بسم الله الرحمن الرحيم

إعلان القاهرة وفيروسات الجهالة

رشا عوض:

منذ صدور إعلان القاهرة الذي وقعه كل من الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة والسيد محمد عثمان الميرغني رئيس التجمع الوطني الديمقراطي ورئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي والدكتور جون قرنق رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان في الرابع والعشرين من مايو الماضي انتظمت بعض صحف الخرطوم هجمة إعلامية شرسة ضد الإعلان تهدف إلى تضليل الرأي العام السوداني وتعبئته ضد قياداته التاريخية على أسس مجافية للموضوعة وباستخدام الابتزاز العاطفي الرخيص باسم الدين. سأحاول في هذه السطور تسليط الضوء على الأسباب الحقيقة لهذه الهجمة وهي أسباب سياسية بحتة لا علاقة لها بالدين.

 استندت هذه الهجمة على أن إعلان القاهرة تضمن اتفاق على " قومية العاصمة التي تساوي بين كافة الأديان والمعتقدات لأن ذلك ضرورة لازمة للحفاظ على وحدة بلادنا على أسس جديدة". انطلاقا من هذه العبارة اتهم إعلان القاهرة بأنه مؤامرة ضد الشريعة الإسلامية!! واختزلت أهدافه في تقنين شرب الخمر وفتح البارات والسماح بالانحلال الأخلاقي في العاصمة!! وظلت الاتهامات تتردد في حق من وقع على الإعلان في محاولة بائسة لعزلهم دينياً وسياسياً باستخدام أساليب فجة في الإثارة الإعلامية من شاكلة: الصادق المهدي يعطي الفتوى لمعسكر الصليب ويقول إن قلب السودان يجب أن يعفى من تطبيق الشريعة الإسلامية!! قرنق طار بالغنيمة فرحاً إلى واشنطن وتمر الختمية يتحول إلى خمر بالخرطوم!! وحدة السكارى من نمولي إلى حلفا في السودان الجديد! الصادق التقى بقرنق ودعمه في الوقت الخطأ لأنه وقت الدعوة للكفر بالشريعة في العاصمة!! ولو اقتصر الأمر على هذه الهرطقات التي وردت في صحف بعينها قنعت بأن تكون وظيفتها تصدير فيروسات الجهالة والدجل والأكاذيب وتأجيج غلواء الهوس الديني لما كان الأمر محرضاً على الكتابة أو النقاش ولكن الذي جعل مناقشة الأمر بجدية واجباً وطنياً هو أن هناك نفر من كبار المسئولين في الحكومة ركب  موجة هذه المزايدات حيث تضمنت تصريحاتهم بشأن إعلان القاهرة اتهامات صريحة للموقعين بأنهم تنازلوا عن الشريعة الإسلامية وتنكروا لمبادئ دينهم، ففي تصريح لمستشار رئيس الجمهورية للسلام الدكتور غازي صلاح الدين- أوردته صحف الخميس 29مايو ورد الآتي: " من المؤسف إن بعض المسلمين يوقعون بأيديهم بينه إقرار بأن الشريعة تظلم والشريعة تضطهد والشريعة تميز بالباطل ولئن كان إقرار باطل كهذا مكروها من عامة المسلمين فهو من قادتهم أبغض" كما صرح أحمد علي الإمام مستشار رئيس الجمهورية لشئون التأصيل لصحف السبت31 مايو بالآتي " أرجو مخلصاً أن يراجع موقفه كل من تنكب الطريق ورضي بغير ما أنزل الله من  الأحتكام لشرع الله في رحاب المسلمين وهكذا نجد كل التصريحات والتعليقات حول إعلان القاهرة تحاول جاهدة أن تصرف الأنظار عن محتواه السياسي ودلالاته  المستقبلية وتحصره في مسألة " علمانية العاصمة" مع العلم إن مفردة علمانية هذه لم ترد مطلقاً في نص إعلان القاهرة فهذا الإعلان لم يكن إلا خطوة جادة في سبيل دعم مشروع السلام العادل والتحول الديمقراطي في السودان في ظل إجماع وطني بين كافة القوى السياسية وفي إطار بروتوكول مشاكوس الذي وقعته الحكومة نفسها، والفكرة المحورية في إعلان القاهرة هي أن حماية مشروع السلام السوداني من الانتكاس وجعله سلاماً مستداماً لا تتحقق إلا في ظل إجماع وطني وفي سياق نظام ديمقراطي قائم على الانتخاب الحر والمساءلة والشفافية ومشاركة كافة القوى السياسية التي تعكس واقع التعدد والتنوع في السودان وانطلاقاً من ذلك ورد في نص إعلان القاهرة وتحت بند "إعلان مشاكوس والحل الشامل" ما يلي:

·               تكوين الحكومة ذات القاعدة العريضة والمشاركة في كافة مستويات الحكم في المركز والأقاليم للقوىالساسية وبشكل فاعل.

