائها من التطبيق على أقل تقدير.
هكذا، ولما صار من المتعذر إجازة مجلس الوزراء للمشروع كنص متكامل، فقد تقرر تقديمه
إلى الجمعية التأسيسية مصحوباً بمذكرة التحفظات التى كان أهمها:
1 ـ أن المسائل المختلف عليها بشأن الحدود تترك للنقاش والتصويت المفتوحين فى
الجمعية.
2 ـ أما وضعية العاصمة القومية فقد كلف المجلس رئيس الوزراء بالاجتماع مع رؤساء
القوى المكوِّنة للائتلاف الحكومى بغرض الوصول لاتفاق سياسى بشأنها مع الأخذ بمطالب
الجنوبيين فى الحسبان «الأيام 12 /9/ 88».
نتوقف هنا لنلاحظ من الناحية المبدئية أنه إذا كانت الاتفاقات السياسية هى نتاج
التفاوض الذى يرتهن نجاحه بالمدى الذى يكون فيه هؤلاء الأطراف مستعدين للمساومة
وتقديم التنازلات، فإن الصيغة الوفاقية الوحيدة التى أمكن لمجلس الوزراء، بما فيه
الاسلاميون، الخروج بها لجهة وضعية التشريع فى العاصمة القومية، هى تكليف رئيسه
بالتفاوض مع بقية الأطراف للوصول لاتفاق سياسى حولها، بكل ما يلزم ذلك من استعداد
مبدئى للمساومة وتقديم التنازلات، على حين بقى الثابت الوحيد الذى ينبغى استصحابه
هو مطالب الجنوبيين، أى المطالب التى سرعان ما سنعلم أنها تصبُّ بقوة فى اتجاه
استثناء العاصمة من تطبيق أى قوانين دينية.
وفى الحقيقة لم يكتف غيرما واحد من أعضاء المجلس أنفسهم، شماليين وجنوبيين، علاوة
على قيادات بارزة فى حزبى الأمة والاتحادى، بتأكيد عدم إجازة المجلس للمشروع،
وخروجه فقط بهذه الصيغة، بل زادوا على ذلك تعبيرهم صراحة عن رفضه، وتفضيلهم
المشروعات الأخرى، وكيلهم الاتهامات للاسلاميين بإساءة استغلال الظروف والاجراءات.
فقد شنَّ، مثلاً، د. أحمد بلال، عضو الهيئة البرلمانية عن الحزب الاتحادى ووزير
الدولة للصحة آنذاك «يشغل الآن منصب وزير الصحة، منسلخاً عن حزبه، ومندمجاً فى حزب
الاسلاميين أنفسهم، فتأمَّل»! شنَّ هجومه العنيف على الاسلاميين، متهماً إياهم
بالسعى لإعادة تجربة قوانين سبتمبر وتجربة السفاح نميرى فى تشويه صورة الاسلام
والبطش بالشعب «الأيام، 13/9/88».
كما أكد د. عبد الملك الجعلى، وزير الشئون الدينية والأوقاف عن الحزب الاتحادى
أيضاً، بأن الجمعية ستنظر فى جميع المشاريع وصولاً لصيغة موحدة، ووصف الادعاءات
التى تشهدها الساحة بأنها مزايدات سياسية «الأيام، 16/9/88». أما السيد نقد الله،
عضو المكتب السياسى لحزب الأمة، فقد صرح، من جهته، بأن لديهم تحفظات واضحة حول
الأحكام الحدِّية فى المشروع، وأن قطاعاً من نوابهم يرى الأخذ بمشروع لجنة الوفاق
وإرجاء البت فى مشروع د. الترابى لحين انعقاد المؤتمر الدستورى «المصدر نفسه». ودعا
السيد سيد احمد الحسين، نائب الأمين العام للحزب الاتحادى، إلى تقديم كل المشروعات
إلى الجمعية التأسيسية «الأيام 19/ 9 /88 » وأما من جهة الوزراء الجنوبيين فقد أكد
السيد جوشوا دى لوال، وزير الشباب والرياضة وعضو الجمعية، أن مجلس الوزراء لم يصدر
أمراً بإجازة المشروع، بسبب الخلاف الذى نشب حوله، بل اكتفى بإحالته إلى الجمعية مع
بقية المشروعات. ووصف المشروع بأنه سيعوق مساعى إنهاء الحرب فى الجنوب، كما أنه
سيصادر حقوق غير المسلمين خاصة فى العاصمة القومية إذا ما رفض اقتراح الأحزاب
الجنوبية باستثنائها من تطبيقه «الأيام 13/9/88».
ولكن د. الترابى انطلق، مع ذلك كله، يغالط بأن المجلس أجاز مشروعه، ويصف تلك
الاجازة المزعومة، فى نمط معهود من المكابرة السياسية، بأنها «انتصار للارادة
الاسلامية»، و«تجاوز لمقاومة حادة ذات ضغوط داخلية وخارجية»، ويستبق أعمال الجمعية
بأنها «ستسير بذات الاتجاه فتتجاوز تلك المقاومة بإجازة المشروع» «الأيام 12/9/88».
مهما يكن من أمر، فلا مناص من مضاهاة ذلك الموقف القديم، المتحمِّس لإخضاع التشريع
للارادة الاسلامية، على حدِّ تعبير د. الترابى فى معركة القانون الجنائى عام 1988م،
بالموقف الجديد الذى يخضع ذات التشريع للاجماع الوطنى، حسب النص المتضمن فى إعلان
لندن عام 2003م، وذلك لأغراض الاجابة على السؤال الملح عمَّا إذا كان المطلوب، فى
كلا الحالين، نصرة الدين لوجه الله تعالى أم مجرَّد الكسب الحزبى فى معمعة الصراع
الدنيويِّ على السلطة؟!
ولعلنا نستطيع، من هذه الزاوية وحدها، وبصرف النظر عن موضع إعلان لندن من إعراب
إعلان القاهرة، أن نلمح الأيديولوجية السياسية خلف ما يراد تصويره كعرفان دينى،
بحيث لا يعود ثمة شك فى أن ما يصفه المهدى بالتهريج والميرغنى بالمأزق ليس، بالقطع،
الشريعة المُعرَّفة بالألف واللام، بل تصوُّر الحركة الاسلامية للشريعة كأداة
سياسية لإلجام المعارضين، وقمع الخصوم، وفتح الطريق، من ثمَّ، لحصد النقاط الحزبية.
نقلا
عن البيان الإماراتية 2 يوليو 2003م |