|
بسم الله
الرحمن الرحيم
النباح القراح حول
إعلان القاهرة:
صحوُ سِنَةٍ.. أم مسُّ
جنّةٍ؟!
قبل مطلع هذا العام قدم حزب الأمة ما سماه "مبادرة الأمة
للتعاهد الوطني" سلمت للجميع في الحكم وفي المعارضة، ردت عليها أكثرية القوى
السياسية كتابة، ولكن الحزب الحاكم –كديدنه في التمنّع حين الإدلاء بالآراء والخف
لتكميم الأفواه إذا بان منها صدح بالحق يكرهه- ذلك الحزب وعد أن يرد كتابة وأخلف.
واجتمعت لجنة منه بلجنة من حزب الأمة غير مرة فما اظهروا لبند من بنود المبادرة
استنكارا مبدئيا. وظلت الأمور على ما هي عليه، فتارة يصدق النظام نفسه أنه اقتطع من
حزب الأمة جزءا شاركه فصارت حكومته (قومية)، وتارة يرى ما بمشاركيه من جميع فصائل
السياسة من وهن وتآكل في القاعدة فيثوب إلى رشده ويعلم أن خارطة السودان السياسية
لن تتغير بهواه.. ويظل هكذا ممسكا بالعصا عند المنتصف.
قلنا: لم يثر النظام غبارا حول مبادرة التعاهد الوطني
بل "ركنها" في أحد أرففه المكتظة بالكتابات النيرة والمفاكرات المخلصة التي لم يكن
يلقي لها بالا لأنه إنما يلقي بالا فقط لقعقعة السلاح، وهذا ما صدح به رأسه من قبل
(أنهم جاؤا بالسيف ولا يلقون لغيره نظرة). ولما جاء إعلان القاهرة انتبه النظام
(أيكون ذلك لأن الإعلان وقع عليه مع حزبي الأمة والاتحادي حاملو السلاح الذي صوبه
فقط تتيقظ حواس النظام؟).. إذا صحت هذه القراءة فهذا يعني أن النباح حول إعلان
القاهرة هو "صحو سنة" إذ أخيرا تيقظ النظام وأدرك الأطروحات السياسية من حوله بفعل
"نهرة" إعلان القاهرة.. مثل هذا التيقظ المتأخر يدرك سخفه المعلمون، فبعض التلاميذ
النوّم المتأخرين إذا نبههم المعلم ووجه لهم سؤالا لا يستحي الواحد منهم أن يرد:
أنك لم تدرسنا هذا الدرس من قبل!. وكذلك كان بعض الصحافيين الذين أسالوا حبرهم حول
إعلان القاهرة فبعضهم من قال: صمت دهرا ونطق كفرا، ومثلما كان أولئك في بيات شتوي
ابتدأ منذ الشتاء وحتى أوج المصيف، فإنهم أظلم عند الله من أن ينير بصائرهم بمعرفة
الكفران من اليقين والإيمان.
عرفنا الآن من انتبه بعد السنة التي استمرت منذ مبادرة
التعاهد الوطني وحتى الإعلان، فمن مسه الجن؟.
هذا السؤال لا يفسّر إلا بسرد قصة طريفة: قيل أن معزة
كانت تجد مرعى جيدا لذيذ الحشائش كثّها، فتأتي إليه، وفي كل يوم ياتيها كلب ينبحها
فتخاف وتذهب دون أن تأخذ كفايتها من الكلأ. ففكرت ذات يوم أنها لن تستجيب لنباح
الكلب بالانصراف وليكن ما يكون. وبالفعل، جاءت لمرعاها وجاء الكلب ينبح كالعادة،
ولكنها خرقت العادة فلم تنصرف وظلت متمسكة بمرعاها هذه المرة كأن شيئا لم يكن، هنا
دهش الكلب لموقف المعزة (غير المبرر في نظره) وصار يجرها من ذيلها ويعضه، ولم يجد
ذلك في صرف المعزة، فأطرق الكلب وقال في نفسه: (الغنماية دي إلا كان جنّت). وهذه
القصة تروى للدلالة على دهشة المراقب لتغيير أحد الناس لموقفه الذي كان اتخذه ليس
نتاجا لتغيير في الظروف من حوله ولكن لتغيير في نفسه يقصد به أن يغير حاله وقد قال
تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
والمتابع لردة فعل النظام ومسئوليه على إعلان القاهرة
يجد تصريحات كثيرة مثلا تصريحات السادة مستشار الرئيس للسلام ومستشاره السياسي
والأمين العام للحزب الحاكم، كل أولئك كان رد فعلهم المباشر على إعلان القاهرة
مرحبا بالمضمون (بل لقد قال الأمين العام للمؤتمر الوطني أنه لم يحتو على أي جديد)
مع بعض التحفظات السياسية. كانت هذه مضامين التصريحات الرسمية منذ توقيع الإعلان
في 24 مايو وحتى 28 مايو تقريبا.. ثم فجأة غيّر النظام رأيه (حول ذات النص الذي
باركه ولم ير عليه من غبار). رأى النظام أن مصلحته لا تتوافق مع ذلك الإعلان، فهو
قد أجهد نفسه ليجر الآخرين إلى تحالفات ثنائية (ليقل عدد مقتسمي السلطة) وكان كل
همه هو أن تكون القسمة ثنائية مع الحركة الشعبية (مشفوعة بما يردده من أن الوسطاء
لا يعترفون بغير هذين الطرفين وكأننا محتاجون للوسطاء ليثمنونا وليس فقط ليتوسطوا
في النزاع ويشرفوا على فضه ويراقبوا تنفيذ الحل ويدعموا إعادة البناء والتعمير).