·               تؤدي مشاركة كافة القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني في صياغة دستور الفترة الانتقالية إلى تحول ديمقراطي حقيقي.

·               يجب أن يؤدي عمل لجان الخدمة المدنية والقضاء وغيرها التي نص عليها اتفاق مشاكوس إلى تحويل دولة الحزب الواحد إلى دولة الوطن الواحد.

·               قيام انتخابات عامة عبر رقابة دولية ولجنة انتخابات قومية مستقلة.

هذه النقاط الأربع هي السبب الحقيقي وراء إشعال نيران الغضب في صفوف الحكومة التي تريد أن يفضي مشروع التسوية السلمية إلى اقتسامها للسلطة مع الحركة الشعبية ولا بأس من مشاركة صورية من " كسور وبواقي الأحزاب" لا تحدث تغييراً حقيقياً في بنية السلطة ولا تنال من امتيازات ومصالح المنتفعين من النظام الشمولي، أي أن الذين ترتبط مصالحهم عضوياً باستمرار الشمولية ولكن جملة من الضغوط السياسية الداخلية والضغوط الدولية وعلى رأسها الضغط الأمريكي أجبرتهم على المضي في مسيرة التسوية السلمية تحت مظلة "أيقاد" وعبر بروتوكول مشاكوس يريدون أن يقطفوا ثمار هذه التسوية دون الوفاء باستحقاقاتها التي على رأسها " فك احتكار السلطة" وما يتبعه من إحلال معايير جديدة في ضبط العمل السياسي والنشاط الاقتصادي والخدمة المدنية وكافة أوجه العمل العام، هذه المعايير ستكون سمتها الغالبة العدالة والموضوعية وهذا بالطبع سينال من المكاسب غير المشروعة المرتبطة بالمحسوبية في ظل هيمنة الحزب الواحد على السلطة والثروة، أصحاب هذه المكاسب السلطوية يريدون لها الاستمرارية وهذا لا يتحقق إلا إذا أدت العملية السلمية الجارية حالياً إلى إنتاج "نسخة معدلة من الإنقاذ" ولذلك فإن هؤلاء يسعون جاهدين إلى عرقلة التحول الديمقراطي لأنهم لم يعدوا  له عدته ولا يستطيعون احتمال نتائجه. إن معطيات الواقع السوداني الراهن من أزمات سياسية معقدة وأزمات اقتصادية خانقة ونزاعات أهلية مسلحة تغذيها مظالم اجتماعية وتنموية تاريخية، وتدخلات خارجية سافرة في شأنه الداخلي تحتم ضرورة الإسراع في تدارك الأزمة السودانية بتسوية تاريخية شاملة وجادة ومسئولة ومن أهم مطلوبات هذه التسوية إعلاء الحوار العقلاني والموضوعي في مناقشة القضايا الوطنية والبعد عن أساليب التجييش العاطفي والشحن الأيدليوجي لتحقيق مكاسب آنية على حساب الخيارات الوطنية الاستراتيجية، هذه الأساليب تنتهجها الآن أقلام الجهالة والدجل في مهاجمة إعلان القاهرة بحجة أنه ذبح الشريعة الإسلامية في الخرطوم!! وهنا لا بد أن تكون لنا وقفة مع هذه الشريعة الإسلامية المفترى عليها في غلواء الهوس والانتهازية السياسية. ونبدأ هذه الوقفة بطرح السؤال التالي: ماهي الشريعة الإسلامية؟ هل يوجد تعريف جامع مانع لها بين الإسلاميين أنفسهم؟ ما المقصود تحديداً من القول بتطبيق الشريعة الإسلامية في العاصمة أو غيرها؟ ما المقصود بإلغاء الشريعة؟ إذا علمنا أن المسلم بمجرد إقراره بشهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله وتسليمه وجدانياً بعقيدة التوحيد يكون قد بدأ عمليا في تطبيق الشريعة، وإقامة  المسلم للشعائر التعبدية من صلاة وصيام وزكاة وحج لبيت الله تطبيق للشريعة، التزام المسلم بمكارم الأخلاق من صدق وأمانة ووفاء بالعهود تطبيق للشريعة، امتناع المسلم عن الخمروالميسر والزنا وأكل أموال الناس بالباطل تطبيق للشريعة، سعي المسلم لتعميق أثر الإسلام في حياة المجتمع بخلق رأي عام منحاز لقيم الإسلام الروحية والخلقية عن طريق الدعوة بالحسنى تطبيق للشريعة، مغالبة المسلم لأهواء نفسه الأمارة بالسوء وحملها علىالاستقامة تطبيق للشريعة، إنحياز المسلم لصف الفقراء والمستضعفين والمظلومين مدافعاً عن حقوقهم إذا قصد به وجه الله تطبيق للشريعة، فالشريعة في محتواها العقدي والتعبدي والأخلاقي والسلوكي والذي يمثل ثوابت الإسلام يطبقها المسلمون في لندن وباريس وروما وواشنطن ناهيك عن الخرطوم، أما الجدل الذي أثاره إعلان القاهرة حول "الشريعة في العاصمة" هو جدل حول دور الإسلام في النظام السياسي والقانوني والاقتصادي الاجتماعي أي علاقة الدين بالدولة وهذا الموضوع لم يبق فيه أي هامش للمزايدات، ففي مجال المعاملات السياسية والاقتصادية لا توجد في الإسلام برامج مفصلة لنظام الحكم أو النظام الاقتصادي أو الإداري للدولة وإنما توجد مبادئ عامة ومقاصد كلية تتمثل في إقامة العدل وحفظ مصالح العباد وكيفية إقامة العدل وإدارة مصالح العباد أمور متروكة في الغالب للاجتهاد البشري نظرا لأنها امور متحركة ومتغيرة بتغيرالزمان والمكان، وهذه الحقيقة اعترفت بها الحكومة نفسها في دتسور عام 1998م وقبولها ببروتوكول مشاكوس، الذي استبعد تماماً إقامة الدولة السودانية على أساس ديني، فحسب هذا البروتوكول ستقوم الدولة السودانية على أساس تعاقدي ينطلق من فكرة المساواة على أساس المواطنة، وبالتالي فلا مجال لتعريف الدولة بهوية إسلامية أو أي هوية دينية وبموجب مبدأ المساواة في المواطنة تتساوى المرجعية الإسلامية مع غيرها من المرجعيات الدينية والفكرية في حق المشاركة في بناء نظام الدولة بكل تفاصيله، وينظم ذلك دستور ديمقراطي مستمد من مصادر عامة غير مصبوغة بأي صبغة دينية، وفيما يلي النص المتفق عليه فيما يتعلق " بدين الدولة" كما ورد في اتفاق مشاكوس الذي وقعته الحكومة مع الحركة الشعبية:

