الموقف السياسى: التحليلات السياسية
أخر الأخبار
المقابلات الصحفية
البيانات والمنشورات
التحليلات السياسية


 

حزب الأمة: فوضويةالانشطار وحتمية الاستمرار

 

                                                              محمد الواثق الجريفاوي

                                                                       محامي/ أبوظبي

 الانقسام والخروج عن حزب الأمة الذي قاده مؤخراً السيد / مبارك الفاضل تحت شعار التجديد في القيادات السياسية ، يطرح موضوعاً هاماً تعاني منه كل الأحزاب في دول العالم الثالث وبخاصة السودان .

فهناك العديد من الأسباب التي تجعل  الأحزاب السياسية في السودان ، بلا استثناء ،  تبدو  وكأنها أحزاب رجال لا مؤسسات يكون الولاء فيها للقيادة دون الحزب : -

أولاً : التركيبة الاجتماعية للمجتمع السوداني التي مازالت تقليدية الولاء فيها للقبيلة أو الطريقة الصوفية أو الزعيم الديني .

ثانياً  : قيام الأحزاب الرئيسية على أسس أيديولوجية سواء كانت أحزاب تعتمد في جماهيرها على طوائف دينية أو قامت علي أسس من الأفكار الأيديولوجية .

 

ثالثاً : قلة فترات العمل العلني والمشروع للأحزاب السياسية حيث نجد أن طبيعة العمل السري تخلق نخبة في القيادة ، أو أن مواجهة النظم الديكتاتورية علناً تخلق قيادات استثنائية تلتف حولها الجماهير .

 

والمعروف عن السيد/ مبارك الفاضل أنه من القلائل الذين يمارسون العمل السياسي الحزبي بطريقة عقدية تشبه إلى حد كبير ممارسة قيادات الأحزاب العقائدية في السودان مثل الشيوعيين والإسلاميين والقوميين العرب،  بالإضافة الى أن الظروف الاستثنائية التي فرضها العمل المعارض الخارجي خلقت منه قيادة استثنائية نشطة ومتحركة ، الأمر الذي جعله يدخل في صراعات متعددة مع مختلف القوى السياسية الأخرى . إلى جانب أن وقوفه علي رأس الداعين للتعامل مع النظام في الخرطوم والذي يمكن أن يصل إلى حد المشاركة في الحكم ، خلق بعض التوتر بينه وبين شخصيات قيادية لها وزنها بحزب الأمة تقف علي الطرف النقيض الآخر ، وهو الذي يمكن اعتباره السبب الرئيسي في تهيئة الأمر لإتخاذ السيد /مبارك الفاضل لهذا القرار الذي يحمل فيه كل معاني الفوضى والتسيب من رجل حزبي  المفترض فيه أن يكون مثالاً للإلتزام باعتباره من الذين قادوا مسيرة الحزب الاستثنائية في الفترة ما قبل العودة الى الداخل وهو ادرى اعضاء حزب الأمة بما يدور داخل اروقة الحزب فيما يتعلق بالمؤسسية واختيار القيادة عبر المؤتمر العام للحزب .

 

وقبل  الخوض في تحليل التداعيات السياسية لخروج  للسيد/ مبارك الفاضل من حظيرة حزب الأمة  نستصحب التالي  :

1 / السيد / الصادق المهدي هو القيادة المنتخبة بواسطة المؤتمر العام لحزبه  ولا يقدح منها تأخر قيام المؤتمر العام للحزب .

 

2 /   الوضع السياسي في السودان يتطلب وحدة جميع القوى السياسية مع بعضها البعض ناهيك عن وحدتها وتماسكها الداخلية  .

 

3 /  حزب الأمة يعول عليه كثيراً في عملية الحل السياسي الشامل وقيام المؤتمر الجامع والدخول في مثل هذه الأمور يقلل تماسكه وبالتالي يقلل من فرص أفضليته في المبادرة  .

 

4 /  هناك تياران داخل حزب الأمة ، الأول يدعو إلى التعامل مع النظام مباشرة إلى درجة إمكانية المشاركة في الحكومة ، والآخر يرفض كل صور التعامل مع النظام إلا عبر تسوية سياسية شاملة لقضيتي السلام والديمقراطية .

 

وفي سياق النظر لهذا الأمر تبرز العديد من الحقائق :-

 

أولاً :  الصراع بين التياران في حزب الأمة حول المشاركة مع النظام لم ينته بالإجراءات التسكينية التي أتخذت بعد عودة القيادات من الخارج ، بل أصبح بركان خامد سرعان ما انفجر ليهدد وحدة وتماسك الحزب لأن القيادة لم تتخذ  موقفاً واضحاً ومعلناً حول أسباب ذلك الصراع ، وهو الذي قاد الى تلك الفوضي والتخبط .

ثانياً  : الدعوة للتجويد والتجديد التي نادى بها السيد / مبارك المهدي وما صاحبها من تصريحات وبيانات واطلاق للشبهات جزافاً لم تحقق الأهداف المرجوة منها لأنها ليست الوسيلة المناسبة لمثل هذا الإصلاح ، فهناك أجهزة الحزب الموجودة ، بغض النظر عن رؤيتها للإصلاح ، كما أن هناك المؤتمر العام للحزب وهو صاحب القول الفصل في الأمر .