وبعد نظرة (فاحصة) لأمر الإعلان قرر النظام أن يغير ما بنفسه (من قبول للحل السلمي
في إطار بروتكول مشاكوس) طالما أن ذلك الحل قد يؤدي إلى ذوبانه في لجة من خضم سياسي
هو غير مستعد له، وما هذا النباح القراح –فهو خلو من التعقل ضاج بالتشنج- إلا خطة
للتنصل من اتفاق قد يأتي للنظام بالريح (التحول الديمقراطي) بدا له أن الحركة ربما
فضلته -أي التحول الديمقراطي الذي يقود له الاتفاق القومي ويصرح به إعلان القاهرة-
على القسمة الثنائية معه.. وهذا التغيير هو ما وصفه كلب المعزة الذي وصفناه أعلاه
بالجنون.. وما هو بجنة، إنه تدبّر جديد بعد تفكّر (سديد) حسب قوانين النظام وملّته
السياسية الراجحة: الشمولية.
مس الجنة في هذا المقال مثل عند المعزة حكمة جعلتها تملأ
أحشاءها بالكلأ اللذيذ وكلنا نتعاطف مع تلك المعزة البائسة التي يطردها الكلب مما
أفاءت به أرض الله لخلق الله، وعند أهل النظام هو "حكمة" عكسية للاحتفاظ (بالكلأ)
لأنفسهم، تجعلهم يتخذون تدابير كثيرة إذا خاب أحدها لم يسقط الآخر، فإما سد باب
الريح (عملية السلام التي تأتي بالتحول الديمقراطي) وإما إن فشلوا في ذلك – خاصة
وتصريحات المسئولين لا زالت متمسكة بعملية السلام وتراها ضرورية لها وتهاب بطش
القادرين إذا تراجعت- فإنهم يضربون عصفورا آخر: يتخذ الإعلان وسيلة حملة انتخابية
لتشويه سيرة الأحزاب الوطنية التي عبرت عن مطالب الشعب ولم تقهره كما فعل حزب
النظام، ووسيلة لتقبيح صورتها، وربطها بمعان هي الأبعد عنها.. فأن تختلق كلمة
"علمانية" وتقحم في نص هي خالية منه فعل بني إسرائيل الذي ذمه المولى (يحرفون الكلم
عن مواضعه)، ويلحن قادة النظام قولهم، وتسدر في ذلك الضلال كل أجهزة الإعلام
الرسمية من إذاعة وتلفاز وصحف (بل هنالك صحيفة رسمية أفردت للنباح المتصل حول إعلان
القاهرة كلمتها الافتتاحية لما يقارب الأسبوع.. وما يزال العرض مستمرا). ثم هنالك
الملصقات واللافتات في الشوارع والأسواق، والندوات وأعمال "علماء السوء" كما وصفهم
المهدي الإمام، وسماهم الدكتور محمد عمارة "فقهاء السلطان"، أولئك الذين جوزوا
الربا لضرورة (خزان الحمداب)، وأفتوا بكفر (القومية) برغم ضرورة اتقاء الفتنة
الوطنية، وسد الذرائع للتدخل الأجنبي، وحاجة الوقت والمقام. وبرغم سوابق صحيفة
المدينة، واتفاق الحديبية.. ألا ساء ما يحكمون!.
كل ذلك النباح لأنه كما يقول أخواننا المصريون (العيار
اللي ما يصيبش يدوش) فإن لم يرد التحول الديمقراطي قتيلا، فإنه يشوه صورة منافسي
النظام من بين الأحزاب، وواضح أي الأحزاب ينصبها النظام منافسا له، فبرغم أن
الإعلان ممهور من ثلاثة من القوى السياسية إلا أن النباح موجه ضد حزب وحيد!.
(نشر هذا المقال في جريدة الصحافة بتاريخ 14 يونيو
2003م)
Email:
rabahassadig@hotmail.com |