·               اعترافاً بأن السودان بلد متعدد الثقافات والأعراق والإثنيات والأديان واللغات، وتأكيداً لعدم استخدام الدين كعامل للفرقة يتفق الطرفان على ما يلي:

1.     الأديان والأعراف والمعتقدات مصدر للقوة الروحية والإلهام للشعب السوداني.

2.    تضمن حرية المعتقد والعبادة والضمير لاتباع كل الأديان والمعتقدات والأعراف ولا يجوز التمييز ضد أي شخص على هذه الأسس.

3.     تولي المناصب بما فيها رئاسة الدولة والخدمات العامة والتمتع بجميع الحقوق والواجبات يتم على أساس المواطنة وليس على أساس الدين أو المعتقدات أو الأعراف.

4.     يمكن أن تجرى وتنظم كل الأمور الشخصية والعائلية ومن ضمنها الزواج والطلاق والإرث والتنصيب والولاء وفق القوانين الشخصية " بما فيها الشريعة أو القوانين الدينية الأخرى أوالعادات أو الأعراف" الخاصة بأولئك الذي يهمهم الأمر.

5.     يتفق الطرفان على احترام الحقوق التالية: حرية العبادة أو التجمع من أجل أداء الممارسات الدينية أو الممارسات الخاصة بالمعتقدات الأخرى وتأسيس وحماية الأماكن التي تقوم لأداء هذه الشعائر.

6.     إنشاء وحماية المؤسسات الخيرية والإنسانية التي تقتضيها الحاجة.

7.     صناعة وحيازة واستخدام كل المواد والأدوات المتعلقة بأداء الشعائر أو العادات الخاصة بأي دين بصورة تستوفي أداء الغرض المتوخى منها.

8.     تأليف وإصدار وتوزيع المطبوعات الخاصة بهذه القضايا.

9.    تدريس الديانات والمعتقدات في الإماكن المناسبة لأداء هذه الأهداف. 

10.             السعي للحصول على المساهمات النقدية وغيرها من الأفراد والمؤسسات وتسليم هذه المساهمات.

11.             تدريب وتعيين وانتخاب وانتداب القادة الذين تتوفر فيهم الشروط والمستويات التي يتطلبها الدين أو المعتقد المعين.