 ثالثاً  :  دعوة السيد / مبارك الفاضل التجديدية حينها بدت وكأنها دعاية سياسية لصراع قادم  حول القيادة في المؤتمر العام للحزب  ، حيث جاء فيها برنامجاً انتخابياً  طرح من خلاله السيد / مبارك نفسه قيادةً جديدةً وبديلةً في حزب الأمة ، ركز فيها على مدخلين هامين لكل أعضاء الحزب وهما : القيادة والتجديد فيها ، وإمامة كيان الأنصار ،         فالسيد/مبارك يستقطب الطلاب والشباب من خلال دعوته للتجديد ويعمل على كسب دعم  آل المهدي وجماهير الأنصار بضربه على وتر الإمامة  .

ولكن عدم قيام المؤتمر العام للحزب - لظروف موضوعية - وتسارع الخلاف بين التيارين المتصارعين ، الى جانب تداعيات الأوضاع السياسية عموما ،ً والضبابية حول الحل السياسي الشامل وقضايا السلام والديمقراطية جعلت السيد / مبارك المهدي يضيق ذرعاً  ليستبق الأحداث ويعلن خروجه عن حزب الأمة ليكون حزباً جديداً يحقق من خلاله مناداته بالتجديد والتجويد – كما اعلن !!!  _ .

 رابعاً : الجميع بما فيهم السيد / مبارك التزموا  بقيادة السيد / الصادق المهدي لمسيرة حزب الأمة ، وبخاصة بعد أن تم الاتفاق بالتراضي بعد حوار كبير شاركت فيه القيادات بالداخل والخارج في القاهرة وكان ذلك قبل عودة السيد/الصادق المهدي للخرطوم . والقول بأن ماقام به السيد / مبارك  - ومن تبعه -  يشبه ما قام به السيد/ الصادق المهدي في الستينات فيه قياس مع الفارق حيث أن السيد / الصادق المهدي عندما نادى بفصل الإمامة عن قيادة الحزب كان حيينها إمام الأنصار هو الذي يدير الحزب ولهذا كان الأنصار ينظرون إلى تلك القيادة بقدسية ويرون في مخالفة أوامرها مخالفة للدين ،   والسيد / الصادق ملتزم حتى الآن بما نادى به ويسعى بكل ما لديه لتطوير الحزب وما قام به في سابق الزمان هو الذي أعطى الحياة للحزب حتى الآن ، والسيد/ الصادق المهدي يعلم تماماً بأنه مفارق هذه الدنيا ، لهذا يسعى لأن يخلق تنظيم مؤسسي للحزب يكون ولاء الأعضاء فيه لمؤسستهم لا لقياداته لهذا فإن حسم القضايا الأساسية للحزب يجب أن تتم عبرالمؤسسات الموجودة أو عبرآلية المؤتمر العام وليس بالإنفصال والخروج عن حظيرة الحزب .

 خروج السيد / مبارك المهدي ومن تبعه في ذلك عن حظيرة حزب الأمة يضمن لهم المضي بحرية لتحقيق اهدافهم السياسية وهذا حق مكفول ما دام ارتضوا ذلك بعيداً عن حزب الأمة ، ولكن كان من المفروض ان تقوم تلك الجماعة باعلان أهدافها السياسية صراحة دون التخفي وراء شعارات عامة فضفاضة ، حيث أن الأهداف الخمس التي وردت في بيانهم يمكن تحقيقها بالعمل من داخل الحزب نفسه عبر مؤسساته ومؤتمره العام  وليس بالخروج عنه ، اللهم الا إن كانت اشياء اخرى خفية.

عموماً من المعروف تاريخياً أن هناك انقساماً واحداً في حزب الأمة حدث في أواخر الستينات وهو الانشطار الذي أعطي الحياة لحزب الأمة , على عكس الانقسامات التي حدثت في كثير من الأحزاب السياسية وأثرت على أدائها السياسي إن لم يكن على وجودها أصلاً .

عليه يمكن النظرالى هذا الخروج من جهة انه يحقق لحزب الأمة استقرار سياسي وتنظيمي ، ويجعل من السهل الحكم على مواقفه في كثير من الأمور التي كانت الرؤى فيها متضاربة بين التيارين المتصارعين ، الى جانب أنه سيوضح أجندة السيد/ مبارك المهدي بما سيعلنه من أهداف وبرنامج سياسي لحزبه القادم إن كتب له الاستمرار. 

 ختاماً لا أحد يستطيع أن يفرض نفسه أو رؤاه على الجميع إلا من خلال ما يرتضيه الجميع ، عبر مؤسسات تنظيماتهم الديمقراطية .

* نشر في جريدة صوت العرب الإماراتية في 15 يوليو 2002م


© كل حقوق الطبع محفوظة لـ حزب الامة (السودان)