12.            التمتع بالعطلات والاحتفال بالمناسبات وفق المبادئ والتعاليم التي ينص عيلها الدين الذي يدين به الفرد المعين.

13.             إفادة الصلات والاتصال بالأفراد والمجموعات فيما يتعلق بالشئون الدينية المعتقدية. على المستويين القومي والعالمي.

14.             لإزالة الشكوك حول هذا القضية لا يسمع بالتمييز ضد أي شخص من قبل الحكومة القومية، أو الدولة أو المؤسسات أو مجموعة من الأفراد أو فرد واحد على أساس الدين أو المعتقد.

15.            المبادئ الواردة من 1-14 تضمن في الدستور.

هذا ما وقعت عليه الحكومة السودانية والتزمت بتنفيذه على مستوى السودان ككل، فإذا كانت هذه الأفكار والمبادئ علمانية ما معنى أن تقبل الحكومة بالعلمانية على مستوى القطر وترفضها في العاصمة؟ هل توقع الحكومة على هذه الاتفاقيات تحت تهديد العصا الأمريكية الغليظة وفي الوقت ذاته تستبطن نوايا النكوص ونقض العهود والمواثيق؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن لهذه البلاد أن تتقدم خطوة واحدة إلى الإمام؟  والسؤال الأهم ما هو رأي الشريعة الإسلامية في هذا النفاق والتدليس والاحتيال في قضايا مصيرية؟ وإلي متى ستبقى العاطفة الدينية النبيلة وقوداً رخيصاً لمعارك ليس للإسلام فيها ناقة ولا جمل كالمعركة المفتعلة الآن حول علمانية العاصمة فالعاصمة كما هو معلوم لها رمزيتها الخاصة، فإذا كنا نعمل من أجل وحدة البلاد بصدق وجدية لا يمكن أن نطالب باخضاع العاصمة لقوانين مستمدة من اجتهادات إسلامية، وهنا يبرز سؤال مشروع عن حق المسلمين الذين يشكلون أغلبية سكان العاصمة في أن تطبق عليهم قوانين مستمدة من دينهم ولذلك فإن الطرح المتضمن في مبادرة التعاهد الوطني التي قدمها حزب الأمة والذي اقترح أن تعدل الحدود الجغرافية الحالية للعاصمة حيث تقتطع وحدة إدارية داخل الخرطوم تمثل العاصمة القومية وتكون خاضعة للدستور القومي، وبقية أجزاء العاصمة تطبق عليها تشريعات مستمدة من الإسلام وإجماع الشعب حل معقول لهذه المشكلة.

 هذه المرحلة الحرجة من تاريخ بلادنا تتطلب إعمال الفكر والحس الوطني من أجل تأمين مخرج سلمي لبلادنا، إن الأسلوب الغوغائي الذي تناولت به بعض الصحف إعلان القاهرة ما هو إلا أحد تجليات الأزمة الفكرية التي يعاني منها خطاب الإسلام السياسي، فالاسلإميون يقيمون الدنيا ولا يقعدونها من أجل ورود عبارة ( الاتفاق علي قومية العاصمة) في إعلان القاهرة في حين أن بروتوكول مشاكوس نص علي أن دستور السودان هو ( دستور قومي) وهو القانون الأعلى في البلاد وكل القوانين يجب أن تتوافق معه فكيف يقبل الإسلاميون وصف الدستور الذي ينظم العلاقات ويحدد السلطات والوظائف بين مختلف المستويات الحكومية ويحدد آليات اقتسام الثروة بين هذه المستويات (بالقومية) وفي ذات الوقت يعتبرون وصف العاصمة (بالقومية) وزراً يرقي إلي حد الاتهام بالكفر البواح ‍‍ إن فكرة إقامة دولة إسلامية في  السودان علي أساس امتيازات سلطوية للمسلمين وهيمنة مطلقة لاجتهادات إسلامية معينة علي البلاد والتعامل مع غير المسلمين تعامل (يد عليا) قد تراجعت الآن وبذلك يكون الإسلاميون ذبحوا أبقارهم المقدسة بأيديهم، وخطورة هذا الذبح أنه لم يأت نتيجة اجتهادات فكرية جديدة أو مراجعات نقدية للمشروع الإسلاموي على المستوى النظري أو التطبيقي بل كان سلوكاً براجماتياً فرضته اللعبة السياسية، وإذا اراد الإسلاميون أن يكون لهم دور تاريخي في إنجاح مشروع السلام وحل الأزمة الوطنية الشاملة فإن عليهم أن يتخلوا عن المكابرة الأيدولوجية والزعيق والنعيق بالشعارات الفضفاضة التي لم يجن المسلمون منها سوى الخراب والدمار.